813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الأسرة المفككة داء يستشري وينخر في بناء وأساس المجتمع..  صلابة البنيان المجتمعي يبدأ من تماسك الخلية الأولى

دارين حسن - خاص فينكس:

تفرض الحروب وما تخلفه من ويلات وكوارث تلاحما وانسجاما، وتتطلب الملمات والأزمات توافقا وتكاملا، لكن.. مع الأسف ما زالت الكثير من الأسر السورية تنكفئ على نفسها "وبشكل كبير"، وحتى داخل الأسرة الواحدة تشهد العلاقات تفككا وعزلة إلى أن تصل حد قطيعة صلة الرحم، ويمتد ذلك الشرخ إلى العلاقات المجتمعية رغم أننا نعيش في بيوت متلاصقة وأبنية متجاورة، ومع ذلك نشهد تراجعا في علاقات الجيرة.. وأمام ذلك الواقع، ما أسباب ضعف العلاقات الأسرية وتردي العلاقات المجتمعية، وما مقترحات الحلول...؟

نزعة التسلط:

أسباب التفكك في العلاقات الأسرية والاجتماعية عزاها بسام الصافتلي، الدكتور في كلية التربية في حديثه لـ "فينكس" إلى نزعة السيطرة والتسلط وغياب روح التشاركية بين أفراد الأسرة الواحدة التي تستولي على عقول الأبناء والبنات الذين يرون أنّ لهم الحق المطلق لوحدهم دون غيرهم من أفراد الأسرة الآخرين في رسم مسارها، والانفراد في اتخاذ القرارت المصيرية ما يؤدي إلى التباعد وخلق حالة الشعور بالإقصاء من قبل أفراد تم استبعادهم وهو الأمر الذي يجعلهم لا يكترثون بأمر الأسرة وشؤونها، لأنهم يشعرون بالتهميش، وعدم الاحترام والتقدير لمكانتهم، ولما يحملون من رؤى وأفكار ربما تكون الأنسب للأسرة من تلك التي يقوم بفرضها قلة قليلة من أفرادها.

انعدام ثقافة الغفران والتسامح:

ويضيف د. الصافتلي: إن هناك العديد من أفراد الأسر من يستحضر في كل مكان ومناسبة موقفاً، أو حدثاً تم بين أفراد الأسرة في وقت وظرف ما، ويعمل على تأجيج وتعميق الشرخ بالتذكير الدائم بما حصل سابقاً، وإلقاء اللوم على هذا الفرد أو ذلك، والتغاضي عن دوره فيما حدث، وهذا بلا شك يجعل أجواء الأسرة مشحونة بالغضب والتوتر، ولذا يحرص أفراد الأسرة بسبب هذا السلوك على ألاّ يجمعهم سقف واحد، ويبحثون دوماً عن مبررات وأعذار يسوقونها حتى لا يكون هناك فرصة للقاء أبناء الأسرة، والتواصل فيما بينهم.

الاستئثار بالمحبة والاحترام:

وأردف:  يحرص البعض على الاستئثار بمحبة واحترام رأس الهرم في الأسرة الواحدة من خلال السعي الدؤوب لتكريس الصورة السلبية لأفراد الأسرة الآخرين في ذهن كبير الأسرة من خلال تتبع الهفوات وتضخيمها، بل وربما يلجأ لاختلاق معلومات مغلوطة من أجل أن يحظى بمحبة رأس العائلة، وهذا يؤدي بدوره إلى جعل ربّ الأسرة يعامل أبناءه بشكل فظّ بناء على ما تلقفه من أمور سلبية تم تقديمها له من خلال هذا الطرف أو ذاك من أبناء الأسرة الذين جعلوا الاستئثار فوق كل اعتبار، مما يؤدي إلى إحداث حالة عدائية، وانعدام الثقة بين أفراد الأسرة وتباعد المسافات بينهم.

الاستقلالية والنأي بالنفس:

ويتابع د. الصافتلي:  يستقل الفرد عن منظومته العائلية ويكون أسرته الخاصة به، إذ نجده بسبب ذلك يحاول جاهداً النأي بنفسه عن كل ما له مساس بعائلته وهمومها، وهذه الأنانية والتملص من مسؤولية الأخوة مدعاة لنشوء جوّ من النفور والتباعد بين أفراد العائلة الواحدة التي يجب أن يكون همها وشاغلها مشتركاً مهما تكاثرت المشاغل والأعباء، مبينا أن انتشار الحروب والأزمات والأوبئة عادة ما تخلق واقعاً مغايراً لا يكون مرغوباً للمجتمع الذي يدور فيه الصراع، حيث تولد مواقف وأيديولوجيات جديدة تعمل على تغيير التحالفات حتى على مستوى العلاقات الاجتماعية.

