أنواعُ السّلوكِ المدرسيّ من خلالِ المواقِف.. أسبابُهُ وطرائقُ عِلاجِه
2021.12.22
فينكس- ميساء دكدوك
إنَّ واحداً من أروعِ الدُّروس التي يتعلَّمُها الإنسانَ هيَ أنَّ قليلاً جدّاً من صفاتهِ توجدُ معزولةً عنِ الصّفاتِ الأخرى، إذ إنّنا نجدُ في مُعظمِ الأحيانِ أنَّ صِفةً مُعيّنة تكون جُزءاً مِن نمطٍ منَ الصّفاتِ أو مجموعةً منها.
من هنا يُلاحظُ المُدرّسُ الواعي أنَّ بعضَ الطلّابِ المعيّنين يتسبّبونَ بكُلِّ المُشكلاتِ الانضباطيّة، في حين أنَّ الآخرينَ يكونونَ حَسني السُّلوك ومُهذّبين. حينَ نقول إنَّ جماعةً منَ الطلّابِ تسلكُ سُلوكاً حَسَناً، وجماعةً أٌخرى تسلِكُ سُلوكاً سيّئاً ،فإنّهُ لابُدَّ مِن طرحِ السؤالِ التالي: "ما الذي يجعلُ سُلوكَ الطّلّابِ في المجموعةِ الأولى يختلفُ هذا الاختلاف عن بعضهِم الآخر؟"
للإجابةِ على هذا السؤال لابُدَّ منَ التعمُّقِ في الأسباب، فالطّالبُ المُتمرّد، والطّالبة الخَجولة المُنعزلة والمضطربة، والطّفلُ القادرُ على التكيُّف، كلُّهُم يملكونَ أسباباً لسلوكاتهم التي تبدو لهُم مُناسبة. وبكَلِماتٍ أخرى، فإنَّ السُّلوكَ المدرسيّ شأنُهُ في ذلكَ شأنَ جميع أنواعِ السُّلوك، لهُ جذورهُ الراسخة، ولا يُمكنُ أن يُفهَمَ إلَا على أساسٍ مِن أنماط مُحدَّدة من المُواقف، وغيرِها منَ السِّماتِ والصِّفات.
ولابُدَّ للمُدرّسِ أن يفهمَ هذا كُلَّهُ من أجلِ التعامُلِ اليوميّ معَ طُلّابه، ومن أجلِ فَهمهِم على المدى البعيد، "فما مدى جدّيّة إساءةِ السّلوك من حيث تأثيرُها على الآخرين؟"
من خلالِ رصدِ سُلوكِ التلاميذ في مدرسةٍ واحدة عددُ طُلّابِها حوالي /400/ طالب، وبالتعاونِ معَ الإداريّينَ والمُدرّسين العام الماضي، وبعدَ الاطّلاعِ على سجلِّ الحالاتِ اليوميّة الطارئة، وتكرارِ بعض السُّلوكات، وأسبابِ استدعاءِ أولياءِ الأمور، وتحويلِ بعضِ التلاميذ لمكتبِ الإرشاد، تبيّنَت أنواعٌ منَ السُّلوكِ والصّفاتِ للتلاميذ، كانَ أهمُّها:
- اللاجتماعية والانسحاب.
- القسوة والتنمُّر.
- الهُمود العامّ بنسبةٍ ضئيلة.
- الامتعاض بشكلٍ كبير.
- الشكّ والعصبيّة بنسبةٍ مُتوسّطة.
- الخَوف منَ الأشخاصِ والمواقف.
- السَّرِقة بنسبةٍ قليلة.
- النزعة إلى اليأس والاتكاليّة بنسبةٍ كبيرة.
- المُبالغة في الثرثرة ونقد الآخرين، وتوجيهِ التُّهَمِ لهُم بنسبةٍ كبيرةٍ جداً.
هذهِ السُّلوكات عدَّها المُدرّسونَ جدّيّةً جدّاً، وهي أعراضٌ خطيرة وضارّة بالنموّ الشخصيّ في نظرِ المُدرّسين.
وفي علمِ النفس يُعَدُّ ذلكَ سُلوكاً سيّئاً يجبُ تعديلُهُ بالدّراسةِ والتعديل، وذلكَ بالثَناءِ والمُكافأةِ والمُتابعة، أوِ التجاهُلِ لبعضِ الحالات.
وتدلُّ هذهِ السُّلوكات بصورةٍ عامّة على الانفعالاتِ غيرِ الصحيّة، والتي تمنعُ النموَّ الشخصيّ الجيّد، وتُعيقُ بذلكَ صاحبَها عنِ التفاهُمِ معَ الآخرين، وهيَ بالطَبع دلالاتٌ على خيبةٍ وفشلٍ ماضيَين، ولذلك كانَ من واجبِ المَدرسة أن تتبيّنَ الأعراضَ الجديّة التي تُعَدًّ أسباباً للصحّةِ النفسيّة السيّئة بُغيةَ علاجَها. فعلى سبيلِ المثال؛ السُّلوكُ الانسحابيّ غالباً ما يكونُ مُتّصلاً بالهُمودِ والشكّ، وهكذا فإنَّ الطالبَ الخَجول قد تَصعُبُ مُعالجته، على الرغمِ مِن كُلِّ العَطفِ الذي يُمنَح له، في حين أّنّنا نُلاحظ أنَّ الكثيرَ منَ الطلّابِ الخَجولين قد يَنقلبونَ إلى طلّابٍ مُزعجينَ لدرجةٍ زائدة.
