البربارة طقوس اجتماعية كرست المحبة والإلفة بين أهالي اللاذقية
2021.12.18
رانيا قادوس- اللاذقية- فينكس
في مشهد عائلي جميل لا يليق إلا بأبناء بيئة أصيلة متجذرة بالتاريخ ومشبعة بوحدة العادات والتقاليد والطقوس الشعبية، أجتمع أبناء مدينة اللاذقية يوم الجمعة 17-12-2021 في ملتقى "القنديل الثقافي" لإحياء التراث الشعبي في حي "دعتور المزار" باللاذقية على المحبة والوفاق والتكافل والتضامن الإجتماعي والمصير الواحد إحياءً لذكرى القديسة "بربارة"، التي وحدت بين قلوبهم وجمعتهم على المحبة والألفة والإخاء.

جريدة "فينكس" حلت ضيفاً على الاحتفال الشعبي الذي ضم قامات ثقافية ودينية واجتماعية، وجمعيات أهلية وشعراء وأدباء قدموا من الريف والمدينة والجبل وكان لها هذه اللقاءت.
حيدر نعيسة باحث في التراث الشعبي قال: "يبدأ الاحتفال بمناسبة البربارة باعتبارها أول مناسبات الشتاء، وللاحتفال بهذه المناسبة جانبان، جانب ديني يتمثل في الصلوات والقداديس في الكنائس، وجانب اجتماعي يتمثل في طقوس إعداد الطعام المحدد والمستلهم من وحي المناسبة، وهو قيام كل أسرة بإعداد الطبخة الشعبية المسماة "الهريسة"، وهي عبارة عن حنطة مدقوقة ومقشورة تطبخ بالدجاج صباح يوم البربارة، وكان أجدادنا قديماً يطعمون مواشيهم "أبقار، أغنام، وخراف ..» منها قبل طبخها بالدجاج "حب مسلوق"، وأيضاً يضعونها في مجاري الأنهار والسواقي والينابيع، ليغدق الخير والبركة فيها ولتسير أمورهم كما تسير هذه الحبوب المسلوقة فوق المياه فالقمح هو الخير والخصب والبركة".
وأضاف: "الجميل أن هذه المناسبة تحدد ما بعدها من احتفالات في الشتاء وكونها صادفت يوم الجمعة، فتستأتي باقي المناسبات كذلك يوم جمعة كميلاد السيد المسيح، رأس السنة، القوزلة، القداس وغيرها من أعياد الشتاء".
وبيّن الباحث بسام جبلاوي أن البربارة قديماً كان لها تقاليد وطقوس جميلة جداً، وهي تعيدنا إلى أصولنا وجذورنا الحقيقية الضاربة في أعماق تاريخ منطقتنا الساحلية، وهي تقليد سنوي واحتفال طقسي خاص عمره آلاف السنين، فمن الأمثال الشعبية التي قيلت في البربارة مثلاً: "بعيد البربارة بتطلع المي من كوارا" لأن هذا العيد يترافق مع موسم الأمطار في شهر كانون الأول، ومن الأهازيج التي كان الأطفال ينادون بها بربارة "طبخنالك سليقة ليش ما أجيتي أكلتي... ضوينالك شمعة ليش ما أجيتي اتضويتي"، ومن الطقوس أيضاً أثناء تقديم الهريسة كان الأطفال يمرون على البيوت يحملون الصحون ويدقون عليها منادين "يامعلمتي حلي الكيس الله يبعتلك عريس"، وحين كانت ست البيت تملأ لهم الصحون، يغنون لها: "أركيلة على أركيلة صاحبة البيت زنكيلة"، دلالة على الكرم والغنى فتنال بذلك سلام الأطفال، أما التي تعتذر منهم لنفاذ ما لديها من هريسة يغنون لها وهم راحلون: "نارة فوق نارة صاحبة البيت ختيارة"، ومن أغانيهم أيضاً: "الحجة بربارة والقمح بكوارا والرمان بالدارا .. زيتكون في بيتكون والله يكتر خيركون» ومن أهم أغاني البربارة أغنية "هاشلة بربارة" التي غنتها المطربة صباح سنة 1966.
بدوره أوضح الأب جورج حوش أهمية هذه المناسبة في اجتماع الطوائف كعائلة سورية واحدة، واحتفالهم بهذا العيد الذي يشترك فيه الجميع برمز الحنطة، هذه الحبة التي لها معاني كثيرة وهي تموت كي تحيا كمثل للتضحية والمحبة الصافية، وأضاف: القديسة بربارة جمعتنا من بيوتنا لنكون في هذا البيت الواحد من عمامة وقلنسوة ودكتور وباحث وشاعر وأديب بغض النظر عن أسمائنا إلياس، حنا، محمد، علي ،محمود ،حسن، حسين كلنا من طيف واحد واسم واحد وعائلة سورية واحدة.
من جهته قال خطيب جامع الخلفاء الراشدين الشيخ فؤاد اسماعيل إمام: "اجتمعنا نحن والأخوة المسيحيين من فلسطين والعراق ومن قرى اللاذقية ومدينتها للاحتفال بعيد القديسة بربارة، التي هي رمز التضحية والحب والإخلاص والإيمان بالواحد الأحد، لذلك تحتفل قرانا بهذه المناسبة ونجتمع على أكلة الهريسة كما اجتمعنا اليوم، وهي أحيانا" تكون بالحلو وبالدبس بعد سلقها، وأحياناً تكون باللحم، واجتماعنا الرائع اليوم هو نوع من المحبة والتكافل الإجتماعي والوحدة والألفة، بين أطياف مجتمعنا السوري بارك الله بعيد القديسة بربارة وبارك لنا فيه من كل عام وكل عام وأنتم بألف خير".
