كيف تتخلص من القلق؟
زينة نبيل حسن- خاص فينكس:
كم عدد المرات التي مررت فيها بالحياة من دون أن تتقاطع معها؟ كم عدد المرات التي كنت متوازياً فيها مع الحياة، خجولاً معها، غريباً عنها، لا تملك جرأة الاستمتاع فيها، وملامسة جمالها ورونقها؟ كم عدد المرات التي كنت فيها أسيراً للقلق، تابعاً له، خاضعاً لسمومه؟
إن كنت ممَّن عانى من عوارض القلق؛ إليك إذاً هذه التقنيات الهامة للتخلص من القلق:
1. منهجية الأسوأ:
في حال كنت مِن أولئك الذين يقلقون بشدة، فعليك اتباع منهجية "أسوأ الاحتمالات"، كأن تتوقع أسوأ الاحتمالات، ومن ثمَّ أنقذ ما يمكنك إنقاذه من المشهد. على سبيل المثال: في حال قمت بتقديم مادة امتحانية معينة، وقلقت على نتائج هذه المادة، وخفت من الرسوب فيها، إلى درجة أنَّك تعطلت عن العمل والإنجاز في باقي المواد؛ فعندها عليك توقع أسوأ الاحتمالات كأن ترسب في تلك المادة، ومن ثمَّ تتقبل الخسارة وتنهض من جديد لإنقاذ ما يمكنك إنقاذه.
2. جمع الحقائق وتحليلها:
لا يمكنك حل مشكلة؛ ما لم تجمع الحقائق الكاملة حولها وتقوم بتحليلها لاتخاذ القرار المناسب لها. يضعنا القلق أمام حالة من التسرع والتهور بحيث نتخذ القرار قبل محاولة فهم الحالة وكتابة الحقائق الكاملة المتعلقة بالأمر، لذلك يكون قرارنا ناقص وغير صحي. على سبيل المثال: قد تضطرب العلاقة بينك وبين مديرك المباشر، وقد تعارضه بطريقة عنيفة في تنفيذ قرار معين، الأمر الذي يسبب لك القلق الشديد حول مصيرك المهني. فهنا عليك الجلوس مع ذاتك وجمع حقائق الموقف كما لو كنت مراقباً خارجياً فيه، أي أن تكون حيادياً في تفكيرك ومنفصلاً عن مشاعرك، وتفكر من زاوية الطرف الآخر. تطرح بداية تساؤل حول سبب قلقك، فتقول: "أنا قلق لأنَّني خائف من خسارة وظيفتي ومنصبي". من ثمَّ تسأل نفسك: "ما الخطوات التي أستطيع اتخاذها للقضاء على القلق؟"، فتجيب: "قد يكون بإمكاني التكلم مع المدير الأعلى حول الموضوع وتوجيه ملاحظة حول أداء مديري المباشر، ولكن بهذه الحالة أكون قد ضخَّمت الهوة بيني وبين مديري المباشر. أو من الممكن أن أتجاهل الأمر تماماً وأذهب إلى عملي وكأنَّ شيئاً لم يكن، ولكن بهذه الطريقة أكون قد هربت من المشكلة ولم أواجهها. أو من الممكن أن أطلب من مديري المباشر لقاء عمل، وشرح الأسباب التي جعلتني أعارض قراره مع تبيان نيتي في تغيير الأسلوب المتسرع في الرد في المرة القادمة". ومن ثمَّ تفاضل بين الحلول وتختار الحل الأفضل الذي يخدم مصلحتك ومصالح الآخر.
3. الحركة:
لا تقع أسير القلق، لا تسمح له أن يحول حياتك إلى جحيم. باللحظة التي تشعر بها أنَّ القلق يسيطر على عضلاتك ويجعلك أسير الفراش؛ انتفض وتحرك، وقم باتخاذ الخطوة الأولى من الأمور التي تريد تنفيذها في الحياة. لا تسترسل في مشاعر القلق.
