جولة في الدولة العلوية
للاب لويس شيخو اليسوعي
الدولة العلوية هي ثالثة الدول الوطنية السورية الداخلة تحت الانتداب الفرنسوي لكن موقعها في اطراف سواحل بحر الشام قريباً من جبال قليلة المنافذ صعبة المسالك مع نفور سكانها من الاختلاط ببقية المناصر السورية جعلها كالغادة الحسناء المتسترة المحصنة في خدرها لا يعلم الجمهور الا الزهيد من أمورها وها قد أطاعنا على دليل صغير نشرته الحكومة الفرنسوية مؤخراً مطبوعاً في مطبعتنا الكاثوليكية باللغة الفرنسوية (١) وضعت اليه خارطة لافادة السياح (٢) اشارت فيها الى اهم مدن الدولة وقراها وآثارها القديمة مع تعريف مركزها واقضية محيطها وإنهارها وجبالها، فكان ذلك داعياً حدا بنا الى كتابة فصل خاص بهذه الدولة نستفيد فيه من الدليل المذكور وتشفعة بمعلومات أخرى تستقيها من موارد العلماء والأثريين الذين كتبوا عن تلك الانجاء ولم تزل كتاباتهم مجهولة لدى معظم اهل الوطن
معلومات عمومية
قواسم الدولة من هذه الدولة تعرف اليوم بالدولة العلوية نسبة الى علي بن ابي
Petit Guide Touristique de l'Etat des Alaouides:lis (1 (SYRIE)
هذا العنوان Carte Routiere et Touristique de l'Etat des
Alaouides
LAT
طالب رابع الخلفاء الراشدين وزوج فاطمة كريمة نبي المسلمين . ينتمي اليه العلويون ويعظمونه بمثابة مشترع الاسلام. وكان الاسم الغالب عليهم قبل هذه السنين اسم النصيرية الذي صحفه البعض باسم الأنصارية. واشتقاق هذا الاسم على ما رواه ابو النداء في تقويم البلدان عن ابن سعيد من نصير مولى علي بن ابي طالب، والمرجيح انهم ينسبون الى محمد بن نصير احد اتباع حسن العسكري و الامام العلوي المتوفى سنة ٢٦٠ ه (۸۷۳ م) الذي وصفه الكتبة المسلمون باحد غلاة الشيعة. ومن غريب الاتفاق ان بلينيوس الكاتب اللاتيني في القرن الأول للمسيح يدعو في تاريخه الطبيعي (٥ : ٨١) اهل اقامية (قلعة المضيق بالتصريين (Nazerini) و حدود الدولة العلوية كم تتذ هذه الدولة جنوباً الى النهر الكبير المدعو عند اليونان بالفيروس (Eleutherus) اي السحر وشرقاً إلى حدود دولة دمشق ثم نهر العاصي وتناغم شمالا دولة حلب وغرباً بحر الشام
و مساحتها . جبالها . انهارها كم تبلغ الدولة العلوية طولاً من الجنوب الى الشمال نحو ٢٠٠ كيلومتر وعرضاً نحو ٣٠ كيلومترا فيكون مجموع مسافتها نحو ٦٠٠٠٠ كيلومتر . اما جالها فسلسلة متواصلة كان القدماء يدعونها باسم برجيليوس (Bargylus) تبتدئ جنوباً عند النهر الكبير وتمتد الى الشمال الغربي وهي تدعى هناك يجبيل الاكراد ثم تتصل بالجبل الاقرع ونجيبال انطاكية وفي دولة العلويين انهار عديدة تصب في بحر الشام وهي مباشرة من الجنوب نهر الابرش ونهر عمريت ونهر عمقي ونهر حسين ونهر مرقية ونهر بوس وشهر خريصون ونهر جوبي ونهر البن او الابتر ونهر برغل ونهر المسكين ونهر الروس ونهر المضيق ونهر الصنوبر ونهر الكبير ونهر القنديل . وكفى بعددها دليلا على خصب تلك البلاد وان يكن بعضها سيولا تكاد تنضب في فصل الصيف. واعظمها النهر الكبير او الابيض وهو غير النهر الكبير (الوثيروس) الفاصل بين لبنان الكبير ودولة العلويين فان نبعه في ولاية حلب فيقطع مسافة ٥٦ كيلومترا ويصب جنوبي
شرقي اللاذقية
وتقاسيمها الادارية لم تقسم اليوم الدولة العلوية الى سنجقين. سنجق اللاذقية ومركزه اللاذقية تحت ادارتها ثلاثة اقضية وهي : قضاء اللاذقية وقضاء صهيون
