ماذا لو كان التطور هو المرادف الآخر للمخاطرة؟!
زينة نبيل حسن- خاص - فينكس:
كم عدد المرات التي ذُهِلت فيها بمظهر تلك "النملة" التي تكاد لا ترى والتي قررت المخاطرة بحياتها كلها من أجل السعي إلى رزقها. لم يثنها حجمها الصغير والتحديات الكبيرة من حولها؛ عن اتخاذ خطوة جريئة كهذه. من الواضح أنَّها اعتبرت مسألة البحث عن ذاتها والسعي إلى رسالتها؛ صفقة رابحة وتستحق المخاطرة بكل ما تملك من أجلها.
تضعنا هذه النملة أمام سؤال كبير جداً وهو: "هل المخاطرة ضرورة في الحياة أم رفاهية؟"، وفي حال كونها ضرورة فإلى أي حد يجب أن نخاطر في حياتنا؟"، "وما هي معيار المخاطرة"، "وكيف نضمن أنَّ القرار المبني على المخاطرة؛ صحيح وفعَّال؟"، "وماذا عن العوائد التي سنضعها موضع الحساب في أثناء تقييمنا للمخاطرة؟".
يبدو جلياً أنَّ قيمتي المخاطرة والاحترام مترابطتان، فكيف لك ألَّا تحترم تلك النملة التي جعلت أحلامها أكبر من قدراتها بمئات المرات، وكيف لك ألَّا تحترم ذلك الشخص الذي خاطر بكل ما يملك في سبيل قضية مجتمعية مؤمن بها إلى حد الصميم؟ ولكن من جهة أخرى، قد ترتبط المخاطرة بمشاعر سلبية ومزعجة، فكيف لك أن تتقبل وجود ذلك الإنسان الذي خاطر بصحته في سبيل جرعة من المخدرات، وكيف لك أن تتعاطف مع ذلك الشخص الذي خاطر بصحته ونعم حياته في سبيل هوسه بالسرعة؟
يبدو أنَّ موضوع المخاطرة بحاجة إلى البحث والدراسة العميقة؛ وهو ما سنحاول مقاربته في هذا المقال.
أولاً: ماهي المخاطرة؟
هي حالة من انعدام اليقين ومن الإحساس بالخوف؛ يشعر بها الإنسان في أثناء اختباره لموقف ما غير معتاد في حياته، تجعله في حالة من الصراع والتشتت ما بين عقله وقلبه، وما بين قيمه وتجربته، وما بين نظرته ونظرة المجتمع، بحيث يكون غير قادراً على اتخاذ القرار المناسب له.
ثانياً: ما هي أسباب خوف الإنسان من المخاطرة؟
1. الميل إلى الأمان:
يميل أغلب الناس إلى الأمان والروتين، الأمر الذي يجعلهم في حالة من الخوف أمام أي تغيير يهدد روتين حياتهم، ويضعهم أمام احتمالات جديدة لا يعرفونها.
2. المفهوم المشوَّه للمخاطرة:
ينظر أغلب الناس إلى المخاطرة على أنَّها خسارة وندم، وإلى الروتين على أنَّه أمان واستقرار. في حين أنَّه لا تطور في الحياة من غير مخاطرة، فأنتوني روبنز ما كان ليصل إلى ما وصل إليه من نجاحات باهرة كمدرب تنمية بشرية؛ لولا اتخاذه للقرار الجريء والمخاطرة الكبيرة في ترك منزله للتخلص من الظلم الواقع عليه من قبل والدته المريضة نفسياً وزوجها، ومن ثمَّ البدء من الصفر في مساره المهني في عمر المراهقة.
3. الاستحقاق:
يختفي وراء الخوف الشديد من المخاطرة؛ إحساس كبير بانعدام القيمة. بحيث تموت رغبة الإنسان في التطور، ويتخلَّى عن أهدافه وأحلامه، ويفضل البقاء على ذات المستوى من حياته الرتيبة.
