فرح صدقي: نقطة من أول السطر...
هي:
سورية الصغرى
هي:
سورية الجديدة المتجددة
** هي شابة سورية، تبلغ من العمر ثلاثين عاما، أصيبت بأخطر أنواع السرطان، وهو نقي العظام، و زرعته مرتين، وهي تتماثل للشفاء، كأمها "سورية الجريحة" التي تتماثل للشفاء، مثلها. **
(كتبت ما يلي):
نقطة من أول السطر..
لم أيأس يوماً من النظر إلى الأمام باحثة عن تلك النقطة...
لم تكن سنين عمري ال 28 حينها قادرة على التماس هذه النقطة، إلا أنني لم أتلكأ يوماً في متابعة طريقي...
كان علي أن أسير إلى الأمام... إلى الأمام فقط ...
لم يكن هناك ما يكفي من الوقت للإلتفات ذات اليمين أو ذات الشمال، فالوقت لم يكن يوماً من صالحي، بل كنت أمام حرب شرسة بكل ما تعنيها الكلمة من معنى..
حرب بين طرفين لا ثالث لهما...
أنا.... وخصمي!!
وضعني قدري في بداية طريق طويل، إلا أنه لم يرسم لي نهايته.. كان واجبي أن أسلكه وأكسب شرف المحاولة أمام رب العالمين أولاً، نفسي ثانياً وعائلتي ثالثاً... لاأكتشف أين ومتى ستكمن النهاية، دون أن يكون الوقت خاصتي على الإطلاق بل كان قد دخل معي في سباق البقاء لصاحب النفس الأطول.
محطات قاسية... متعبة... خضتها بنفسي دون أن يكون لدي خيار تجاهلها، ففي كل زاوية من زوايا قصتي عبرة، ربما يحتاج المرء لحياة بأكملها كي يكتسبها، إلا أن ربي قد اختارني ربما كعراب لينقل ما تعلمه لآخر يحتاجه.
من غير العدل إن قلت بأنه درسي وحدي، بل شاركني به حياة أب وأم شاهدوا على مدار سنين، شمعة حياتهم تنطفئ بهدوء دون حول أو قوة.
حاولت بكل ما كان متبقيا بداخلي من قوة، أن أنقل إليهم إيماني بقدري، علّني أخفف عنهم...
كم تمنيت لو كان بمقدوري، أن أحيدهم عن مأساتي، ولكن من يمكن أن يتجاهل بأنهم أب وأم؟؟
آه من تلك النقطة التي كنت أبحث عنها في كل تفصيل من حياة قاسية أعيشها..
رأيتها في وجوه متعددة، كانت قد لبست أقنعة مختلفة لم ترحمني يوماً..
لعل أقساها كان في ذلك اليوم!!
* رنين جهاز المونيتور يتصاعد...
* حركة غير طبيعية داخل غرفتي المعزولة...
* ضيق في التنفس...
* ثقل في الصدر...
* صوت الرنين يتصاعد أكثر فأكثر...
* الحركة داخل الغرفة تزداد...
* الأبواب تفتح رغم العزل...
* مزيد من الأجهزة تدخل الغرفة، تتصل بجسدي الضعيف...
* حقن تشك في رقبتي مباشرة...
* صوت من بعيد يقول لي: "تنفسي بعمق.. لا تغيبي يافرح.. خليكي معي.. تحملي"...
* شريط حياة "لم أشبع منها" يسير أمامي بسرعة...
* أصرخ بصوت خافت: "ما بدي موت هلئ"...
* "المريض خارج السيطرة"، يصرخ أحدهم...
أسترق نظرة لا إرادية إلى باب غرفتي لتستقر بين عيون أمي، لأودعها وأعتذر منها أني خذلتها ولم أستطع التحمل أكثر رغم وعودي بأن لا أتركها...
أبحث بسرعة عن أبي وأخي خوفاً من أن يسرقني الوقت قبل أن أودعهما، لأسمع صراخا يقول: "رجعولي بنتي.. بنتي عم تموت"...
يظهر أمام عيني صورة ذلك الشهم الذي لم يخذلني يوماً، فصدق محبته واخلاصه تحتاج لأكثر مما تبقى بداخلي من نفس آنذاك كي أشكره...
أرفع سبابتي لأقول:
"أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد رسول الل "
أغمض عيني غير متأكدة بأنني سأفتحهما مجدداً...
إلا أن قضاء رب العالمين كان مختلفاً، ليخفض بقدرته نبضات قلبي المائة والسبعين تدريجياً، ويعود قلبي لينبض بالحياة من جديد!!!
