813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

شعبان عبود: بعد أسبوع على الإقلاع عن التدخين.. العزيمة أقوى

اليوم ينقضي أول أسبوع على آخر سيجارة دخنتها..أنا الآن أقوى وأشد عزيمة من قبل، لكني بصراحة وصدق أشعر أن رأسي لا يزال مثل قرعة فارغة منسية في برية بعيدة و تعصف فيها الريح. 

هذا ما أشعر به تماما عندما تراودني السيجارة أكثر من مرة في اليوم، أشعر ان رأسي مجرد قشرة وفيها دودة تدور وتدور وتدور. أشعر بذلك  في الصباح بعد الاستيقاظ حيث اعتدت وعلى مدار سنين طويلة أن ابدأ نهاري مع القهوة والسيجارة. كذلك يحصل ظهرا حين ترتجف يداي  وتبدو كما لو أنها تبحث عن شيء بعد ان أفرغ من طعام الغداء. 

البارحة وحين استيقظت، صنعت كوبا من النسكافيه مع الحليب وخرجت الى الحديقة لكي أشربه، بشكل لا إرادي مددتُ يدي إلى جيب سترتي لأتناول علبة السجائر... استغربت ان يحصل معي ذلك بعد سبعة أيام من التوقف عن التدخين وشراء السجائر، حزنت وفرحت، حزنت لأني اكتشفت حالة الادمان التي كنت فيها، وفرحت لأن جيبي كان فارغا ولأني صمدت سبعة أيام ولم أسقط، لم  أدخن اي سيجارة.

لقد كانت يداي معتادة على أن  تسحب من جيبي علبة السجائر بشكل تلقائي ولا إرادي وعلى مدار سنين طويلة.

ترك التدخين ليس مسألة سهلة، لقد اعتادت أجسادنا نحن المدخين على جرعات محددة من النيكوتين كل يوم، كذلك ارتبط التدخين بعاداتنا وكل تفاصيل يومنا.

نحن ندخن في الصباح مع فنجان القهوة أو كأس الشاي أو المتة، أو بعد طعام الافطار، نحن ندخن خلال الذهاب الى العمل، في العمل، قبل الغداء، بعد الغداء، مع القهوة والشاي أو الكولا أو البيرة مساء، قبل العشاء، بعد العشاء، خلال سهراتنا، قبل النوم.. حين نفرح، حين نحزن، حين نغضب، حين نتشاءم، حين نتفاءل، خلال توترنا، خلال المواقف العصيبة، خلال المواقف المخيفة، خلال النقاش في السياسة، خلال النقاش في الدين، في الثورة، في الحب، قبل الجنس وبعده.

نحن ندخن كثيرا وعلى مدار اليوم. وهذا كله صار مرتبطا بعادات سلوكية ما. لقد صار كل ذلك جزءا من شخصيتنا. وهنا تكمن الصعوبة، صعوبة ان نتخلى عن كل ذلك فجأة، بين ليلة وضحاها كما قررت أن أفعل وكما فعل الكثيرون قبلي. إن أصعب ما في قرار وقف التدخين هو هذا الجانب، الجانب المرتبط بالعادات اليومية للمدخن.

يأتي ثانيا كمية النيكوتين التي اعتادت اجسادنا على أخذها كل يوم. لكن الرائع وما يجب أن نعرفه خلال عملية ترك التدخين إننا نقوم بخلق عادات جديدة. صحيح إن ذلك يبدو صعبا جدا ويأخذ وقتا، لكن في الوقت نفسه، علينا ان ندرك اننا نفتح صفحة رائعة وجديدة في حياتنا، نحن نسعى من خلال تغيير العادات الى استعادة أجسادنا لعافيتها ونضارتها وصحتها وحيوتها. هذا يستحق منا الصبر والتحمل.

بعد سبعة أيام عن التوقف عن التدخين، لا أنام كثيرا مثل السابق، لكني أشعر أن ساعات قليلة من النوم تكفي، صرت أشعر أني استيقظ وأنا أكثر حيوية ورشاقة، صرت أشعر أن مستوى الكآبة والمزاجية في شخصيتي  قد اختلف، أفراد أسرتي أخبروني أن وجهي صار يبدو طبيعيا، وأني بتّ أضحك, وأن مزاجي صار مرحا بخلاف السابق، وأني بت أكثر استعدادا للفرح والتفاعل معهم. أعتقد ان سبب هذه التغييرات هو ان الدماغ بات يستقبل كميات اكبر من الاوكسجين، الاوكسجين بات يتغلغل في كل تلافيف الدماغ والجملة العصبية، قبل ذلك كانت كمية الاوكسجين قليلة جدا وكمية السموم الموجودة في النيكوتين أكثر. الدماغ يحتاج الى اوكسجين حتى يعمل بطريقة طبيعية. هذا يفسر حالة التوتر والكآبة والسوداوية والاحباط والتشاؤم الذي يميز المدخنين والمدمنين من الاشخاص غير المدخين.

طبعا انخفضت كثيرا كمية البلغم المتجمعة في صدري وحلقي، قبل أسبوع كنت أهرول الى المغسلة لأتخلص ما تجمع منه في الليل بسبب تدخين نحو عشرين سيجارة أو اكثر في اليوم.. الان أذهب الى المغسلة بشكل طبيعي، أغسل وجهي، أنظر في المرآة، فأرى وجها مختلفا، شخصا جديدا هو أنا.