ذات الاكلة الجميلة والنقوش البديعة يبعد عن قوس النصر نحو ٥٠٠ متر وفي اللاذقية من عهد ملوك الروم كنيسة قديمة حولها العرب الى مسجد جامع
ولا تزال فيه تصاوير نصرانية على جدرانه وآثار منقوشة على جوانبه
فتح العرب اللاذقية السنة ١٨ هـ (٦٣٧م ) فبقيت في حكمهم الى اواخر القرن العاشر فعليهم عليها الروم ثم عادوا فاستولوا عليها الى ان فتحها الصليبيون وأحترها بإمارة انطاكية فكانت فرضتها لحسن مرفإها. والمدينة على منعطف ربوة داخلة في البحر كان يمنعها سور ذو شرف وتحدق بها الكروم التي كانوا يعصرون من عنبها خرا طيبة الطنب القدماء في ذكرها وكان في اعلى المدينة حصنان حريزان ثرى في يومنا آثارهما وكانت في خارج المدينة عند مصب النهر الكبير وهم يدعونه بالنهر الابيض كنيسة على اسم القديس
اندراوس الرسول ثم نسكبت اللاذقية بويلات الزلازل (۱۱۰۷ و ۱۱۷۰) وكوارث الحروب بفتح السلطانين صلاح الدين الأيوبي (۱۱۸۸) وقلاوون (۱۲۸۱) فحمل ذكرها وجعلها الماليك المصريون تحت حكم طرابلس وبقيت كذلك في زمن بني عمان الى ان فصلها عنها مدحت باشا ومنحها رتبة المتصرفية فنهضت قليلا من كبوتها وراجت سوق زراعتها ولاسيما تبعها الفاخر . وكانت اللاذقية مع ذلك اشبه بقرية تغلب عليها الاخربة وتشوهها الاقدار وها هي قد اصبحت اليوم بفضل الانتداب الفرنسوي متناسقة الاحياء منظمة الابنية نظيفة الاسواق منارة ليلا بالكهرباء يشرب ساتر اهلها المياه الصافية ويتزهون الارواح في حديقتين بديعتين والسيارات توصلها بانجاء الدولة وبالتخوم المجاورة بما أنثى لها من الطرق ربنا تباتها السكك الحديدية جلة ه جنوبي شرقي اللاذقية على مسافة نحو ٣٠ كيلومتراً منها وهي بلدة صغيرة دعاها قدماء الفرنج zibel يبلغ عدد سكانها حاضراً كما ورد في الاحصاء الاخير ٥٦٧،، نفساً وهي مدينة حسنة الموقع جميلة المنظر تحدق بها البساتين وقد نظف الانتداب اسواقها القذرة التي كانت معششة فيها الميكروبات وجراثيم الهواء الاصفر . ويدل اسمها على ارتقائها الى زمن الفينيقيين واليهم ينسب مرفأها وقريباً من البحر شمالي المدينة مدافن فينيقية. ومن آثارها مسجد السلطان ابراهيم ولعل الصواب
ان فيه قبر ابراهيم بن الادهم احد زهاد المسلمين المتوفى سنة ١٦١ ه (۷۷۸م ) على ما روى ابو الفداء في تقويم البلدان فدعاء العامة بالسلطان وقد تناوب في ملك جبلة بعد الفينيقيين ململوك السلوقيين ثم الرومان ومن آثارهم هيكل على اسم الشمس ثم حلبة رياضاتهم والعابهم الباقية الى يومنا . ثم صارت جبلة الى ملوك الروم فرمم الملك يوستنيان ابنيتها . وكانت حصناً للروم لما فتحها العرب قال ياقوت في معجم البلدان (٢ : ٢٥) :
وبني معاوية بجيلة حصناً خارجاً من الحصن الرومي القديم وكان سكان الحصن القديم قوماً من الرهبان يتعبدون فيه على دينهم فلم تزل جبلة بايدي المسلمين على احسن حال حتى قوي الروم وافتتحوا ثغور المسلمين فكان فيما اخذوا جبلة في سنة ٣٥٧ (٩٦٧م ) بعد وفاة سيف الدولة بسنة ولم تزل بايديم الى سنة ٤٧٣ ( ۱۰۸۱ م ) ... فوتب عليها ابن ضايعة قاضي جبلة واستمان بابن عمار صاحب طرابلس فتقوى به على من جا من الروم فاخرجهم . ثم ملكها الفرنج سنة ١٥٠٣ ١١٠٨ م ) الى ان استردها الملك الناصر صلاح
الدين في سنة ٥٨٤ ه (۱۱۸۸م) »
منها
