813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

بين الجمال الداخلي و الجمال الخارحي.. ماذا نختار؟

زينة نبيل حسن- خاص فينكس:

في عصر تتلاشى فيه الملامح المميزة البريئة وتطغى عليه الملامح المصطنعة الغريبة، وفي عصر باتت فيه المبالغة في إظهار المفاتن أمراً مطلوباً وبشدة، وبات التحفظ واعتماد الطبيعة الخالصة من دون أدنى منكهات؛ أمرٌ مستهجن جداً. في ظل الانتشار المرعب لعمليات التجميل ولدى كلا الجنسين، وفي ظل الانسياق التام إلى الشكل الخارجي، وبروز مشاعر وعلامات الرفض الكبير للجسد والشكل الطبيعيين؛ يبدو أنَّ الأمر بحاجة إلى التعمق أكثر لفهم الأسباب الكامنة وراء هذه الثورة التجميلية الآخذة بالاشتعال عاماً بعد عام.

ماذا لو عرفنا أنَّ هناك حالة من فقدان الأمان تقبع وراء الشخص الساعي بشراهة إلى الجمال الخارجي؟ فالأنثى التي تبقى منهمكة ليل نهار في تحسين صورتها الخارجية طمعاً في إرضاء زوجها؛ هي أنثى أعلنت ولاءها لعيادات التجميل فتجدها متنقلة من عيادة إلى أخرى على أمل الوصول إلى صورة ذهنية لفتاة من المشاهير كانت قد أسرتها وسيطرت على مخيلتها. إنَّها علَّقت أمانها على الشكل الخارجي، متناسية أنَّها إنسانة من روح وقيم وأهداف ورسالة ومشاعر، ومتجاهلة فكرة أنَّ ما يحدد شخصيتها ليست ملامحها أو مفاتن جسدها بل ما يحدد هويتها هي سلوكياتها وطريقة تفكيرها ومنهجيتها في الحياة ومقدار صدقها مع ذاتها ومع الآخر، وسوية وعيها وطموحها، والأهداف التي رسمتها من أجل إحداث تأثير إيجابي في عائلتها وفي مجتمعها ووطنها.

يفضح إدمان عمليات التجميل مسألة انفصال الشخص عن ذاته الحقيقية، وإشباعه للخارج على حساب الداخل، ونسيان المغزى الأساسي من الوجود، والانسياق وراء القشور والحياة الظاهرية.

ولا نستطيع إخفاء الدور الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي في تصدير فكرة أنَّ الجمال الخارجي والاستحقاق وجهان لعملة واحدة، الأمر الذي خلق نزعة كبيرة لدى الناس ورغبة في التقليد الأعمى للوصول إلى صورة المشاهير معتقدين أنَّهم بذلك يقتربون من النجاح والفرص الذهبية والحظوظ القوية في الحياة.

من جهة أخرى، يتبنَّى معظم الناس مفهوماً سطحياً عن العمر، فينظرون إلى تقدم العمر على أنَّه باب من أبواب التعاسة في الحياة، حيث يكون التركيز على التجاعيد وتغير البشرة وعلامات قلة النشاط، ولا يعيرون أدنى انتباه إلى الجانب الآخر الأكثر إشراقاً من العمر، فالعمر عبارة عن خلاصة تجارب وتعمق في دروس وتحديات الحياة، كما يختفي وراءه الكثير من الحكمة والفلسفة المختلفة والنظرة الأكثر جدية عن كل مظاهر الحياة.

هل هذا يعني أن الجمال الخارجي غير هام وأنَّ علينا تجاهله التام؟

لا يعني الكلام السابق في حال من الأحوال أنَّ على الإنسان إهمال شكله الخارجي والزهد في الحياة، بل يعني إحداث توازن ما بين الداخل والخارج، وتعظيم الداخل لأنَّه الأساس في صناعة إنسان متوازن نفسياً.

