813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

يارا معلا... التراث قوة ناعمة لمجتمعٍ أكثر تناغماً

فينِكس- رزان عمران

لعل كلمة "طالب" هي الوصف الأكثر دقة لمن لا يعرف حدوداً للدراسة الأكاديمية، وينقله العلم من درجة إلى أعلى دون نية للتوقف. هكذا تبدو رحلة الباحثة السورية يارا معلا في سعيها لتحويل التراث الثقافي إلى قوة ناعمة، قادرة على إحداث فرق في المجتمع بما يجعله أكثر انسجاماً وقوة، على ما فيه من تنوع واختلاف.

بعد ثلاثة من رسائل الماجستير، استحقت الطالبة معلا أخيراً شهادة الدكتوراه من جامعة غرب اسكوتلندا عن بحث ذي عنوان طويل، يفرض نفساً عميقاً قبل قراءته، "تفعيل التراث الثقافي السوري.. إحداث الفرق نحو تضامن واندماج اجتماعي وثقافي.. دراسة تحليلية للأطر الرئيسية لـ" موزان" في سورية ٢٠١٠-٢٠١٦ و"أوبر دنتيلران" بألمانيا ٢٠١٦-٢٠١٨".

يتضمن البحث وصفة للتكاتف المجتمعي عبر تفعيل التراث الثقافي، متخذاً حالتين للدراسة، أولاهما بلدة موزان في شمال شرق سورية، ذات المكون العربي الكردي، والثانية تجربة مؤسسة "أوبر دنتيلران" الألمانية غير الربحية، التي ركزت على الأكل ومشاركة الطعام، كممارسة ثقافية تتيح سرد القصص وحكايا النوستالجيا، وغيرها من الطقوس التفاعلية التي قد تسهم بوضع سياسات اندماج عادلة.

من هندسة الكهرباء إلى الفنونلا يتوفر وصف.

تقول معلا لـ"فينِكس" بتاريخ 10/12/2021: "لطالما كان التراث الثقافي محل شغف بالنسبة لي، تأثراً بأجواء فنية ثقافية في عائلتي، فوجدت نفسي في المرحلة الجامعية الأولى أنتقل من دراسة هندسة الكهرباء إلى الآثار والفنون في الجامعة اللبنانية، مروراً بدراسات معمقة في هذا المجال في اليونان. تلا ذلك عملي في المجلس البريطاني في دبي كمديرة للمشاريع الثقافية الخاصة بالشرق الأوسط ، وهي المحطة التي قادتني إلى رسالة الماجستير الأولى، التي حملت عنوان "التشخيص في التشكيل السوري". في عام ٢٠١٤، طبعت وزارة الثقافة السورية رسالتي البحثية هذه في كتاب".

معلا التي ولدت ونشأت في الرقة، وتعود أصولها إلى اللاذقية، عادت إلى سورية عام ٢٠٠٩، لتسلّم إدارة مشروع لربط التراث الثقافي بعجلة التنمية، واستثمار القدرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لهذا التراث، بما يجعله مساهماً بفعالية في التنمية، وبالعكس،  وليكون جزءاً من نسيج عالمي يسهّل التواصل بين سورية والدول الأخرى. تقول: "كان مشروعاً وطنياً عابراً للمحافظات، شمل جميع المتاحف والمواقع الأثرية السورية. كما كان محطة مهمة لي كشخص معني بالاطلاع عن كثب على العمل، فتعرفت على ماهية التأثير المتبادل بين الاقتصاد والتراث الثقافي، ومن هنا كانت بداية التفكير برسالة الماجستير الثانية في مجال اقتصاديات الثقافة، والتي حملت عنوان "التراث الثقافي والتنمية"، حيث أنجزتها بين عامي ٢٠١٠ و٢٠١١ في إيطاليا، ونلت الامتياز، وتجاوز التقييم معدل ١٠٠٪ بست علامات إضافية، منحتها إياها جامعة تورينو الإيطالية بالتعاون مع مركز التراث العالمي".

خلال هذه التجربة، تعرفت معلا على بلدة "موزان"، ومن ضمنها "بوابة أوركيش"، وعلى ما يسمى بعلم الآثار المجتمعي، وما أنتجه خبير الآثار جورجيو بوتشيللاتي من خلال أبحاثه التي استمرت أكثر من ٣٠ عاماً في المنطقة، والتي أوجدت مجتمعاً متكاملاً متضامناً ذا رؤية تتعلق بموقعه، وكيفية تواصل مكوناته مع بعضها رغم المعوقات.

