الخوف من الحب: "عندما يتحول الحصن المنيع الذي شيّدته إلى أكبر قيد في حياتك"
زينة نبيل حسن- خاص فينكس:
نظر في عينيها وقال لها بكل صدق ولهفة وشوق "أحبك، أنتِ الصورة التي رسمتها لفتاة أحلامي، بل أنتِ أكبر من توقعاتي بكثير"، ارتبكت واحمرت وجنتاها وتلعثم لسانها وضاق صدرها، وتركته وبدأت تركض وتركض هرباً منه. توقف لبرهة مشدوهاً من تصرفها وقال لها: "إلى متى ستهربين مني، إلى متى ستحرمين نفسك من متعة الحب وشغفه، إلى متى ستبقين ضحية تجاربك الماضية المؤلمة، أقسم لك أنَّني صادق معك، أقسم بذلك، لماذا تصرين على التشكيك بي وبحبي لك، لماذا كل هذه القسوة؟" وبينما تركض وتتنفس بصعوبة إذ بكلماته تخترق سمعها وتصل بلا إذن إلى قلبها؛ قلبها التي اتخذت قراراً صارماً بعدم الإصغاء إليه وإيقاف الاعتراف فيه. توقفت للحظة وأدركت أنَّ لا أحد يلاحقها، وسألت نفسها السؤال الأكثر أهمية: "ترى مِمَّن تهرب هي؟"، "هل من حبيبها أم من نفسها؟".
وضعها هذا السؤال أمام سؤال وجودي وهو: "لماذا تهرب من الحب، لماذا تخاف دقة القلب واللهفة والشغف، لماذا تحرم نفسها وحبيبها متعة الحب وروعته؟"، وبدأت في مراجعة سيناريو حياتها، وتراءى أمامها مشهد أبيها وهو يعتدي على أمها لفظياً وجسدياً، وشعرت بالحزن والأسف، ومن ثمَّ تذكرت تجاربها العاطفية الفاشلة التي انتهت إمَّا بخيانتها أو بخذلانها. لقد ربطت ما بين الحب والألم، وتبنَّت استراتيجية الهروب لكي تحمي نفسها من أوجاع الحب ومآسيه، وصنعت حاجزاً منيعاً بينها وبين الجنس الآخر لكيلا تسمح لنفسها بالحب والعواطف، ولكن على ما يبدو أنَّ هذا الشخص قد استطاع اقتحام الحاجز والوصول إلى قلبها، ولكن كيف؟ وهي التي عاهدت نفسها ألَّا تحب أحداً وأن تعيش حياة بلا أوجاع وآلام. لقد آمنت بأنَّه لا يوجد مَن يستحق صدقها وبراءتها؛ فبًنت تلك الحواجز سعياً منها للمحافظة على داخلها نظيفاً معافى، ولكنها نست أنَّ لا معنى للحياة بدون حب، وأنَّ شريك الحياة الصادق نعمة من نعم الحياة وجمالها. توقعت أنَّها ستصل إلى السلام من خلال الهروب والتسليح، ولكنها أدركت أنَّ لا سلام بدون حب صادق وحقيقي ومسؤول.
الخوف من الحب؛ تعريفه وأعراضه وأسبابه وعلاجه؛ موضوع هذا المقال.
أولاً: الخوف من الحب
هو حالة نفسية يعاني منها الإنسان عندما يشعر بأنَّه في طور الحب، فيهرب من الحبيب وينعزل مع ذاته وحيداً، أو يجازف وبدخل العلاقة العاطفية، إلَّا أنَّه يقوم بفعل كل الأمور التي تُفشِّل العلاقة وتُنفِّر شريكه منه. يبني الخائف من الحب حصناً منعياً حوله لكي يحمي ذاته الرقيقة والهشة من أية صدمة عاطفية متوقعة، الأمر الذي يجعل حياته بلا روح وبلا معنى.
