ظاهرةُ تأخُّرِ الزّواجِ وصُعوباتِه
2021.12.11
ميساء دكدوك- فينكس:
إنَّ اللهَ شرّعَ الزواج حِفاظاً على الأخلاق، واستِمراراً للنسلِ البشريّ وِفقَ اتّفاقٍ شرعيّ بينَ الطرفين، حِفاظاً من على الأُسرة منَ التّشتّتِ والانحدار، وليسَ لتشييدِ القصورِ وامتلاكِ الشَّرِكات وتحقيقِ المصالح كهدفٍ أساس.
{يا أيُّها الناسُ اتَّقُوا ربَّكُمُ الذي خلقَكُم مِن نَفسٍ واحدةٍ وخَلقَ مِنها زوجَها* وبَثَّ مِنهُما رِجَالاً ونِساء}.
في هذهِ الآية خاطبَ اللهُ الناسَ جميعاً، ولَم يُخاطب فِئةً أو طائفة أو مذهباً، وتلكَ الآية جاءت ردّاً على مَن يرفضُ الزواجَ لاختلافِ دينٍ أو مذهبٍ أو قوميّة.
وفي آيةٍ أُخرى يقولُ تعالى: {وهوَ الذي أنشأَكُم مِن نفسٍ واحدةٍ فمُستقَرٌّ ومُستودَعٌ قد فَصَّلنا الآياتِ لِقَومٍ يَفقَهُون}.
إنَّ رفضَ الزواجِ بسببِ اختلافِ دينِ أو مذهبِ هوَ أحدُ أسبابِ تأخُّرِ الزواج، والذي أراهُ في السّنواتِ الأخيرة أقلّ الأسبابِ تأثيراً.
أمّا فيما يخصُّ الأسبابَ الاقتصاديّة، فهيَ أكثرُ صُعوبة، فهيَ تقفُ حاجزاً صُلباً أمامَ الزّواجِ في المُجتمعاتِ العربيّة عامّة ومُجتمعُنا السّوريّ خاصّة، فالزّواج يحتاجُ مسكناً صغيراً يصعبُ تأمينهُ لدى الكثيرِ من الشباب، وخاصّةً في ظلِّ سيادةِ البطالة وقلّةِ المدخولِ المادّي قياساً بالأسعارِ المُحلّقة في الفضاء.
ومنَ الصُّعوباتِ العديدة كذلك صعوباتٌ اجتماعيّة وثقافيّة، ففي بعضِ المُجتمعات يُلقونَ مسؤوليّةَ تأسيسِ البيتِ والأثاث على كاهلِ الرجلِ فقط، وحتى فيما لو كانتِ الزوجة ثريّة ومُقتدِرة، وهذا يشكّلُ عبئاً ضاغطاً عليه، أو بسببِ عدمِ توريثِ الأنثى في بعضِ المجتمعات. وقد تتدخّلُ بعضُ العاداتِ والتقاليدِ الأخرى، كالفُروق الطبقيّة والعائليّة، والتي تكونُ بسيطةً جداً في كثيرٍ منَ الأحيان، والمجتمعُ في بعضه يقومُ بوضعِها بين الطرفين حجرَ عثرة بسببِ الجهلِ والتخلُّف.
كما وتأتي صعوبةٌ أخرى، وهيَ تقليدُ بعضِ الفتياتِ للغربِ والفنّانين بمطالبتهنَّ الشابّ بأمورَ ثانويّة حينَ الزّواج؛ (كالمُطالبة بإقامةِ حفلاتِ الزواج التي باتتِ اليوم مُكلفةً جدّاً، يتخلّلُها جلساتُ تصوير وتفاصيلُ لن ينتبهَ إليها أغلبُ المدعوّينَ للحفل).
في ظلِّ كلِّ الصعوباتِ التي ذُكِرَت وصلَ أبناءُ مجتمعنا للفراغِ والتسكُّعِ في المقاهي، وعدمِ المبالاة بأمورِ الحياةِ الأساسيّة والجوهريّة، حتى وصلَ بهمُ المطافُ للخُروجِ عنِ المألوفِ في العلاقات.