ولكن كيف لنا أن نعظم دواخلنا؟

ليزي فلاسيكيز امرأة شابة مصابة بمتلازمة نادرة جعلت من ملامحها غريبة جداً، الأمر الذي عرَّضها إلى الكثير من التنمر والسخرية والتعليقات الجارحة. في سن السابعة عشرة وفي أثناء تصفح ليزي لمنصة اليوتيوب، ظهر أمامها مقطع فيديو يتحدث عن صاحبة أبشع وجه في العالم. فتحت ليزي المقطع وإذا بها تتفاجأ بصورتها متصدرة الحدث. انهارت ليزي من البكاء وتساءلت كثيراً عن سبب الحقد والكره العارم الذي يُظهِره الناس لها، فهي لم تؤذيهم في أي شيء، فلماذا إذاً ينعتونها بالوحش؟ ولماذا إذاً يدعونها إلى الانتحار؟ ولماذا يظهرون كل هذا القبح النفسي؟

سألت ليزي نفسها السؤال الأهم: "هل سأسمح لكل هذه الاتهامات السيئة أن تنال مني ومن سلامي الداخلي؟ هل كلام الآخرين عني هو مَن يحدد هويتي ووجودي؟ وهنا جاء الجواب الشافي لليزي، فقالت لذاتها: مَن يحدد شخصيتي هو قيمي في الحياة وأهدافي وطريقة تعاملي مع الناس والصدق الذي يحتل المرتبة الأولى في حياتي، وليس ملامحي وشكل وجهي وجسدي. ومن هنا كانت النقلة النوعية في حياة ليزي، إذ أيقنت أنَّ الحل يكمن في تطوير ذاتها وصقل شخصيتها وتعزيز مهاراتها وقدراتها، وبعد ذلك سينعكس الجمال الداخلي على ملامحها، وسيشعر الآخرون بذلك الجمال، وبالفعل قامت ليزي بعمل خطوة جدية وأسست قناة يوتيوب خاصة بها تقدم من خلالها الطاقة الإيجابية للناس، وتدعمهم، ناشرة الحب في كل الأرجاء. والمفاجئ هنا، أنَّها استطاعت تحويل ردات فعل الناس العنيفة تجاهها إلى دعم كبير لها، فاليوم ليزي امرأة ملهمة لملايين الأشخاص على مستوى العالم، وبات الناس يرونها جميلة حقاً.

إذاً اصنع لك معياراً ثابتاً لقياس مدى رضاك عن نفسك، لا تسمح لتلك البثرة من أن تعكر مزاجك وتطعن بثقتك بنفسك، بل اربط رضاك الداخلي بأمور ثابتة كالقيم والأهداف ورسالة الحياة ولا تربطه بالشكل الخارجي لأنه متغير ومتبدل دوماً.

لعلَّ التدرب على كسر معايير الجمال من أهم التدريبات لإعادة التصالح مع الذات، حيث يمكنك كسر كل القيود التي كانت تحد من حريتك، وتمنعك من الظهور بطريقة طبيعية تماماً؟. بإمكانك السماح للداخل فقط بالسيطرة على الموقف، كأن تخرجين بلا أي مواد تجميلية لبعض الأيام، وكأن تتخلين عن ارتداء الكعب العالي والتصالح مع طولك الحقيقي. ولكن هذا لا يعني إهمال الشكل الخارجي بتاتاً، بل يعني كسر سطوة المعايير الجمالية والميل إلى التمسك الشديد بالمظهر الخارجي، وذلك بهدف الوصول إلى التوازن ما بين الداخل والخارج.

في النهاية، عندما تنظر إلى المرآة؛ لا تنظر إلى الملامح فقط، بل انظر إلى ما ورائها، استشعر جمالك الداخلي؛ رقتك، رقيك، صدقك، شغفك، نيتك الحسنة، إخلاصك، رسالتك في الحياة، أحلامك، وحتى سلبياتك وضعفك، ومن ثمَّ ابتسم وقل لنفسك: أحبك.