4.الصراع ما بين القلب والعقل:
يعيش معظمنا ذلك الصراع ما بين القلب والعقل عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرار مصيري في الحياة، فنفشل في المخاطرة ونختار القرار الأسلم والذي يتماشى مع الموروثات المجتمعية ومع دائرة الأمان التي اعتدنا المكوث فيها.
5. عقلية الفقر:
يهرب أغلب الناس من المخاطرة نتيجة تبني عقلية الفقر، وعبودية المتاح. فكم من مرة سمعنا عبارة: "عصفور باليد أفضل من عشرة على الشجرة". لقد تبرمجنا على مسألة ضرورة المحافظة على المتاح حالياً أفضل من حالة السعي إلى خيارات واحتمالات مجهولة في الحياة. ويطعن هذا المبدأ بجوهر الحياة وروعتها، فالحياة غنية جداً، واحتمالات النمو فيها غير منتهية، وهي قائمة على البحث والتجديد والتغيير. فما نفع الشيء المتاح الذي تخاف غيابه إن لم يعطيك السعادة والزخم الذي تريده.
ثالثاً: هل المخاطرة ضرورة أم رفاهية؟
اسأل نفسك السؤال التالي: "كيف سيكون شكل حياتي في حال كانت المخاطرة جزءاً أساسياً منها؟".
تعد المخاطرة في عالم اليوم ضرورة قصوى، فكيف لك أن تتطور وترتقي إن لم تخاطر بدائرة أمانك، وبمشاعر الراحة التي تعيش فيها، ومن ثمَّ تنطلق إلى سوق العمل بعقلية جديدة منفتحة على المهارات والبحث والتعلم. وكيف لك أن تعيش ذلك الزخم من مشاعر التشويق والإثارة والمتعة؛ إن لم تخاطر بكسر الروتين واختبار نشاطات جديدة في حياتك. وكيف لك أن تختبر مشاعر القوة والتمرد على مخاوفك؛ إن لم تقرر المخاطرة والبدء بمشروعك الخاص. وكيف لك أن تختبر مشاعر السعادة والفرح؛ إن لم تخاطر وتدخل في تلك العلاقة العاطفية التي يرفضها المجتمع ويقبلها عقلك وقلبك. وكيف لك أن تختبر مشاعر التمكين والتواصل مع الناس؛ إن لم تخاطر وتكسر خجلك الشديد وميلك إلى الانعزال والصمت.
رابعاً: ما هو معيار المخاطرة؟
تعد مسألة المخاطرة مسألة نسبية، فما يعتبره شخص ما على أنَّه "مخاطرة" قد يكون "قمة الأمان" لدى أخر. على سبيل المثال: قد تعتبر فتاة ما أنَّ علاقات الحب الالكترونية تحتوي على قدر كبير من المخاطرة، في حين تعتبر فتاة أخرى أنَّ الموضوع آمن تماماً.
وهنا يأتي السؤال الأهم: "ما هو معيار قياس المخاطرة؟"
يملك معظم الناس معياراً مشوَّهاً لقياس المخاطرة، فلا يعتبر الناس الركوب في وسائل النقل العامة؛ مخاطرة، مع العلم أنَّهم لا يملكون أدنى معلومة عن السائق، ولا يستطيعون تقييم حالته النفسية والعقلية في اللحظة التي يركبون فيها وسيلة النقل، فقد يكون السائق ثملاً أو فاقد السيطرة على أعصابه على سبيل المثال. في حين يعتبر الناس الزواج مخاطرة كبيرة، مع العلم أنَّ الخسارة المحتملة الناتجة عن وجود سائق طائش في وسيلة النقل أكبر بكثير من الخسارة المحتمل حدوثها في الزواج.