الأزمة السورية دافعاً أكبر نحو الهدف

ثم جاءت محطة برلين التي شكلت الوجهة الأكثر استقطاباً للطلاب السوريين الراغبين باستكمال دراساتهم بعد الحرب. فتواصلت يارا مع أكاديمية "دبلوماسيات الثقافة"، المعنية بالعلاقات الدولية والدبلوماسية. توضح قائلة: "كانت الأزمة السورية في ذروتها، فتملكتني رغبة أقوى من أي وقت مضى بتحريك التراث الثقافي بشكل مفيد في هذه المرحلة الحرجة.يار معلا

ارتبطت دراساتي حينها بتلك القضايا، وأنجزت رسالة الماجستير الثالثة "العلاقات الدولية ودبلوماسيات الثقافة" في جامعة فورتفانغن الألمانية، بالتزامن مع تدريسي طلاب الماجستير في الأكاديمية. والتحقت في الفترة ذاتها بجامعة غرب اسكتلندا البريطانية".

شهد عام ٢٠١٦ البداية الفعلية لرسالة الدكتوراه، مسبوقة بفترة تمهيدية تبلورت خلالها أفكار البحث، انطلاقاً من قوة التراث الثقافي وكيفية تحويله مصدراً لقوة ناعمة، بقدرته على إلهام السوريين. وخلق أمثلة من الماضي، لجعلهم يتحدون معاً أياً كانت اختلافاتهم، واقتراح مجموعة قيم ثقافية ورثوها عن أجدادهم، وكيفية تطويرها بما يساعدهم على فهم الحاضر والتعامل مع الوضع المتأزم، وصولاً إلى استثمار هذه القيم لمستقبل أفضل. تضيف معلا: "النموذج كان قرية موزان بمجتمعها العربي الكردي، برجاله ونسائه، وكباره وصغاره، وطبقاته المختلفة، كيف تولدت توليفة بينهم جعلتهم أكثر انسجاماً وفهماً لبعضهم، وبالتالي احتراماً وثقة، بما يبني مجتمعاً قوياً يكونون فاعلين فيه".

وعن الحالة الثانية في الدراسة، تجربة مشاركة الطعام في مؤسسة "أوبر دنتيلران"، تبيّن معلا أن هدف هذه التجربة إيجاد  شعور بالأمان يدفع الناس إلى التواصل والتفاعل، وصولاً إلى بناء قاعدة من التفاهم تسهم في وضع سياسات الاندماج الذي ما زال للأسف مشروطاً بتعلم اللغة والعمل، وهي شروط سليمة تماماً، لكن لا بد أن تسبقها نظرة إلى القادم الجديد على أنه إنسان أولاً وأخيراً، له تاريخ وقدرات، وهو جزء في النهاية من تنوع ثقافي يعد رأس المال الأساسي لمدينة كبرلين".

حضور سوري رغم التجاهل العالمي

لا يقتصر جهد يارا على البحث العلمي المحدود، إذ ترى نفسها معنية باستدامة نتائج البحث، وحتى خلال تواجدها في أوروبا، عملت مستشارة للأمانة السورية للتنمية، ودربت فريقاً من الشباب السوري في مجال حماية التراث الثقافي، كان ذلك عندما أصبحت الأمانة محكّماً معتمداً لدى منظمة الأونسكو لعامين فيما يخص التراث الثقافي اللامادي. تقول: "قمنا بدور مهم في خضم الأزمة، وفي ذروة التجاهل العالمي لسورية، ونال فريقنا تقييماً كأحد أفضل الفرق المحكمة. تزامن ذلك مع حضوري مؤتمري الأونسكو في باريس وبرلين، واللذين كانا بمثابة يقظة عالمية للخطر الذي يتعرض له التراث الثقافي السوري، وأسفرا عن ولادة مرصد لحماية هذا التراث".

تكمل معلا حالياً مع مؤسسة "سانتاغاتا" لاقتصاديات الثقافة، من خلال برنامج "التراث ما وراء الجدار"، والذي صدرت النسخة الأولى منه عام ٢٠٢٠ بمشاركة أكثر من ١٠٠ شاب وشابة من العاملين وطلاب الدراسات ذات الصلة بحماية التراث الثقافي السوري، وتضمن ذلك محاضرات ونقاشات بحضور خبراء عالميين، وصولاً إلى ورقة بحثية أسهم فيها الجميع، كما فاز الطلاب الأربعة الأوائل بفرصة للنشر عن هذا الموضوع في مجلات علمية عالمية، كنوع من كسر الحصار وإيصال صوت الشباب السوري في الداخل، ولفت النظر إلى أهمية القضية.

وبمناسبة الانطلاقة الجديدة لبرنامج "التراث ما وراء الجدار"، تدعو معلا من خلال "فينِكس" جميع المهتمين من طلاب الآثار والعمارة والاقتصاد والفنون الجميلة وإدارة المشاريع وغيرها من الدراسات، إلى المشاركة في البرنامج، مؤكدة جدوى هذا النوع من العمل، وإمكانية إحداث تأثير.

#النبض_السوري