أمّا المظاهرُ الأقلُّ أهميّة وِفقَ رؤيةِ الإدارةِ والمُدرّسين، فهيَ الهمسُ وعدمُ الترتيبِ والهُدوء، وعدمُ إحضارِ الوظائفِ أو اصطحابِ الكُتُب، أو عدم الانتباه، وعدم الاحترام والمُقاطعة خلالَ الحديث، وعدم التفكير والتأنّي، والتأخُّر الدراسي كما التأخُّر الصباحيّ.
تلكَ الأمور وعلى الرغمِ من أنّها مُزعِجة، إلّا أنّها ليست أعراضاً دالّةً على صِحّةٍ نفسيّةٍ سيّئة جدّاً، وليسَ لها تأثيرٌ كبير على نموّ الشخصيّة.
وممّا لاشكّ فيه أنَّ المُدرّسَ المُتفهّمَ العَطوف والذي يعتمدُ على الطريقةِ التشارُكيّةِ في التدريس يستطيعُ أن يُعالجَ الكثيرَ من تلكَ المُشكِلات بخبرتهِ وإدراكهِ ودرايتِه.
فمثلاً؛ التأخّرُ الدراسيّ، وعدمُ الانتباه، والهَمس، وعدمُ الهُدوء، هذهِ مشاكلُ تحَلُّ بالطريقةِ التشارُكيّة أثناءَ الدرس.
وأيّاً كان، فإنَّ مِن واجبِ المُدرّسِ والإدارة التفريقُ بينَ أنواعِ السُّلوكِ السيّئ ومقدارُ جدّيّتِها، وإن كان هذا العملُ ليسَ بالأمرِ السّهل، إلّا أنَّ الكثيرَ منَ المشاكلِ تُحَلُّ بالتأنّي والصّبر.
حدثت معي هذا العام قِصّةٌ مِن قِبَلِ مجموعةٍ منَ الطلّاب، أرسلتهمُ الإدارة لمكتبي، وبعدَ أن رحّبتُ بهم وطلبتُ منهمُ الجُلوسَ حولَ الطاولة، وذهبتُ لإحضارِ السجلّ والقلم، وأثناءَ عودتي قالت لي إحدى التلميذات: "أُريدُ عصيراً مع بيتزا"، وقالَ آخر" "أريدُ نرجيلة"..، حتّى أنّهم صاروا يضحكونَ ويتمادونَ في الكلام.
إنَّ مثلَ هذهِ الحالة توصيفُها (فَقرٌ في فنِّ التواصُلِ الاجتماعيّ، وعدمُ احترامٍ لأنفسهم وللمكان وللآخر).
بعدها بدأتُ بالتعرُّفِ عليهم، ومن خلالِ حديثي المُعمَّق والدقيق معهم بدأتُهُ بمهاراتِ التواصُل، وعن خُصوصيّةِ الأمكنة، وكيفيّةِ احترامهم لأنفُسهِم وللآخر. وبعدَ مُرورِ ساعةٍ منَ الحوار بدأَ الجميعُ بالبُكاءِ والاعتذارِ والمديحِ بالمُرشِدة. وكانَ أهمُّ أمرٍ مُلاحَظٍ ومُشترَكٍ بينهم هوَ أنّ هؤلاءِ التلاميذ بمُجملِهم يعيشونَ في عُزلةٍ عنِ الأب والأم، فالآباء خارج البلاد، والأمّهات ربّاتُ بيوت لا يتابعنَ أولادهُنّ، بل يرسلنَهم إلى المدرسة، وبعدها إلى المعاهد الخاصّة، وأغلبُ طعامهم وجباتٌ سريعة وحلويات خارج المنزل، وهذا مُلاحَظٌ أيضاً من طريقةِ بناءِ أجسادهم. فقط طالبةٌ واحدة تعيشُ معَ والديها، لكنَّ الأب كانَ ذا تعليمٍ مُتوسّط ،ودوماً هوَ متواجدٌ في العمل خارج المنزل، والأمّ غير مُهتمّة، وهُم أُسرةٌ مُهجَّرة مِن إحدى المُحافظات السوريّة، تنقّلت بينَ عدّةِ مُحافظات هرباً منَ الإرهاب.
وزُبدةُ القول، إنَّ الأبناءَ في هذا العصر يحتاجونَ رعايةً أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى، بسببِ الانفتاح ووسائلِ التواصُل، وعدمِ الاعتمادِ على المدرسةِ وحدها فقط، كما أنَّ منَ الأمورِ التي قد تكونُ شائعةً ومُلاحَظة هيَ أنَّ مُعظمَ الأبناءِ في المُدُن لا يَحظونَ بالرعايةِ الصحيحة، وما يلزمُ اليومَ ككُلّ هوَ تضافرُ الجهود للنهوضِ بواقعِ هذا الجيل من مختلف النواحي ومن قِبَلِ جميعِ الجِهات.