وفي السنة ١٩٢٤ تولى تدبيرها الامير فخر الدين المعني .. ثم بقيت في ايدي الاتراك الى اواخر الحرب الكونية سقيمة خاملة وخصوصاً بعد ان فتك باهلها الهواء الاصفر سنة ١٨٧٥ فتكاً ذريعاً فانقذتها فرنسة من سقمها ولا تزال ساعية في تحسين امورها. وللسلطان عبد الحميد فضل في ترميم مسجدها واصلاح حمامها التي تجري إليها مياه نبع الفوار الذي يقطع المدينة وير في المسجد ثم يصب في البحر. والسهول المجاورة الجبلة وافرة الخيرات فيها البساتين الكثيرة الاثمار وفيها يزرع تبعها الشهير المغرب اليها المعروف بابي ريحة. ولها ايضاً المراعي المنتجعة تسرح فيها المواشي وكانت ضرائب الاتراك عليها تبلغ في السنة ١٦٠،٠٠٠ قرش بنيف
و بانياس ويدعوها العرب بأنياس وفي كتب الصليبيين Balanaia او Valenie ، يشتق اسمها من اللاتينية ( Balanced ) اي الحامات كان القدماء يستحثون فيها . ولعلها بنيت في ايام اليونان. وكان لها في ايام النصرانية كنيسة جميلة وحضر استفها المجمع النيقوي (۳۲٥) وهي في سفح جبل فوقه حسن مرقب على ساحل البحر تبعد نحو ٢٥ كيلومترا عن جبلة ولها التربة الخصبة والبساتين الطبيبة ذات الاشجار الوارفة الظلال الجنية الاثار المغردة الاطيار يسير في وسطها
شهر بانياس الذي تنبع مياهه شرقي الطريق على مسافة قريبة من البلدة. عدد سكان بانياس بموجب الاحصاء الاخير ١،٢٨٦ . وللمسلمين فيها مسجد. أما النصارى فاكثرهم يسكن في قرية قريبة جنوبي بانياس تدعى مساكين للموارنة منهم فيها كنيسة . ولهم كنيسة اخرى في عين صفراء حيث تكثر مزارع الزيتون طرطوس والاصح طرطوس ويقال طرسوس واسمها مشتق من Antaradus » اي المواجهة لأرواد . هي من المدن الساحلية القديمة موقعها بين
بانياس على مسافة نحو ٤٠ كيلومترا جنوبها وطرابلس على مسافة ٥٠ شماليها ، اقامها اهل ارواد الفينيقيون بازاء جزيرتهم تسويلا لتجارتهم وزراعتهم .عني الامبرطور قنسطاسيوس الأول بترميمها قدماها باسمه قسطنطينة (Constantina) بسور وقلعة ولها الحدائق المحيطة بها. وقد اشتهرت في ايام الصليبيين
فحصنها
كيلومترا
بمنسوجاتها الصوفية . وعدد اهلها اليوم يبلغ ٣،٣٠٧ كما ثبت بالاحصاء الرسمي أزواد هي الجزيرة الصغيرة التي تبعد عن البر بمــافـــة كيلومترين جنوبي غربي طرسوس يسكنها ٢،٧٣١ نفساً وفقاً للاحصاء الاخير. وقد لعبت أرواد دورًا منا في التاريخ كصور وصيداء منذ عهد الفينيقيين وحصلت على استقلال نوعي في عهد السلوقيين فضربت على اسمها النقود وكان لها جر بينها وبين البر وكانت مياه البر تجري اليهم بقساطل ما عدا ما يجمعونه في آبارهم . واشتهر الارواديون خصوصاً بالتجارة البحرية وقد خص النبي حزقيال بالذكر الارواديين فدعاهم (۲۷) : (۸) «قذافي صوره وقال في نبوته عن صور (۱۱:۲۷) : بنو ارواد مع جيشك كانوا على اسوارك من حولك والابطال كانوا في بروجك وعلقوا تروسهم على اسوارك هم اكملوا جمالك . وقد حارب الارواديون مع اليونان والرومان . وكان لارواد سرر مزدوج غاية في المتانة يرد عنها غارات الاعداء ترى الى اليوم آثاره . وكانت ارواد مع صفرها كثيرة السكان شاهقة البنيان. تدل على عمرانها آثار عديدة من اعمدة واخربة وكتابات يونانية ونقود، وكان لها دار ندوة ويملك عليها ملوك وطنيون يسوسون اهلها ، ومنهم كان جروستراتوس الذي حارب الاسكندر مع الفرس ثم أسرع وترضاه بالهدايا لما رآه ظافرا قنال منه الامان. ولا ملك العرب ارواد خرج منها اهلها وامر معاوية بدك حصونها وإحراق ابنيتها . ومذ ذلك الحين قل سكانها وضعف امرها
وكانت تابعة لولاية طرابلس
