وثيقة هامة من محتويات أرشيف آل بولاد.. تنشر بمعرفة الأستاذ الياس بولاد
2025.01.06
ربما من المفيد العودة الى صفحات من التاريخ الحي، حيث كان يتحدث الناس الى بعضهم عن همومهم ببساطة، ولكن بحس من المسؤولية عميق، فيخوضون في مجريات أمور خطيرة تتناول أوضاعهم، فيبدون وجهة نظرهم منها وأراءهم فيها، هذه الأمور لا تختلف في جوهرها الخطير عما يحاك ويحضر للمنطقة وما يعصف بها من أحداث. وهذه رسالة من الأرشيمندريت "فيليبس غرة" الدمشقي مدير المدرسة البطريركية بالقاهرة ،والنائب البطريركي بمصر.
تتضمن اجابة على تساؤلات ابن خاله انطون بولاد في دمشق، عن الأوضاع السياسية في سورية ومسألة الأقليات والدستور في الوطن.
في غرة أيار المبارك ١٩٣٣م.
جناب ابن الخال العزيز انطون أفندي بولاد المحترم.
(المقدمة).
بأسعد الأوقات وافاني كتابكم الكريم اللطيف معايدا وعائدا وداعيا، فشكرت لكم تلك الرطبة الخضرة النضرة المحلاة بقطر الندى، ودعوت لكم بالسلامة، أما المعايدة فلكم مثلها مثنى وثلاث مني ومن لفيف العائلة، الذين يشتركون معي في تقديمها، وان جاءت متأخرة إلا انها ازدادت قوة وحرارة وشغفا، وأما دعوتكم لي الى منزلكم العامر والحج اليكم في فصل الصيف المقبل فمع قبولها بكل طيبة خاطر بالشكر والحمد والثناء، أردد صوت الصارخ بالبرية "أعدوا طريق الرب" ومهدو السبل وافرشوا الدور والغرف... والحق يقال أنني جزيل الشوق إليكم وإلى كل فرد من أفراد عائلتكم الأعزة، كما أنني كثير الاشتياق الى أصحابنا من أبناء دمشق والى الفيحاء الوطن العزيز الذي كاد يقتلني في الصيف الغابر لشدة ولعي وهيامي به...!
يا عزيزي أنطون:
جاء في كتابكم الكريم بعض لمحات عن الأحوال السياسية الجارية عندكم، وتتمنى لو كنت بين ظهرانيكم حتى أخوض معكم غمار السياسة صونا لمصالح الوطن وبخاصة لمصالح الأقليات، ونحن منهم. وإنني أعترف لك أيها العزيز أنني شخصيا لست أفقه للسياسة معنى، لأنه مهما قيل في تعريفها فهي ليست علما حقيقيا حتى أتلقنه ولا فنا أمارسه ولا مذهبا أعتنقه، ولا أنا من قواد القوم أو من المفكرين حتى يكون لي رأي يسمع أو صوت يرفع، إنما طول الاختبار مما
قرأته وشاهدته في حياتي دفعني الى التصريح لك بالاعتبارات الآتية، وأنتم أدرى من بها وهي:
أولا: مسألة الأقليات وصون صوالحها، لافائدة منها على الاطلاق، وما هي إلا
تمويه بتمويه وضجة لا تفيد إلا الدولة الاجنبية للمداخلة في شؤون بلادنا حين يكون لها فائدة في ذلك، ليس بكثير على الانجليز مثلا وعلى سواهم أن يثيروا هياجا ومذبحة على أقلية مسيحية تذرعا منهم للمداخلة في شؤون الدولة الداخلية لأغراض في النفس..
وإذا هضمت حقوق الأقليات أفرادا وجماعات فلا فرنسا ولا غير فرنسا مستعدة أن ترسل أسطولها وجيشها لمناصرتنا ووضع العدل في نصابه. وكل ما هنالك انه يكون لها الحق بالمداخلة والاستفادة على حساب وعلى أكتاف الأقليات.
ثانيا: إذا بقينا أقلية تطالب بحقوق معينة فهل تقف الى جنبنا باقي الأقليات؟ لا أظنهم يسيرون الى جنبنا انهم ينضمون الى الأكثرية الاسلامية، وهكذا يفرقون بيننا ويبيضون وجوههم على حسابنا...
ثالثا: بناء عليه، أرى الأوفق أن لا نفتح باب الأقليات، وأن لا نطالب بضمانات لا سبيل لأحد بضمانتها لنا، بل الأنسب ان ننضم الى الكتلة الوطنية ونسير معها جنبا الى جنب على مبدأ قومي واحد.
ولا يمكن ضمانة حقوق الاقليات إلا في ضمانة حقوق الأفراد من أبناء الوطن وذلك في دستور البلاد حينما توضع نصوصه، وفي حال تعدد الأحزاب السياسية فعلى الأقليات أن تنضم الى الحزب السياسي الذي يوافق صوالحها أو الأكثر ملاءمة لها، وحينئذ تستطيع الأقليات (من غير أن تظهر بهذه الصفة) أن ترجح كفة بعض الأحزاب السياسية سواء كان في الانتخابات أو في دور التشريع....
ويؤخذ من مجمل الحديث الذي جرى في شهر أوكتوبر الغابر بين غبطة البطريرك كريللس (مغبغب) وجناب المندوب السامي الفرنساوي "بونسو" إن الثاني قال للأول: عليكم أنتم الأقلية بأن تنظموا صفوفكم دفاعا عن صوالحكم، ومعنى هذا الكلام: "ما بحك جلدك مثل ظفرك".
وعلى كل حال أظن أنه يوجد أمامنا متسع واسع من الزمان قبل أن يتم الاتفاق على المعاهدة إذا تم!؟
لأن الطرفين يطلبان مستحيلا والمسألة أكثر تعقيدا مما يظن، وهذا بحث طويل عريض لا يفي بحقه هذا القرطاس ولا ألف قرطاس مثله، بل يقتضي له اجتماعات ومباحثات عديدة، مع رجال مقتدرين خبيرين نزيهين يقلبون المسألة على كل شكل من أشكالها حتى يصلوا الى حل وقرار والى خطة عمل تفيد وتثمر وتنجح.
وفي الختام أكرر أطيب الأماني القلبية لكم وللعزيزة "حنينة" زوجتكم المصونة ولأولادكم... داعيا لكم أجمعين بالصحة والسلامة والتوفيق ودمتم لابن عمتكم. الداعي "الأرشيمندريت فيليبس غرة".
"هذه أفكار رجل دين متنور ووطني مخلص، قالها منذ اثنين وتسعين سنة... من له أذنان للسماع فليسمع ويعتبر"...
الباحث بتاريخ دمشق الياس بولاد في ٣/١/٢٠٢٥.