كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عفاف و المنديل

صفوان زين- اللاذقية:

 ◦ في العام ١٩٤٦ أوفدت وزارة المعارف (التربية) الطالبة عفاف مصطفى الزين الى الجامعة الأميركية في بيروت لدراسة الأدب الإنكليزي. عفاف واجهت منذ اليوم الاول لالتحاقها بالجامعة مشكلة لم تكن في الحسبان ولا تمتُّ لدراستها بأية صلة، انها مشكلة المنديل (تلك الغلالة السوداء الرقيقة التي غطت وجه كل فتاة مسلمة في لاذقية ذلك الزمن).

لقد أوقع المنديل "عفاف" في حيرة من أمرها، ومصدر الحيرة انها ستكون الطالبة الوحيدة في الجامعة الأميركية بالمنديل ان أبقت عليه، وبالمقابل سوف تكون الفتاة السافرة الوحيدة  في اللاذقية ان تخلت عنه، ما يضعها  امام خيارين احلاهما مرّ، فكان ان لجأت الى خيار ثالث لعله الأهون إنما الأسوأ، هو ان تغطي وجهها في اللاذقية وتُسفر عنه في بيروت، على ان يكون صنوبر جبلة هو الخط الأحمر الفاصل بين السفور والمنديل، السفور في الذهاب والمنديل في الاياب، وذلك بالتفاهم مع سائق "بوسطة الأمير" السيارة الوحيدة العاملة على خط اللاذقية بيروت في تلك الأيام.

جرت الأمور على هذا المنوال طيلة العام الدراسي الأول الى ان تيقنت عفاف وتيقن والداها معها  بان قدرتهم على الاستمرار في هذه الازدواجية المضحكة قد استُنفدت بالكامل، مما حدا بهم الى اتخاذ القرار التاريخي بان تتخلى عفاف عن المنديل في كل الأزمنة والأمكنة، غير انه كان للوالد شرطاً مسبقاً هو ان تأتي عفاف سافرة الوجه اليه الى مدرسة التجهيز حيث كان يشرف بوصفه مديراً للمعارف على امتحانات البكالوريا للعام الدراسي ١٩٤٧ على ان يعودا الى المنزل سويّاً سيراً على الأقدام عبر شوارع المدينة وأزقتها كي يتبين لكافة الناس بأن الوالد راضٍ عن سلوك ابنته.

يُسجَّل لعفاف إذن انها كانت اول فتاة في اللاذقية تتخلى عن المنديل ويُسجَّل لوالد عفاف انه كان اول أب في اللاذقية يتفهم موقف ابنته من قضية كانت تسبب لها الكثير من الحرج والارباك، إنما ومنذ ذلك الزمن تحول السفور الى تيار جارف راح يتعاظم الى ان بلغ أوجه في الستينات من القرن الفائت، بعدها حدث تحول استولد تياراً ما برح هو الآخر يتعاظم حتى وقتنا الراهن هو تيار الحجاب الشرعي، اما  المنديل فلم  يقنع أحداً لا ماضياً ولا حاضراً اذ وجد البعض فيه التفافاً على السفور ووجد البعض الآخر فيه التفافاً على الحجاب.

سوف أختم بأن شقيقتي عفاف التي توفاها الله منذ عامين عن اثنين وتسعين عاماً  كانت الى ما قبل وفاتها بأيام متوقدة الذهن والذاكرة منفتحة على كل جديد موفِّقةً دون أية عقد او رواسب بين ايمانها الديني ومتطلبات عصرها. كانت  نموذج المرأة الذي ساد في بلادي لسنوات قبل ان تعصف به رياح الصراع السياسي والاجتماعي الذي كانت المرأة أولى ضحاياه. 

 ◦