عدنان بدر حلو: بمناسبة أمطارآخر أيار.. استعادة للسيل العظيم الذي اجتاح مشتى الحلو صيف 1924
بمناسبة هطول الأمطار الغزيرة في المنطقة أواخر شهر أيار، وجدنا من المناسب أن نستعيد رواية السيل العظيم الذي اجتاح المشتى صيف 1924!
يورد المعلم نسيم الحلو في فصل من مذكراته حادثة غريبة جدا هي حصول سيول جارفة كالطوفان في الخامس عشر من حزيران سنة 1924 وإليكم تفاصيلها كما رواها المؤلف إذ يقول:
طلبت من ابن أخي جبرا أنيس الحلو أن يصف هذا الطوفان غير العادي فكتب لي عما شاهده عيانا وعما رواه المشاهدون.
قال: "نزلت الأمطار بغزارة غير اعتيادية من نصف الليل إلى آخره وكانت تسوقها ريح شرقية قوية وحدث رعد قوي وأظن سقطت صاعقة. كنت أنا نائما في الغرفة الشرقية عند الشباك الشرقي (من عمارة القرميد المهدمة حاليا والتي كانت تحتل الجهة الشرقية من دار بيت الحلو) فصار ماء المطر يدخل من خلال خشبه وهو مغلق ويسقط على وجهي وفراشي رشاش منه ثم صارت نقط الماء تنزل عليّ من سقف الغرفة لأن الريح الشرقية حملت الماء على الدخول من خلال القرميد إلى (التكنة). وعند الصبح سمعت هديرا طالت مدته ظننته أولا رعدا ولكن طول المدة جعلني أغير فكري وخيل إلي أني أسمع صوت سيل عظيم نازل يهدر وكأنه بقرب نافذتي لشدة صوته الذي كنت أسمعه.
فنهضت وفتحت الشباك ناظرا إلى جهة النهر (مجرى الماء الفاصل بين أحياء القرية في وسطها) فما رأيت النهر ولكني رأيت ما يدهش العقول! شلالا لا يقل عرضه عن المائة وعشرين ذراعا وارتفاعه عن ثلاثين إلى أربعين ذراعا وبخار أو غبار الماء ورشاشه يتصاعد بقوة.
هذا الشلال كان موقعه في الفجوة الكائنة بين بستان سابق عند أعلى الحد الفاصل بين أعلى حي بيت الصوص يمينا وبيت الياس يسارا) ثم فتحت باب غرفتي وخرجت فوجدت جمعا من أهل دارنا على السطح يتفرجون على هذا المنظر الرائع المهيب. وعند سوق الجسر (مجموعة حوانيت بجانب النهر) كان الماء مرتفعا عن ظهر الجسر وجاريا بكل قوته عن جانبه الذي يلي السوق أي يسار النهر. وأصبح محل الجدول الذي عن يسار النهر وما جاوره من البساتين على عرض خمسين ذراعا أو أكثر هو المجرى الرئيسي لذلك النهر العظيم. أما مجرى النهر الأصلي فمع أنه كان فائضا في معظم مجراه (وفي أواسط مجراه كان ركام من الحجارة) وكان يظهر كالجدول الصغير في جانب نهر كبير.
وعند الظهر خفّ ارتفاع المياه وظهرت قناطر الجسر التحتاني (في وسط القرية) ومعظم الماء كان يجري عن جانبه الجنوبي الذي ثلمه السيل وهدمه على عرض خمسة عشر ذراعا أو أكثر. أما القناطر فكانت لا تزال ثابتة ولكنها مكشوفة عارية من الجهة الجنوبية حيث حفرت المياه وكشفت جذور شجرة الدلب العظيمة الكائنة على ركن الجسر الجنوبي وظهرت الجذور متشابكة.
ونظير هذا الفعل حدث في الجسر الأعلى الفوقاني (جسر كنيسة السيدة حاليا) فكان معظم الماء جاريا عن جانبه الأيسر المهدوم خلافا لجانبه الأيمن الثابت. أما الطغيان فقد بلغ معظمه صباحا ودام عشر دقائق ثم انخفض إلى نصف ما كان عليه ولم يزل يتناقص ببطء إلى آخر النهار. وفي اليوم الثاني كان لا يزال أقوى من أعظم الطغيان الاعتيادي في فصل الشتاء. ونبع العطشان ( هذا نبع عادة يجري ماؤه عندما يكون المطر غزيرا وعندما يقل المطر يغور ماؤه في مجراه تحت سطح الأرض) بقي ثلاثة أيام جاريا وكان في اليوم الأول بقوة نهرنا لما تكون مياهه بأشد قوتها أيام الشتاء.
وينقل المعلم نسيم عن لسان عن عمه سليم الحلو أنه " ذهب إلى الكنيسة قبيل حدوث الطغيان وقد عبر النهر على الجسر إليها وبعد الطغيان استحال عليه الرجوع فبقي محصورا في بيت أخته عبر النهر إلى ثاني يوم مساء".
ترى ماذا سيحصل للأبنية التي استخفت بحمى النهر وقضمتها إذا ما حصل سيل مشابه هذه الأيام والله على كل شيء قدير.