4. النِعَم:
فكر في نِعَم الله عليك، واستشعر حجم العطايا التي رزقك الله إياها، فكيف لك أن تقلق على الحذاء ولديك قدمين، وكيف لك أن تقلق على السيارة ولديك المنزل، وكيف لك أن تقلق على الثياب ولديك الجسد السليم، وكيف لك أن تقلق على الأملاك والعقارات ولديك العقل والقلب والنية الطيبة، وكيف لك أن تقلق على الزواج ولديك العائلة والأخوة. استمتع بما هو بين يديك أولاً؛ ومن ثمَّ سيأتيك كل ما تريد وتطمح له.
5. الغنى الحقيقي:
الغنى الحقيقي يكمن في الاستمتاع في الحياة، وليس في امتلاك المال. لذلك لا تقلق إن لم يكن لديك المال الكثير، فأستطيع أن أجزم لك أنَّ هناك الكثير من الأغنياء مادياً إلَّا أنَّهم لا يستمتعون بلحظة من حياتهم، وهذا هو الفقر الداخلي. لذلك استمتع بكل تفصيل من تفاصيل الحياة؛ منظر الياسمين، السماء، البحر، الرمل.. الخ.
6. اصنع قصتك:
لا تقضِ عمرك في إجراء مقارنات بينك وبين الآخرين، بل اعلم أنَّ لكل شخص على وجه الأرض قصته الخاصة، وبصمته الخاصة التي لا تتكرر. ولا تنبهر بقصص الآخرين، فالمظاهر خداعة، فمَن قال أنَّ صديقك الذي يشارك منشوراً له على مواقع التواصل الاجتماعي بينما يمرح في جزر المالديف؛ سعيداً وراضياً عن نفسه. يوجد الملايين من الأشخاص ممَّن يدمنون وسائل التواصل الاجتماعي بدافع التعويض عن الحب المفقود في حياتهم. وفي حال كان سعيداً بالفعل، فعليك أن تسعد له بدلاً من الحقد على القدر لمنحه هذه الحياة المرفهة، ومن ثمَّ تسأل نفسك عن الاحتمالات التي تستطيع الاستفادة منها من خلال قصة صديقك. انشغل بذاتك وحدد هدفك وامضِ في تحقيقه.
7. القبول
تقبل كل ما لا تستطيع تغييره في حياتك، فالرفض والتذمر لن يؤديا إلَّا إلى المزيد من المعاناة والقلق. هناك مقولة لشخص أصيب بالعمى في كتاب لديل كارنيجي "دع القلق وابدأ الحياة"، إذ قال: "ليس من البؤس أن تكون فاقد البصر، ولكن من البؤس ألا تستطيع احتمال فقد البصر".
8. اليوم:
ابقَ في نطاق يومك، ولا تسمح للماضي أو للمستقبل باحتلال يومك، بل ارسم رؤية واضحة لمستقبلك، وحدد الخطوات التي توصلك إليها، ومن ثمَّ انشغل بالمهام اليومية التي تساعدك في تحقيق هدفك. لا تتعلق بالنتيجة، فالسعادة تكمن في الطريق، فمَن يتسلق قمة جبل إيفرست لا يقف على القمة إلا لبضع دقائق، في حين تواجدت الخبرة والتحدي والحماس والتعلم خلال الرحلة.
9. تفسير التجارب:
أفكارنا هي التي تحدد حالتنا الشعورية وبالتالي حالتنا الجسدية، فالعقل متصل بالجسد اتصالاً وثيقاً. عندما تتبنَّى فكرة "الظروف أقوى مني" فلا تتوقع من نفسك العمل والسعي والإنجاز. وعندما تتبنَّى معتقد "أنا ضعيف لأني عشت طفولتي محروم من الأب"، فعندها لا تتوقع من الكون أن يهبك الفرص والمفاجآت الجميلة. لماذا لا تقول: "لعلَّ وفاة والدي هي الدافع الأساسي وراء إحساسي العالي بالمسؤولية، وهي التي جعلتني أقوى وصاحب رسالة في الحياة، وهي التي جعلتني أشعر بالآخرين أكثر وأهتم لوجعهم أكثر". يقول وليم بوليثو: "ليس أهم شيء في الحياة أن تستثمر مكاسبك، فأي أبله يسعه أن يفعل ذلك، ولكن الشيء المهم حقاً هو أن تحيل خسائرك إلى مكاسب، فهذا الأمر يتطلب ذكاء ومهارة، وهذا هو الفرق بين الرجل العاقل والأحمق".