هذه مدن الدولة العلوية وأما مدنها الداخلية فهي كالقرى تذكر البعض منها ما
الله ذكر في التاريخ
قرى دولة العلويين ذات الأن
قرى الدولة العلوية ومزارعها تنيف على الالف واكثرها للعلويين وللمسلمين ومنها ما يسكنه النصارى كالموارنة والروم وبعضها مشترك بين اهل الاديان المختلفة ومعظم السكان يرتزقون بالفلاحة والزراعة ورعية المواشي وتربية القز والنحل وعصر الزيت وليس ما يستحق الذكر بين القرى الا القليل
فمنها مصياف ويقال مصياد وهي قصبة قضاء العمرانية يبلغ عدد اهلها ۱،۷۰۰ نفس مبنية في الحف جبل . قال ابو الفداء في تقويم البلدان (ص ۲۱۹) مدينة مصياف هي بلدة جليلة وبها انهار صغار من اعين ولها بساتين ولها قلعة حصينة وهي مركز دعوة الاسماعيلية وهي في لحف جبل اللكام الشرقي
وغربي مصياف قرية قدموس بينها وبين بانياس وهي مبنية على منعطف جيل في فئته قصر الاسماعيليين القديم يكشف منه الناظر على البحر وعلى جبل لبنان ينتظر فنان يأخذ بالابصار . وقدموس يبلغ اليوم اهلها قريباً من ١٠٠ نفس لهم مدير واعظم منهما شأناً قرية صافيتا شرقي طرطوس عدد اهلها توجب الاحصاء الاخير ٨٤٢، ٢ نفاً يبلغ منهم الروم نيقاً والذين ثم الروم الكاثوليك ٤٠٠ والباقون علويون ومسلمون ، وهذه البلادة قد افرغ الكابيتان پيرلا (Che Pisella) وسعه في اصلاحها وتزيينها ففتح فيها الطرق وغرس الاشجار وجهزها بالنور الكهربائي وبالتليفون وبمحطة للسيارات وفي صافيتا معمل حرير للوجهاء البيروتيين فرعون وشيحا يصطنع فيه كل سنة نحو عشرة آلاف كياو من الحرير . وفي صافيتا والقرى المجاورة يشتغل الاهلون الطنافس الشهيرة (راجع المشرق ١٩٠٣٦] : ٨٨٥) وفي صافيتا كنائس قديمة منها كنيسة على الطرز اللاتيني هي اليوم في ايدي .
الروم . أما الروم الكاثوليك فهم يعنون حاضراً بابتنا. كنيسة جميلة كان باشر بها الطيب الذكر المطران يوسف الدوماني ويسعى سيادة خلفه في انجازها
وقريباً من صافيتا قرية كفرون معظم اهلها من الموارنة الاتقياء. ولراهبات قلبي يسوع ومريم فيها مدارس زاهرة. وبجوارها قرية دريكيش التي فيها مياه معدنية شبيهة بياء فيشل ( Eaus de Vittel) الشهيرة في فرنسة
ومن القرى الحرية بالذكر تل كاخ على ممر السكة الحديدية بين حمص وطرابلس. في شرقيها في البقيع وقعت المعركة بين الفيصليين ودولة الانتداب سنة ۱۹۲۰ . ومن مآثر الجنرال ببليوت (Gall Billote) ثم خلفه المسيو كيلا (Cayla) فيها وفي كل جهات دولة العلويين الطرقات التي فتحها حتى تسمات المعاملات وراجت الاسواق وتحسنت احوال البلاد
الاثار القديمة في دولة العلويين
كانت ارض العلويين ممراً لغزاة الشعوب الذين قصدوا فتح بلاد الشام وسواحلها سواء اتوا من جهات العراق ام زحفوا اليها من آسية الصغرى او من مصر فاستولوا عليها تباعاً من بابليين ومصريين وماديين ويونان و رومان وعرب على ان الأيام ذهبت بكثير من آثارهم فبقي منها القليل الزهيد وها نحن نذكر منها البعض مما وقفنا عليه في الآثار المصرية كليه ان ما ثبت للأثري الفاضل المسير مونيه عن قدم المواصلات بين دولة الفراعنة ومدينة جبيل يصدق ايضاً على انحاء الدولة العلوية ولاسيما عن سواحلها فان رينان في بعثة فينيقية ذكر آثارا حسنة من العاديات المصرية وجدها في جزيرة ارواد وفي طرطوس وغمريت