ثانياً: ماهي علامات الخوف من الحب؟
يظهر على مَن يخاف من الحب علامات فيزيائية عندما يقترب منه شخص ما ويصارحه بالحب، فيبدأ يعاني من اضطرابات المعدة، وضيق في التنفس، وتسرع في ضربات القلب، ودوار، وغثيان، وتعرق.
من جهة أخرى، يظهر على مَن يخاف الحب علامات نفسية معينة؛ مثل: الهروب الدائم من بناء علاقات عاطفية مع الجنس الآخر. والسعي إلى إفشال الأمر في حال الدخول في علاقة عاطفية ما، وذلك من خلال: التشكيك الدائم بحب الطرف الآخر له، الغيرة الشديدة أو التملك الشديد الذي يُنفِّر الطرف الآخر منه، عدم القدرة على الانفتاح على الطرف الآخر، المقارنة الدائمة بين علاقته الحالية وتجاربه الماضية، عدم القدرة على الثقة بالطرف الآخر وبإخلاصه له.
ثالثاً: ما هي أسباب الخوف من الحب؟
1. تجارب الماضي:
عقلنا مصمم على حمايتنا من الألم والخطر، لذلك عندما نتعرض إلى أي تجربة مؤلمة ماضية؛ فإنَّه يسجل ذلك على أنَّه خطر، وفي حال تعرُّضنا إلى تجربة مماثلة مستقبلاً؛ فإنَّه يحذرنا ويحاول حمايتنا من الخطر بشتى الطرق. تعد استراتيجية الهروب من الحب وسيلة دفاعية أنشأها الدماغ لتفادي خيبات الحب الماضية ومآسيه. على سبيل المثال: سيُخلَق لدى مَن ترعرع في وسط أبوين غير عاطفيين؛ حالة من الارتباط ما بين الحب والألم، ففي كل مرة يشاهد فيها النقاشات الحادة بين أبويه، وفي كل مرة يسمع فيها صراخ والدته من جراء اعتداء الأب عليها؛ سيتأكد من معتقد أنَّ الحب عبارة عن ألم. ومن جهة أخرى، في كل مرة تشاهد الفتاة معاناة والدتها بغياب زوجها المتوفي، ستتأكد من أنَّ فقدان الحبيب مؤلم للغاية، وستؤمن بفكرة أنَّ الحياة بلا حب أسلم وأكثر أماناً.
يقدم المهاد المعلومات التي يأخذها من الحواس الخمس إلى اللوزة الدماغية، وهي التي تقرر بدورها فيما إذا كانت تشكل تهديداً أم لا، ولكن من أجل معلومات أكثر دقة، ترسل اللوزة الدماغية المعلومات إلى الحصين الذي يحتوي على ملفات كبيرة جداً من التجارب الماضية والمعارف، ومن ثمَّ يقرر فيما إذا كان الحدث يشكل خطراً أو لا. يعود الحصين ويرسل نتائج بحثه إلى اللوزة، التي تخاطب الغدة النخامية وتطلب منها الاستنفار في حال كان الأمر خطيراً، فتقوم الغدة النخامية بإفراز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، التي تجعل الجسم في حالة تأهب واستعداد؛ فإمَّا أن يواجه الخطر ويقاومه وإمَّا أن يهرب منه. أي إمَّا أن يقاوم الخائف من الحب الحبيب رافضاً الاعتراف بحبه، أو يهرب منه.
