عوائل شيعية لبنانية باعت أراضي الجليل لليهود
2025.11.15
د. كمال ديب
"سنعرف هنا، أن بيع العائلات اللبنانية لأراضٍ في جنوب لبنان لقاء حفنة من الدولارات (أو الجنيهات الإنكليزية) هو سبب كارثة ضياع الجليل بأكمله عام ١٩٤٨، إذ أن الحركة الصهيونية ما انفكّت تتحدث عن "مستوطنات يهودية في وادي الحُولة"، أي وجود بشريّ يهوديّ في تلك المنطقة كتبرير للمُطالبة بكلّ الجليل في المفاوضات الدولية.
كانت المْطَلّة أول مستوطنة يهوديّة أُقيمَت في القطاع الشرقي في جنوب لبنان عام ١٨٩٦ بتمويل اللورد روتشيلد، ونجح المسؤولون فيها في نسج علاقات مع الزعامات الشيعية في القرى اللبنانية المجاورة والتي كان لها نفوذ تجاوز جنوب لبنان ووصل إلى بيروت، وأبرزها عائلة الأسعد في قرية الطيبة وعائلة عبدالله في قرية الخيام. رعى العلاقات في بدايتها خليل بيك الأسعد، وبعد وفاته عام ١٩٠٨ ورثه ابنه كامل الأسعد وشقيقاه عبداللطيف الأسعد ومحمود الأسعد، أمّا في الخيام فقد برز الحاج حسن عبدالله وابنه الحاج إبراهيم عبدالله (الذي ورث حسن بعد وفاته عام ١٩١٦). وعقدت عائلتا الأسعد وعبدالله أواصر مصاهرة وتحالف بينهما، رغم أن الزعامة السياسية الأبرز كانت للأسعد.
في تلك الفترة تعرّضت مستوطنة المْطلّة لهجمات من قرى درزية مجاورة، فعرض كامل الأسعد وابراهيم عبدالله على المستوطنين اليهود أن يقوم حرس شيعة من رجالهما بحراسة المستوطنة لقاء مبالغ مالية يقبضها الزّعيمان، ولم تكن الحراسة فعّالة، بل أقدم الحرس أنفسهم على سرقة ممتلكات المستوطنة، فقام اليهود بتسوية الأمر مع الدروز، ومع ذلك أصرّ الأسعد وعبدالله أن يستمر عمل رجالهما وأن يدفع اليهود المال لهما، فقام مسؤولو المستوطنة عام ١٩٠٧ بدفع تعويض مالي لهما شرط أن يكون استخدام رجال الأسعد والعبدالله في الزراعة والحصاد في المستوطنة وليس في الحراسة، ووظّف اليهود شبّاناً من الشركس في قرى الجولان المجاورة للقيام بالحراسة، ما أغاظ إبراهيم عبدالله الذي أوعز لرجاله بمُضايقة الشركسيّين لإثبات ضعفهم، وبهذه الطريقة أثبت وجهاء الشيعة نفوذهم، ما أجبر الوكالة اليهودية على اعتماد سياسة المُهادنة والمال، وبرز حاييم كالفاريسكي مدير تجمّع مستوطنات البارون روتشيلد في الجليل الأعلى ليُصبح رئيس "الدائرة العربية" في الوكالة اليهودية، ومهمّته نسج علاقات مع كامل الأسعد وغيره من الشخصيات اللبنانية والسورية. وهذه العلاقة استمرّت لعدة عقود وشملت شراء الأراضي والتعاون الأمني".
كمال ديب، "عهود رئاسية أزمات وحقائق من شارل دبّاس إلى ميشال عون"، دار النهار، بيروت، ٢٠٢٣، ص ١١٢-١١٣.