منها كتابات هيروغليفية في ارواد ذكر فيها الفرعون بسماتيك الأول ، ومنها تاثيل ودمى ورموز مصرية على آنية من المرمر الشناف تمثل ابا الهول والحية السلطانية (ureus) التي كانت تجعل فوق تاج الفراعنة. وفي طرسوس وجدت آثار دينية من معبودات المصريين. وفي عمريت وقفوا على تمائم وحلى وأنات عليها علائم مصرية بينها كرة ذات تاج حولها حيات يعلوها قرص مجنح وكذلك ورد بين الآثار المصرية ذكر قلعة شبتونة في عهد رعمسيس الثاني، وقد
تحقق ارباب العاديات المصرية انها سبقت الحصن المعروف اليوم بحصن الاكراد الذي جدد بناءه الفرنج الصليبيون
قلعة الحصن وابنيتها القديمة
قامة الحصن في حالتها الحاضرة
LE KRAK DES CHEVALIERS AUTREFOIS ETAUJOURD'HUI
D'APRÈS G. REY
جولة في الدولة العلوية
٤٨٩
و الآثار الفينيقية كم هي كثيرة في بلاد العلويين . منها مدافن قديمة كمدفن اللاذقية ومدفن جبلة بعضها منقور في الصخر على صورة اجران فيها آثار كزجاجات المدامع وخزفيات وبعضها كآبار يضجعون فيها الميت . و من اعظم هذه المدافن مدافن اللاذقية المنحوتة في وسط الصخور على مسافة نحو كيلومتر
و من آثار الفينيقيين في ارواد وفي بعض الحصون صهاريج محكمة البناء ثم ابنية شتى ذات حجارة ضخمة واعمدة وسوار. وكذالك آثار دينية من معبودات الفينيقيين كتائيل "عشترت وانصبة ومقادس كانوا يجعلون فيها عرش «الإلهة السورية » كما في عمريت في بنائها المعروف بالمعبد ذي الآثار الجليلة الباقية الى يومنا ومنها أيضاً هيكل بتوقيقي (Batocéci) الفينيقي الذي يعرف محسن سلمان
لا تزال منه بقايا صالحة يزورها السياح شرقي شمالي صافينا وشمالي المشتى وفي شمالي دولة العلويين آثار هيكلين آخرين مربين وجهيون وجدت فيهما
مصنوعات دالة على العبادة الفينيقية
الآثار اليونانية والرومانية في الآثار الرومانية تتألف خصوصاً من ابنية كانوا يشيدونها لزينة البلاد او لاكرام معبوداتهم كالهياكل والمسارح والقصور الفضة تشهد على جمالها الآثار التي صبرت على آفات الدهر كما سبق
و من ن الآثار اليونانية والرومانية مما عدد لا يحصى من الكتابات العادية بعضها وثنية وبعضها نصرانية وبينها كتابات مدنية نشرها الاثريون كطرمون ورينه دوشر وحضرة الاب لامنس على كثير منها تاريخ السلوقيين . وأمتع هذه الكتابات ما ورد فيها شيء من الآثار النصرانية فتارة يذكر فيها اسم السيد المسيح ابن الله وتارة يلتجئ إلى قدرته بعض المحتاجين وحيناً يستفاد منها اسماء بعض اعيان الأزمنة الخالية من اساقفة وكهنة ومؤمنين ، وحيناً آخر تشير الى نذور وتقادم إلى بعض اولياء الله كالقديس جاورجيوس وغيره . ومع هذه الكتابات الرموز النصرانية المعروفة کا اصلبان وبعض الطيور الرمزية كالجريمة والطاووس وبعض النقوش كالانجر وسعف
النخل الخ وآثار الصليبيين هي كثيرة واخذها القلاع المحصنة التي شادو ها لصيانة البلاد من هجمات الاعداء . نذكر منها اختها . أما دخل الصليبيون بلاد الشام في اواخر
جولة في الدولة العلوية
القرن الحادي عشر وقعت كل املاك الدولة العلوية تحت حكنهم وبقيت في ايديهم إلى أواخر القرن الثالث عشر الا بعض السنين كان المسلمون يستولون عليها وخصوصاً في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي
و كانت اول آثارهم ان حصنوا المدن الساحلية في وجه اعدائهم ففتحوا المرافى او اصلحوها وبنوا لها البروج للدفاع عنها. وكثير من هذه الاستحكامات لم يقو الزمان على دكه إلى عهدنا هذا كما ترى في بانياس وجبلة