جفاف وركود عاطفي:

 هناك حالة من الجفاف والركود العاطفي بين أبناء المجتمع الواحد، يؤدي غالباً إلى خلق حالة من التمرد والنزاع، وهنا يشير د. كلية التربية إلى أن الجفاف العاطفي من المشكلات النفسية والاجتماعية المتفاقمة، وهو نقص حاد في شبكة العلاقات الاجتماعية والإنسانية بين الأفراد يعاني منها كافة أفراد المجتمع لا سيما فئة الأطفال والمراهقين، ويتشكل نتيجة جملة من الأسباب أهمها الطريقة التي تتم بها تربية الأبناء في نطاق الأسرة، والخطاب الديني واللغة الاجتماعية السائدة، وموجة التكنولوجيا الافتراضية ومواقع التواصل الاجتماعي.

غياب روح المكاشفة والمصارحة:

ويغيب عند كثير من الآباء روح المكاشفة والمصارحة مع أبنائهم، ويوضح د. الصافتلي أن العلاقة بين الآباء والأبناء تتسم بالتعامل الفوقي المبني على صيغة الأمر والنهي التي يشعر معها الأب أنه أنشأ هذه الأسرة ليكون فيها الحاكم الأوحد، بالإضافة إلى ازدواج المعايير في التعامل مع الأبناء إما بالتفضيل أو المحاباة والتفرقة الناتجة عن استسلام مطلق للعواطف الخاصة.

وأشار د. الصافتلي إلى أن المشاكل العاطفية التي تحدث بين الأبوين والتعامل المزدوج مع الأبناء يخلق حالة من النزاع بين الأبناء أنفسهم  فتجف ينابيع العاطفة ويحل الحسد والبغض مشكلاً إثر ذلك نماذج جديدة تتمتع بالجفاف العاطفي وتستمر عجلة التدهور الإنساني، هذه النماذج الجافة عاطفياً تسعى لتفريغ شحنتها العاطفية المختزلة خارج نطاق الأسرة وربما تتكون على أثرها علاقات مختلة أخلاقياً تحت ضغط الكبت الأسري..

 ويلفت د. كلية التربية إلى  أن تطرف الخطاب الديني ونظرته للمخالفين فكرياً وتلغُّم اللغة الاجتماعية بين الجماعات والمذاهب الفقهية والسياسية يجفف ينابيع العلاقات الاجتماعية المختلفة اختلافاً صحياً ويكون خنادق فكرية وجماعية متعددة يتسع معها الشرخ المجتمعي وتتفكك بسببها هياكل المجتمع.

منعكسات خطرة:

وحول نتائج ومنعكسات ومخاطر ذلك الواقع المتردي في العـــــــــلاقات الاجــــتماعية على الأســـــرة والمجتمع، يبين د. الصافتلي أن أهمية هذا الموضوع نابعة من أن تأثيره الذي لا يتوقف عند حدود أسوار الأسرة، وإنما يمتد ليطال المجتمع بأسره، لأنّ الأسرة بمثابة الخلية الاجتماعية الأولى والتي إن كانت مستقرة ومتماسكة فهذا يعنى صلابة في البنيان المجتمعي، مشيرا إلى أنّ الأسرة المتشرذمة المفككة تشيع في المجتمع سلوكاً غير سوي يستشري داءه لينخر في بناء وأساس المجتمع ووحدته وتماسكه.

لإعادة التلاحم الأسري والترابط المجتمعي

وفي إطار الحلول الممكنة يشير الصافتلي إلى أن علاج المشكلة يأتي من صلب السبب، فالجفاف العاطفي الأسري – مثلاً – يحتاج إلى وعي أبوي ومراجعات شخصية يحرص معها الوالد على تغيير أسلوب التعامل مع أفراد أسرته على أساس تشاركي وتغليب لمبدأ العدالة في التعامل والمساواة في الجزاء وتعميق روح المحبة والمكاشفة والمصاحبة، وعلى نطاق الخطاب الديني والمجتمعي يقع على عاتق الدولة وأرباب الفكر والدين تقريب وجهات النظر وتقديم المصالح الجمعية وإفشاء روح المشاركة والاختلاف الصحي وتربية أفراد المجتمع على قبول الآخر وإعطاؤه حقه في طرح رأيه وممارسة دورة الاجتماعي، أما بالنسبة لمواقع التواصل الاجتماعي فهي الإناء الذي ينضح بما فيه وهي المرآة العاكسة لجوهر المجتمع ومستوى وعي أفراده، ويمكن الاستعانة بها في معالجة مشاكل المجتمع وتطوير خطاب أبنائه الفكري والثقافي والسياسي.