10. الرسالة:
اشغل نفسك في رسالة كبيرة وفي قضية كبيرة، وعندها لن يشغل بالك التفاصيل الصغيرة غير الهامة في الحياة، ولن تضيع وقتك في جدالات ونقاشات لا فائدة منها. من أكثر الأمور إيجابية للتخلص من القلق هو العمل، فالأطباء على سبيل المثال ليس لديهم الوقت للقلق.
11. تقبل الناس:
تقبَّل اختلاف الناس عنك، فلا تتوقع أنَّ لجميع الناس ذات قيمك ومبادئك. ولا تربط قيمتك بكلمة "شكراً" التي تنتظرها من الناس، بل افعل الأشياء الصالحة التي تتناسب مع قيمك واربطها مع الله عز وجل وليس مع الناس.
12. الحب:
اعطِ الحب بدلاً من طلبه، ولا تنتظر الحب بل قدمه أولاً. فكم نقلق في الكثير من الأحيان من جراء تفاصيل يقوم بها مَن نحب، ولا تكون متوافقة مع ما نريد، أي أنّنا نريد شكلاً معيناً من الحب، ونعتبر المبادرة في الحب ضعفاً واستسلاماً، في حين الإنسان الممتلئ هو مَن ينشر الحب من حوله.
13. النقد:
تقبل النقد ولا تقلق منه، فالنقد البناء يُطوِّرك، في حين عليك تجاهل النقد غير البناء.
14. الاسترخاء:
معظم التعب الذي نشعر به ناتج عن طبيعة اتجاهاتنا الذهنية والعاطفية، وليس عن مقدار العمل الذهني الذي نقوم به. يقول ديل كارنيجي في كتابه "دع القلق وابدأ الحياة": حيث وجد العلماء أنَّ الدماء المندفعة من المخ وإليه وهو في أوج نشاطه، خالية من كل أثر للتعب، فأنت إذا أخذت "عينة" من دماء عامل يشتغل بيديه بينما يزاول عمله؛ فستراها حافلة بخمائر التعب، في حين لو أخذت "عينة" من الدماء المارة بمخ عالم مثل "أينشتين" فلن تجد بها أثراً لخمائر التعب، حتى في نهاية يوم حافل بالنشاط الذهني".
يقول الطبيب النفسي الأمريكي (أ .أ. بريل): "إن مائة في المائة من التعب الذي يحسه العمال الذين يتطلب عملهم الجلوس المتواصل راجع إلى عوامل نفسية، أي عاطفية".
شعور الموظفين بالقلق وعدم التقدير والضيق؛ يُضعِف مقاومتهم الجسمانية لأبسط الأمراض، ويقلل من انتاجيتهم ويُرسِلهم آخر النهار إلى بيوتهم وهم يمسكون أدمغتهم من الصداع العصبي.
يكمن الحل في الاسترخاء، عليك أن تمرن عضلاتك على الاسترخاء. ابدأ بعينيك، قل لعضلات عينيك "استرخي، استرخي"، وكرر ذلك في خاطرك بعد أن تسند ظهرك على المقعد. ومن ثم َّ كرر ذلك على عضلات فكيك و وجهك وعنقك وكفيك وكل جسدك. يقول الدكتور "أدمونت جاكبسون" مدير جامعة شيكاغو: "إن إرخاء عضلات العينين كفيل في إزالة توتر الجسد كله، ولعلَّ ذلك لأنهما وحدهما تستنفذان ربع النشاط العصبي الذي يستنفذه الجسم كله.
15. الراحة:
لا تعتقد أنَّ ساعات العمل الطويلة والمتواصلة هي الساعات الفعالة والأكثر إنتاجية. فإن لم تأخذ قسطاً من الراحة؛ فهذا يعني أنَّك لن تثمر في أعمالك. إنَّ ساعة تنامها خلال النهار مضافة إلى ست ساعات تنامها ليلاً؛ أفضل بكثير من ثماني ساعات من النوم المتواصل ليلاً.
الخلاصة:
تستطيع جعل حياتك بسيطة وممتعة وميسرة، وتستطيع جعلها معقدة ومتوترة وقاسية. ولكَ وحدك حرية القرار!