وائز من هذه الابنية الحصون الحريزة التي بنوها على حدود بلاد العلويين قريباً من النهر الكبير فجعلوها سلسلة متقاربة بحيث لا يستطيع احد يلحق بها ضررا فمنها ( قلعة الحصن التي كانت في عهدة فرسان القديس يوحنا المعروفين بالاسبيتلار وكان اسمها (Kras des chevaliers كانت من احرز الحصون تحميها البروج وعلى جرانيها الحجارة المنحوتة على هيئة منعطف لا يستطيع الجنود ان يرقوا اليها الا بشق النفس وحولها الخنادق العميقة. وكان لها سوران يحدقان بها. وقد استولى عليها السلطان . بيبرس سنة ١٢٧١
ومنها (قلعة مرقب ) وكانوا يدعونها Margat وهي على قمة جبل مشرف على بانياس كانت واقعة في ملك امير انطاكية ريموند فأقطعها فرسان مار يوحنا السابق ذكرهم سنة ١٢٠٧ وكانت من امروز قلاع الصليبيين ذات سورين منيعين تحرسها بدنة مفروشة بالبلاط وعدة ابراج وفي اسفلها صخور ضخمة وكانت هندستها هندسة الحصون الواقعة جنوبي فرنسة ممزوجة بالهندسة البوزنطية وكان في وسطها معبد واسع مربع مستطيل يأخذ بمجامع القاب مع بساطته ترينة الاعمدة الضخمة . وفي هذه القلعة توفي ملك الروم اسحاق كومتان سنة ١١٩٥ وكان ريشارد ملك انكلترة اسره وسلمة لفرسان المرقب . وحاول صلاح الدين وغيره من ملوك المسلمين ان يفتحوا هذه القامة فاعجز تهم الى ان سأمها الفرسان للسلطان قلاوون سنة ١٢٨٥ فخرجوا منها بالامان
ومنها (برج صافيتا) شرقي جنوبي ارواد كان الصليبيون يدعونه القصر الابيض ( Chastel-Blanc ( كان يحميه فرسان الهيكل وموقعه على جبل بين واديين على على ٢٣٠ متراً فوق سطح البحر كان من القلاع التي لا تنال لوفرة استحكاماتها
جولة في الدولة العلوية
771
المدرجة حول جبلها . كان بناتها الهيكليون حذوا في تشييدها حذو البوزنطيين فبنوا لها سوراً مخمس الزوايا كثير البروج المربعة عميق الخنادق، فتحها الملك الظاهر بيبرس سنة ١٢٧١ فاسر حماتها وكانت أصيبت قبل ذلك ببعض الخراب في الزلزلة التي دهمت سواحل الشام سنة ١٢٠٢
وفي دولة العلويين ايضاً قلمة صهيون يدعوها الفرنج Saone في جبل داريوس شمالي شرقي اللاذقية كان امراء انطاكية حفروا حولها خندقاً يبلغ عمقه ثلاثين متراً في عرض ١٢ م وكانت ثلثة اسوار محدقة بها وباطنها مجهزا بكل عدد الحرب. اخذها صلاح الدين عنوة سنة ۱۱۸۷ . وقد صبر قسم كبير من سورها وابراجها على الزمان
الى يومنا
وللصليبيين قلاع اخرى دون السابقة في الدولة العلوية كيحمور وكوابي وكهف
وقلعة بني اسرائيل وعليقة مما تدل آثارها على شدتها
ولهم ايضاً الابنية الدينية منها بيعة السيدة في طرسوس كان الصليبيون اقاموها في مكان بيعة اخرى قديمة ينسبون بناءها الى اوائل النصرانية وكان المسيحيون يتقاطرون الى زيارتها . فلما فتح صلاح الدين طرسوس أخرب منها جانباً لكن قساً كبيرا منها لا يزال سالماً فمني سنة ۱۹۲۱ المسيو أنلار (Enlar ) بدرس آثارها والتنقيب عن خواصها الهندسية كما انه خص بنظره بناء دير البلمند فكتب عنه فصولاً شائقة ونشر صوره المشيئة وكان في أيام الصليبيين ديراً للرهبان البندكتيين ومن هذه الآثار الدينية ايضاً دير مار جرجس حميراء للروم الأورثدكس فان كنيسته على اسم القديس فوقا اقامها الصليبيون وفيها من اعمال الهندسة والنقوش الجميلة التي الفتت انظار حكومة الانتداب فاهتنوا بامرها . وقد سبق لنا ان كنيستهم في صافيتا هي ايضاً اثر صليبي وكانت على اسم رئيس الملائكة ميخائيل ه العناصر والاريان في الدولة العلوية