2. القصص المخترعة:
لا يبقى في الحقيقة من الماضي وتجاربه إلَّا القصص التي نسجناها عنه، ففي حين أنَّنا ننسى الأحداث والتفاصيل؛ نُفاجَأ بطغيان طريقة تفسيرنا والقصة التي اخترعناها على كامل نواحي حياتنا. "كل الرجال خائنون" معتقد قمت بإنشائه نتيجة تجارب ماضية فاشلة تعرضتِ لها، ولكن الغريب في الموضوع أنَّ هذا المعتقد هو مَن يتحكم في مصيرك المستقبلي، وسيجذب إلى حياتك كل شخص خائن. تصنع منَّا المعتقدات المضادة للحب؛ أشخاصاً قساة القلب، جامدين، وغير عاطفيين. فإن كان لديكِ معتقد مثل: "لا أحد يستحقني"، "لا أحد سيقدر البراءة والصدق الذي أملكه"، "الحب كله ألم"؛ فكيف إذاً سيكون شكل حياتك العاطفية؟
3. عدم الكفاية:
يأتي التفسير السلبي لتجارب الماضي من الإحساس بعدم الكفاية التي يشعر به الإنسان تجاه نفسه، فعندما يشعر الإنسان أنَّه ضعيف وهش وغير قادر على التعامل مع صدمات الحياة؛ ينزع إلى خلق معتقدات قاسية بحجة المحافظة على قلبه سليماً من الآلام. يميل الإنسان القوي إلى صنع معتقدات صحيحة ومنطقية عن الماضي، كأن يقول: "لقد حصلت على تجربة عاطفية فاشلة، ولكن هذا لا يعني أنَّ المشكلة في الحب، بل المشكلة في اختياري لشريك عاطفي غير مناسب لي، سوف أتعلم من هذه التجربة، وسأضع معايير صحيحة لاختيار شريك الحياة المناسب لي، لقد استفدت حقاً من هذه التجربة بالرغم من الألم الذي شعرت به".
4. عدم الوعي:
يميل الكثير من الأشخاص إلى تكرار التصرفات والسلوكات بطريقة غير واعية منهم، فبدلاً من مراقبة أفكارهم وتقييم التجارب التي اختبروها بطريقة عقلانية مفيدة؛ ينزع أغلب البشر إلى اعتماد استجابة واحدة على مدار السنين، وفي غالب الأمر تكون الاستجابة سلبية وغير نافعة. كأن تنزع الأنثى إلى اعتماد استجابة الهروب من الحب على مدار سنين حياتها، دون محاولة إعادة تقييم تجاربها الماضية، وإعادة صياغة تفسير آخر لها، ومن ثمَّ توليد استجابة مختلفة أكثر إيجابية.
5. المفهوم المشوَّه للمشاعر:
يعتقد الكثير من الناس أنَّ المشاعر عيب وحرام وأنَّ الإنسان القوي هو القادر على كبت مشاعره وعدم الاعتراف فيها، الأمر الذي يبعدهم عن عيش حالة الحب ويحولهم إلى أشخاص جامدين وقاسيين. في حين أنَّ القوة الحقيقية هي أن تكون حراً وتعبر عن مشاعرك بمنتهى العفوية على ألَّا تأذي غيرك من البشر، أمَّا مَن يُظهِر عكس ما يُبطِن فهو إنسان ضعيف وهش، وغير متصالح مع الذات.
6. الخوف من التعلق:
يخاف الكثير من الأشخاص من أنفسهم عندما يقعون في الحب، إذ يخافون من سيطرة المشاعر على توازنهم ونضجهم العقلي، الأمر الذي قد يُفضِي بهم إلى اختيار الشريك غير المناسب، لذلك بدلاً من تنمية مهارات الثبات الانفعالي والتحكم في المشاعر وإدارتها؛ يهرع أولئك إلى اتخاذ قرار متسرع ومجنون مثل قرار اعتزال الحب.