إنَّ الإحصائيّاتِ الأخيرة لنسبةِ المتأخّرينَ عنِ الزواج قبلَ ما يُسمَّى "الربيع العربيّ" كانت مُخيفة، وفي شبكة (الألوكة) بيّنت الأرقام الرسميّة أنَّ أكثرَ مِن /50/ بالمئة منَ الشباب لم يتزوّجوا بعد، وأنَّ نسبةَ الفتيات اللاتي لم يتزوّجن حوالي /60/ بالمئة، تتراوحُ أعمارهنّ بينَ (25و30) عاماً، وأنَّ نسبة اللاتي تخطّينَ سنّ /36/ عاماً من دونِ زواج بلغت /39/ بالمئة، وهذا يعدُّ رقماً خطيراً جداً.
أمّا في المرحلةِ التي تلت ما أسمَوهُ "الربيعَ العربيّ" المُفتعل زادتِ النّسبُ عمّا كانت عليهِ قبلاً، وأُضيفت للصُّعوباتِ السابقة صُعوبات أخرى جديدة زادتِ العبءَ على كاهلِ الشباب أكثرَ فأكثر.
جاءَ في مقدّمتها الالتحاقُ بالخدمةِ الاحتياطيّة في صفوفِ الجيش، وفُقداننا الكثيرَ منَ الشبابِ الذينَ هُم في سنِّ الزواج، سواء بالاستشهادِ أوِ التهجير أوِ السَّفر خارجَ البلاد وبناءِ حياةٍ زوجيّةٍ في البلدِ المُضيف، وهذا أثّرَ على زيادةِ عددِ الفتياتِ اللواتي انضممنَ لقائمة المتأخُّرينَ والمتأخّراتِ في الزواج.
إنَّ تقطيعَ أوصالِ الوطنِ الواحد لعدّةِ سنوات كان أحدَ أهمِّ الصّعوباتِ، وما زالت بعضُ المناطقِ معزولةً تحتَ سيطرةِ الإرهابيّين.
كما أنَّ الانقساماتِ السياسيّة التي أحدثت خللاً، ليسَ فقط في صُعوباتِ الزواج، بل في حالاتِ الطّلاق كذلك.
ومن هنا، وفي ظلِّ كلِّ ما تمَّ سرده، لا بدَّ من صرخةٍ تصلُ إلى الأولياءِ ورجالِ الدين، والمؤسّسات الاجتماعيّة المعنيّة، والفعاليّات الاقتصاديّة، لتضافُرِ الجهودِ والإسهامِ في الحدِّ من مُشكلةِ تأخُّرِ الزواج، انطلاقاً من أنّها من أهمِّ وأخطرِ الهمومِ والمشاكلِ على كافّةِ الأصعدة، والتي ستحرمُ مُجتمعنا من أجيالٍ منَ الأطفالِ والشّبابِ الذينَ هم مستقبلاً الأمل في تعويضِ كلّ ما حصلَ من فقدٍ وتخريبٍ وتدمير، وليسَ جيلاً واحداً، وذلكَ بالعودةِ للأصولِ أوّلاً، للّذينَ يمنعونَ الزواجَ لأيّ سببٍ منَ الأسبابِ سابقةِ الذّكر.
{آمنَ الرسولُ بِما أُنزِلَ إليهِ مِن ربّهِ والمؤمنونَ كلٌّ آمنَ باللهِ وملائكتهِ وكُتبهِ ورُسُله* لانفرّقُ بينَ أحدٍ مِن رُسُله}، فالتفرقة والانقسام فرضَها مُنحرفونَ أخلاقيّاً عن جوهرِ الأديان وخارجونَ عن قِيَمِ الإنسانيّةِ والمنطقِ والعقل. فالانقساماتُ الموجودة في مجتمعاتنا اليوم قد وُضِعَت لفَ وأغراضَ ومصالحَ متعدّدة هدفها بعيدٌ عن البعد عن بناءِ الأوطان.
كذلك هيَ دعوة للشبابِ والفتيات للعودةِ إلى البساطةِ في الزواج، والاعتدالِ في المسكنِ والأثاث، في سبيلِ مواجهةِ كلّ ما يحصل وتعويضه.