قد سبق ذكر الاحصاء الذي ترأت تنفيذه الحكومة الفرنسرية في الدولة العلوية ولا حاجة لوصف النصارى ودينهم فسواء كانوا هناك من موارنة ام روم كاتوليك او اور تذكس فانهم حريصون على دينهم عائشون بالوفاق والوئام شاكرون الفرنسة هئتها في ترقية امورهم وتحسين زراعتهم وصناعتهم ، ويؤملون ان ما يختبره
117
جولة في الدولة العلوية
الكومندان پیشون C Pichon) لزراعة القطن يفتح لهم باباً جديداً للارتزاق وانا البروتستانت فليس لهم من النفوذ في الدولة العلوية الا بما يتفقون من المال الوافر ليقتنصوا به بعض المحتاجين لاسيا مهاجري الارمن، والبروتستانت هناك كما في غير امكنة من شيع منقسمة أما المسلمون فعظمهم في مدن الساحلية وفي بعض القرى لاسيا الجنوبية يقوم
بامرهم شيوخ ملتهم. اما والنصيريون فعنصر هم هو الغالب على الدولة العلوية ويمتازون عن المسلمين بعدة امور ولاسيا بتعظيمهم لعلي بن ابي طالب فيتخذونه كزعيم لتهم ويكادون يعتبرونه بمنزلة الاله ويقرنونه محمد بن عبد الله وبسلمان الفارسي فيجعلونهم كنوع من الثالوث ويختصرون اسماء هم بلفظة عتس والرأي الغالب بين العلماء في عهدنا ان منشأهم كان في العراق في القسم الثاني من القرن التاسع للمسيح بدعوة محمد بن نصير احد غلاة الشيعة ثم بتدبير احد تبعته المبنى الحسين بن حمدان الخصيبي فانشروا في جبال اللاذقية وابتنوا الحصون الحريزة فجرت بينهم وبين الاسماعيليين ثم مع المسلمين في عهد الماليك حروب دامية : ولا احتل المصريون بلاد الشام اخرب ابراهيم باشا قلاعهم فأخلدوا الى السكينة الا عصباً منهم متفرقة كانوا يتعاطون اللصوصية
والنصيرية فرق : الشمالية او الشمسية في شمالي جبل النصيرية يعبدون الشمس . والكلارية او القمرية يعبدون القمر والكلبية يعبدون الحيوان والغيبية عبدة الهواء. يضرون تحت هذه الرموز عبادة علي بن ابي طالب . ولهم شيوخ يختلفون رتباً اعظمهم الإمام ثم النقيب ثم النجيب يتولون صلواتهم واعيادهم ومحافلهم . وهم كتب سرية لا يظلمون عليها احدا من الغرباء ولا من نسائهم ويزعم البعض ان اسرارهم لا تخلو من المنكر . وبينهم كما بين الدروز طبقة المثال وطبقة الجمال ويقولون مثلهم بتناسخ الأرواح
وقد دخل في دينهم شيء من المعتقدات النصرانية واعيادها واولياتها كعيد الميلاد وعيد الغطاس والثمانين والعنصرة وعيد القديين يوحنا المعمدان ويوحنا فم الذهب ويتناولون في مجتمعاتهم الخبز والخمر ويدعون اولادهم باسماء نصرانية، فحمل
جولة في الدولة العلوية
٤١٣
كل ذلك بعض الكتبة الى القول باصلهم النصراني وليس لهم مع هذا معابد للصلاة الا خلوات صغيرة مقيبة ترى في اطراف قراهم
يجتمعون فيها لمناسكهم، وحاضرتهم مصياف فيها امامهم. وفي الدولة العلوية كما رأيت عنصر آخر وهم الله الاسمعيليون فرقة باطنية كانوا
في الاصل مع النصيرية فرقة واحدة ثم انقسموا الى قسمين يعادي كل منها الآخر. والاسمعيليون ينتمون الى محمد بن اسمعيل بن جعفر الصديق وهو سابع انئة العلويين . كانوا في جهات فارس فتفاقم امرهم فيحاربتهم الجيوش الاسلامية فهربوا من وجهها وتسربوا الى جبال انطاكية ومنها الى جبل الساق ثم جبال النصيرية وتمكنوا من فتح بعض قلاعها بساعي احد زعمائهم المدعو عبد الله بن ميمون فعليوا النصيرية وتحصنوا في قلعة قدموس ثم في مصياد وكهف ورصافة وبارين وعرف رئيسهم بشيخ الجيل كان يسكر تبعته باكل الحشيشة فيدفعهم الى كل المنكرات فأطلقوا عليهم اسم الحشاشين الذي اشتق منه الفرنج كلمة Assassins أي القتلة لكثرة من اغتالوهم وفتكوا بهم . ثم اجتمع عليهم المسلمون في عهد مماليك مصر فكروا شركتهم . ثم قام عليهم النصيريون فأذلُّوهم . وقد بقي منهم القليل في عهدنا في جبال النصيرية ويتهمهم العموم باقتراف المحرمات في اجتماعاتهم السرية