ولكن؛ ما هو المعيار الحقيقي لقياس المخاطرة؟
تعد القيم هي المعيار الحقيقي لقياس المخاطرة، فكل أمر يعزز قيمك؛ عليك المخاطرة بأي شيء للوصول إليه. وكل أمر يبعدك عن قيمك؛ عليك نسفه من حياتك. على سبيل المثال: إن كان الصدق إحدى قيمك فعليكَ المخاطرة بأي شي لتمكين القيمة التي تؤمن بها، كأن تخاطر بوظيفتك التي تمس بقيمة الصدق، وتتبع مساراً آخر يشبهك ويعزز صدقك. أو قد يكون لديك قيمة النمو والتجدد، فتخاطر بالبعد عن عائلتك والسفر إلى مكان آخر؛ لكي تحقق هذه القيمة. من جهة أخرى، قد يكون لديك قيمة الصحة؛ فتبتعد عن كل فعل يبعدك عنها، كالتدخين والكحول والمخدرات.
خامساً: كيف نضمن أنَّ قرار المخاطرة؛ صحيح وحميد؟
بالرغم من وضوح معيار المخاطرة؛ إلا أن معظم البشر لا يمكنهم اتخاذ قرار المخاطرة الصحيح، إمَّا لعدم قدرتهم على تحديد قيمهم في الحياة بشكل فعلي، أو لأنهم يعيشون حالة تشويش قيمي بفعل حالة الصراع القائمة ما بين القلب والعقل، ففي الوقت الذي يجب أن يكون عقلهم هو المتحكم؛ يبدو أن مشاعرهم هي المسيطرة على المسألة.
ولكن ماهي مراحل اتخاذ قرار المخاطرة الحميد؟
1. الهدوء:
يميل معظم الناس إلى اتخاذ قرار بعيد عن العقلانية، وفيه نسبة عالية من المخاطرة غير المحسوبة وغير الحميدة؛ عندما يشعرون بحالة من التوتر والقلق والضغط. تتشتت محاكمتهم العقلية في أثناء ذلك، ويتأثر نظامهم القيمي أيضاً.
هنا يجب على الإنسان تهدئة نفسه، من خلال السيطرة على مشاعره التي تؤثر على جودة قراره، فإن كان لدينا فتاة تعيش حالة من الحب الكبير مع شخص غير مناسب لها من الناحية الفكرية والاجتماعية؛ فهنا لن تستطيع اتخاذ المخاطرة الحميدة والابتعاد عن هذا الشاب، لأنَّ مشاعرها هي التي تقودها لا عقلها وقيمها. هنا عليها أن تهدأ وتروِّض مشاعرها وتبتعد عن اتخاذ القرار في لحظات الصراع والضعف العاطفي، وتكون واعية إلى وجود نظامين داخلها؛ نظام قائم على المشاعر تشرف عليه اللوزة الدماغية، ويساهم في إنتاج قرارات متسرعة ومتهورة. ونظام آخر قائم على العقلانية والتحليل المنطقي تشرف عليه القشرة الجبهية في المخ. ومن ثم عليها أن تعمل جاهدة على إدارة الجانب العاطفي وغلبة الجانب العقلاني لديها. وتسأل لنفسها: "هل أنا قادرة في هذه اللحظة على التصرف بطريقة إيجابية مع هذه الحالة؟" وهنا ستهدأ وتختبر عودة سيطرة المنطق على سلوكاتها، ووجود احتمالات أخرى تستطيع العيش فيها، وتبدأ رويداً رويداً في التخلص من التعلق المرضي بذلك الشاب.
2. وضوح الرؤية -الصورة الكاملة-
يهرب أغلب الناس من المخاطرة الحميدة التي تعزز حياتهم ووجودهم من جراء الخوف؛ الخوف من فقدان المتاح والذهاب إلى المجهول، أو الخوف من نظرة الناس وانتقادهم لهم في حال فشل المخاطرة التي سيقومون بها. وهنا يجب على الإنسان الوعي إلى مسألة التأثيرات. وهنا يأتي السؤال التالي:
- ماهي التأثيرات التي يجب على الإنسان الوعي لها في أثناء دراسته للمخاطرة؟
يغوص أغلب الناس في حالة من الحسابات والتدقيق على التأثيرات المادية الناتجة عن اتخاذ قرار مخاطرة ما، ويتجاهلون التأثيرات النفسية الناتجة عنه. على سبيل المثال:
يعتقد المجتمع أن الزواج التقليدي المبني على توافر المعايير التالية: المال والمنزل والشهادة الجامعية والمكانة الاجتماعية؛ من أنجح أنماط الزواج على الإطلاق، في حين قد يكون من أكثر أنماط القرارات ذات المخاطرة الخبيثة وغير الحميدة. غالباً ما يكون المال هو المعيار الأساسي المحفز لهم على اتخاذ قرار الزواج. في حين يتجاهلون الآثار النفسية الخطيرة الناتجة عن قرار الزواج التقليدي والتي تجعل منه مخاطرة غير حميدة؛ مثل: عدم الانسجام الروحي والنفسي والفكري بين الزوجين، فقدان حالة الحب والاحتواء والمشاركة وطغيان حالة الواجب بين الطرفين".