رابعاً: ما هو علاج الخوف من الحب؟
1. الامتلاء:
يأتي شعور الخوف من الحب من الخواء النفسي والإحساس بعدم الاستحقاق، كأن يشعر الرجل بعدم استحقاقه بحب امرأة جميلة وخلوقة ومتعلمة. إنَّه لا يدرك حالة عدم الاستحقاق التي يشعر بها، ولكنها موجودة في أعماقه، فهو عندما يبتعد عن المرأة المثالية بحجة الخوف من خيانتها له ومن الألم الذي قد يلحق به بسببها؛ فإنَّه يُخفِي السبب الخفي وراء هروبه ألا وهو حالة عدم الاستحقاق والتي تأتي من إحساس عدم الكفاية وقلة الثقة بالنفس. فهو كأنَّه يقول بينه وبين نفسه: "هل من المعقول أن تعجب بي إنسانة بهذه المواصفات؟". هنا على الإنسان الوعي إلى هذه الجزئية، والبدء برحلة الثقة بالذات وحبها وتقديرها، كأن يتكلم مع ذاته المفردات الغنية بالطاقة والإيجابية، فيقول لها: "أنا أستحق كل شيء جميل وراقي"، "أنا جميل ولطيف وطيب القلب وسأحظى بكل ما يشبهني"، "أنا قوي وأستطيع إدارة علاقة عاطفية بكامل الاحترام والود"، "الهروب ليس حل، بل مواجهة الموقف والتعامل السليم معه هو الحل". ويحدد بعد ذلك أهدافاً صغيرة له ويبدأ في تنفيذها ويحتفل بنفسه عند إنجازها، من شأن ذلك أن يعزز ثقته بنفسه. كما عليه البحث عن رسالته في الحياة، والتركيز عليها، وتحويل الحب إلى إضافة جميلة إلى حياته وليس قضية حياة ووجود.
ينضح الإنسان الممتلئ بالطاقة والإيجابية، وسيكون قادراً على تفسير الأمور من زاوية أخرى أكثر نضجاً وعمقاً. وسيدرك أنَّه قادر على تجاوز كل تحديات الحياة، وأنَّه أقوى من أن يجعل شخصاً سلبياً واحداً يغير له نظرته عن الحب والعاطفة، فالحياة كريمة وغنية ومليئة بالفرص وبالناس الأصحاء، وسيتقاطع مع شخص سليم ورائع لا محالة.
2. القصة
على مَن يخاف الحب أن يعيد سيناريو حياته السابقة، ويبدأ في خلق محتوى جديد أكثر إيجابية لتجاربه، كأن يتذكر العلاقة الفاترة والمتوترة بين والديه، ويقول في نفسه: "لم يمتلك والدي وعياً عالياً، لذلك كان يتصرف بتلك الطريقة الغوغائية مع والدتي، ولكن هل من المعقول أن أبني كل تصوراتي عن حياتي وعلاقاتي بناء على علاقة أبي وأمي ذات الوعي المنخفض؟"، "إلى أي حد سأظلم ذاتي إن فعلت هكذا؟". من جهة أخرى، تقول تلك الفتاة لذاتها: "لقد اختبرت تجارب حب فاشلة، ولكن هذا لا يعني اعتزالي الحب، فالعيب ليس بالحب، بل بالأشخاص الذين اخترتهم". "أنا قوية وقادرة على البدء بعلاقة عاطفية وفي حال لم يكن الشخص هو المناسب؛ فسأكون مستعدة للنهوض من جديد والتعلم من التجربة".
4. مشاركة الشريك
على مَن يخاف الحب مصارحة حبيبه بمشاعره وبمنتهى الصراحة، وذلك من أجل الاستمتاع بعظمة المشاركة بينه وبين شريكه، كما يساعد هذا الأمر في تقوية الثقة بينهما، وإزالة الجليد فيما بينهما. لا تحصر نفسك مع أفكارك السلبية، بل شاركها مع شريكك وسترى السعادة والاطمئنان الذي ستشعر به.
5. الوعي والمراقبة
راقب أفكارك دوماً، وقم بتحليل تجارب حياتك. لا تُسلِّم في الاستجابات التي تقوم بها منذ وقت طويل، فقد تكون أكبر عائق في حياتك دون أن تدري ذلك.
الخلاصة:
لا معنى للحياة بدون حب، فلا تكن أسير تجربة ماضية أو حدث ماضي مؤلم. تحرر من الألم، وابنِ قصة جديدة تجعلك أقوى وأكثر انطلاقاً وإيجابية، فأنت تستحق أن تعيش الحب، لا أن تقبع في حصن منيع معتقداً أنَّك المنتصر في حين أنَّك أكبر الخاسرين؛ فلا يمكن لشخص أن يربح وقد خسر متعة الحب ورنقه وروعته.