لست بصدد الخوض بتلك الأقنعة الشيطانية التي كانت تظهر من خلالها تلك النقطة التي كنت أبحث عنها، ففي كل قناع كانت ترتديه، تستنزف جزءا من قوتي الهشة، جراء ضعف جسدي وعدم قدرته على تحمل جرعات هائلة من العلاج الكيماوي، كان قد تلقاها على مدار أشهر، تكللت بزرع نقي عظم آخر بعد فشل الزرع الأول.
لم يتوان لحظة عن تلبية نداء والديّ له، لقد كان أملي الأخير بالنجاة.. التقيت به بعد غياب 6 سنوات ليقدم لي أمل "الحياة" من جديد.
فها هو دمه يجري بدمي الآن!!
إنها ليست مقطعا من أغنية يا أعزائي!!
إنه بالفعل واقع!! أعيش من خلاله.. من جهاز مناعته الذي حل مكان جهاز مناعتي المستهلك الذي لم يعد صالحا للحياة وكان يحتضر.
25 يوماً.. قضاها صاحياً ليلاً، ساهراً أمامي على الكرسي ينتظر إشارة مني إذا ما احتجت شيئاً. عاش ألمي.. ضعفي.. وجعي ويأسي.. دخل علي غرفتي وقد حلق شعر رأسه ليشاركني تجربتي في ذلك اليوم حين تساقط شعري دفعة واحدة... نعم إنه أخي الذي أعيش من خلاله الآن!
تجربتي القاسية لم تخلق لتكون محتملة من دون وجود أشخاص من حولي، قدموا لي من حياتهم الكثير كي أكمل طريقي باحثة عن تلك النقطة...
بداية بوالدي ووالدتي، فسنين عمري المتبقية ترخص تحت قدميهم...
أخي، من أدين له بحياتي من بعد رب العالمين...
خالي وزوجته الذين فتحوا لي بيتهم وقلبهم، برحابة صدر تتخطى الحدود الطبيعية، فكانوا سندي الآخر الذي لم أوفره أبداً..
أصدقاء تفاجأت بهم، فكان دعمهم ومحبتهم وشجاري معهم، وقت ضعفي؛ بمثابة دافع كي أكمل قصتي..
وأخيراً وليس آخراً.. "أنس"..
يكفي أن أذكر هذا الاسم.. لست بحاجة أن أزيد عليه حرفا.. فلم يكن مجرد حبيب أو صديق أو حتى سند، بل كان "الأمل".. تحمل ضغط تجربتي الذي كان يأبى أن يظهر إلا أمامه ليغمرني بدعم ومحبة قل نظيرهما، ومن خلفه عائلته التي كانت بمثابة عائلة ثانية حقيقية، لها مني كل الاحترام..
إن حياة كل انسان مليئة بنقاط مضيئة وأخرى معتمة، فلكل منا تجربته وقدره الخاص به، الذي رُسم له وكُتب باسمه، يمكن أن يتشاركه مع غيره إلا أنه من الصعب أن يقوم بتغييره..
* علمتني تجربتي بأن الحياة "لحظة"..
* الحياة "أمل".."صبر" و "انتظار"..
* حياتنا عبارة عن مسلسل قد تطول حلقاته أو تقصر..
* نحن أبطاله الوحيدون.. ربما ليس بيدنا أحداثه ومجرياته ولا حتى نهايته، إلا أنها ليست بيد مخرج أو منتج يتحكم بنا، بل هي بيد رب كريم لن يتركنا وسيكافئ صبرنا بالفرج مهما طالت المدة...
لقد تعلمت من تجربتي بأن الله وحده من يستطيع أن يغير حياتنا ويُبدل أقدارنا..
لقد كنت أمام قدر "محتوم" بنظري، إلا أن ربي قد تعمد أن يريني بأن التقرب منه، قد يغير قدر الانسان من حال إلى حال، ومهما طال الانتظار فبالصبر والإيمان، كل خيرٍ آت ولا شيء سيكون محالا.
مازلت ألملم مخلفات تجربتي التي قد تقسو عليّ أحياناً، وتذكرني بما قد مضى، إلا أنني بدأت أرمي هذه المخلفات خلف ظهري... لا أعدكم بأنني سأنساها، إلا أنني سأتجاهلها مبدئياً وأستمد منها قوة جديدة، لأكمل طريقي باحثة عن منفذ أستعرض من خلاله تجربتي، علها تكون أملا لأشخاص يبحثون عن بصيص نور، قد أكون أنا من يشعل شمعته الأولى.
ها قد أنهيت مشوار قرابة ثلاث سنوات، كان مليئا بمحطات ونقاط معتمة.. لأضع نقطتي أنا، وقد خططتها بنفسي لتنهي الحقبة الأسوء من حياتي معلنة بداية جديدة وتكون هذه المرة...
نقطة من أول السطر!