يشوِش المجتمع الصورة الكاملة لموضوع المخاطرة، فكما قلنا ينظر إلى الآثار المادية وينسى الآثار النفسية والاجتماعية الناتجة عن قرار المخاطرة، فعلى سبيل المثال: ينظر المجتمع إلى ذلك الرجل الذي يتخلى عن منصبه في سبيل السعي إلى شغفه على أنَّه شخص مخاطر ومجنون، في حين قد يكون أعقل إنسان على وجه الأرض، وقد اتخذ أفضل قرار في حياته كلها، وذلك لأنّه قاس الأمور من ناحية نفسية وشعورية ووجودية وليس فقط مادية وشكلية، فهو لم يهتم بنظرة الناس له على أنَّه صاحب منصب كبير، بل اهتم بنظرته إلى نفسه وطاقته التي تنضب وأحلامه التي تذوب.
3. تقييم المخاطرة:
وهنا يسأل الإنسان ذاته: "ما هي عواقب عدم اتخاذ المخاطرة الحميدة؟"، كأن تسأل فتاة نفسها: "ماهي عواقب الاستمرار في علاقة سامة في حياتها؟"، وتبدأ في الإجابة على السؤال، فتقول: "خسارة النفس، انطفاء الطاقة، فتور الأحلام، القلق، الأرق، السعادة المؤقتة".
ومن ثم تسأل نفسها: "ما عواقب اتخاذ المخاطرة في حياتي؟" كأن تجيب: "قد تقل فرصي في الزواج، وأخسر العائد المادي التي سيأتيني من زواجي بذلك الشاب الغني، وقد يبدأ الناس في الحديث السلبي عني في حال ابتعادي عنه". وتقوم بعد ذلك بالرجوع إلى نفسها والمفاضلة ما بين إيجابيات اتخاذ القرار وسلبياته، ولا تنسى مقاطعة الأمر مع قيمها في الحياة ونظرتها إلى السعادة.
4. حرية الخيارات:
بمجرد وصول الإنسان إلى المستوى المنطقي في محاكمة وتحليل الأمور، وبغض النظر عن النظرة المجتمعية المحدودة والقاصرة للأمر؛ عندها ستتجلَّى أمامه كم كبير من الخيارات التي من الممكن القيام بها. وسيكون أنضح وأكثر وعياً. فتلك الإنسانة الخائفة من المخاطرة بعلاقة عاطفية سامة، ستعلم تماماً _بعد وصولها إلى هذه المرحلة_ أنَّها تعيش حالة تعلق فاشلة، وستدرك أنَّ أمامها خيارات كثيرة تصب في بناء ذاتها، وتطويرها، ومن ثمَّ اختيار الشريك الذي يليق بها.
5. القرار:
باتت الآن كل الأمور واضحة أمامك، فقد بنيت مصفوفة دقيقة لكي تتخذ القرار المناسب لك، فأنت الآن قادر على تحديد فيما إذا كانت المخاطرة تصب في مصلحتك وتطورك في حياتك، أم أنَّها تقلص طاقتك وتمنعك من عيش حقيقتك.
الخلاصة:
لا تكن أسير المتاح، فإن لم يكن المتاح قادر على إسعادك وإمتاعك وتطويرك؛ إذاً خاطر به في سبيل الوصول إلى ما يشبهك ويتقاطع مع قيمك.