اخلا فریم
ان انقطاع اهل الدولة العلوية عن مراكز الدولة الراقية كان مؤثراً في اخلاقهم وان استثنيت منهم النصارى الذين كانوا كالارقاً. في جوارهم كان الغالب عليهم الإياء والأنقة والجور لا يردعهم وادع الا اذا طاردتهم الجيوش المنظمة وأعملت السيف في رقابهم . وتساعدهم على نفور هم جاهم الشاهقة ومنافذها الضيقة وحصونها المنيعة . على أنهم بعد واقعة البقيع وخضوعهم للدولة المنتدبة ادركوا ما الفرنسة من الفضل على بلادهم وهم اليوم مسالمون خاتمون لهم من الحقوق ما لدولتي دمشق وحلب. ويصح ذلك على البكوات والأغوات المسلمين الذين كانوا متصفين بالسلطنة والتغلب ينصبون اموال الناس ويظلمون القروبين ويسخرونهم لاشغالهم قسراً منهم الدنادشة والزعبية والتركمان ويسكن اكثرهم في جنوبي الدولة العلوية في تل كلخ
116
جولة في الدولة العلوية
ومشتى لهم المنازل الفخمة والجياد الكريمة لاسيا جنسبها المعروف بالصقلاوي . ولهم عناية كبيرة في تربية الخيل
والنصيريون ذوو نشاط يرتزقون بالفلاحة وفي النحاتهم الاراضي الطيبة تأتي بالمواسم من الحبوب والبقول والفواكه لكثرة المياه الجارية من جبالهم . وتركوني املاكهم اشجار الزيتون والكروم. ويبلغ محصول الحرير نحو ٢٠،٠٠٠ كيلو غرام. وينتج السجاد في بعض قراهم كرارا
أما العيشة الروحية فهي قليلة الانتشار بينهم ولم يكن لهم المدارس لتهذيب اخلاقهم الا بعض المكاتب الابتدائية واكثرها للنصارى والمسلمين ، والحكومة الفرنسوية مهمئة في سدّ هذا الخلل فأنشأت في انحاء البلاد بعض المدارس على نفقتها تؤمل من المتخرجين فيها خيراً لبلادهم. ويثني الناس على مصري زاده برهان الدين بك الذي اصدر مجلة «العلوي المعتدلة في اللغتين العربية والفرنسية
والاهلين في بلاد العلويين عادات تفردوا بها تختلف لكل قوم منهم في الطوار حياتهم من مولد وزواج وجنازة ففي افراحهم يركبون المواكب وينشدون الاناشيد ويتغنون بالاهازيج ويوقدون النيران ويطلقون السلاح ويغالون بالمظاهرات والالعاب وركض الخيل والجريد وضروب حركات الفروسية والشهامة. وفي مناحاتهم يعظمون المصاب ويشيعون الجنائز با تلهمهم الاحوال . ويحتفل الزعبيون في جنائز هم احتفالا عظياً فينشرون أعلام الطريقة القادرية التي يتبعونها فيشي أمامها المشائخ القادرية. وهم يضربون طبولا صغيرة ودفوفاً وصنوجاً ويتغنون بالاغاني الشجية ثم يزور الاقارب قبر الميت مدة ثلاثة أيام صباح مساء
وبلاد العلويين طيبة الهواء ولاسيما في أواسطها وشمالها والحرارة فيها معتدلة وفي الشتاء تنزل على جبالها الثلوج وتكثر فيها الانواء وتتناوب عليها الارياح الغربية
في الربيع والصيف والارياح الباردة الشرقية من تشرين الأول الى اواخر آذار والاحوال الصحية حسنة بالاجمال الا في جهات الجنوب فتفتك بها الحميات
والجدري. وفي أبان الحرب أصيبت بالمجاعة فذهب عدد عظيم من الاهلين ضحيتها والعيشة في اراضي العلويين ساذجة هنيئة يقتنعون بما رزقهم الله ويجهلون البذخ والتهتك ويسكنون في بيوت بسيطة سطوحها مرصوصة بالحجارة وداخلها قليل ...
المشرق- السنة الثانية والعشرون- العدد7- 1924