يوميات طبيب نفسي "المفاتيح الثلاثة"
نقلا عن صفحة الطبيب النفسي رفيف المهنا
يعود الرجل إلى عيادتي مبتسماً، بعد أسبوع من جلسة أقل ما يمكن وصفها بـ "الجلسة العاصفة"، تلك التي جمعتني به و بشريكة حياته بعد طلب إسعافي منه بمقابلتي لأن الأمور بينهما كانت على حافة الهاوية.
يضع المريض الذي أتابعه منذ أكثر من سنتين حقيبة الظهر أمامه و يأخذ نفساً عميقاً و طويلاً، كمن يخرج للتو من معركة كبرى.
بينما تجاوز هو الخمسين بأربع سنوات، كانت هي على حوافها.. يعيشان سوية مع أبنائها الثلاث منذ حوالي خمس سنوات.
يقول متحمساً أنه سيخبرني بالتفصيل ما الذي حدث بينه و بين شريكته بعد أسبوع من لقائنا، فالأمر يستحق التفصيل والتدقيق.
ذكرني قبل ذلك بالخطوط الأساسية للقاء الثلاثي، عندما قلت لها و أمام عصبيتها الشديدة مع شريكها، وأولادها أنه بات من الضروري أن تعتمد على ثلاث مفاتيح أساسية، وهي:
1. أن تهتم بنفسها وحياتها وجسدها وأحلامها الشخصية ، ومواهبها وشغفها إلى جانب إهتمامها بالباقي اسرتها.
2. أن تسمح لحبيبها، وأولادها أن يشاركوها مهامها المنزلية اليومية لا أن تبقى المسؤولة الوحيدة عن كل تفصيلة كبيرة، وصغيرة.
3.أن تزور من جهتها طبيباً نفسياً (غير طبيب زوجها) علّها تستمع لوجهة نظر أخرى تختلف عمّا تتيقن منه من أفكار.
يقول لي ما معناه:
"ما أن ركبنا السيارة عائدين للمنزل، انفجرت بعد ربع ساعة من الصمت الكامل و قالت:" أنا لست مريضة، ولا أحتاج لطبيب نفسي، وطبيبك هذا لم يقدم لي أي مفتاح لنجاح حياتنا سوية"
ولم تسمع مني عندما ذكرتها بالمفاتيح الثلاثة لتحسين علاقتنا، بقيت منغلقة على نفسها و كأنها تتحدث وحدها ولوحدها.
في اليوم التالي كان يبدو عليها أنها تبحث عن المشاكل حتى انفجر الوضع بيننا، وقررنا تحت ضغط الخلاف أن أترك البيت، وأمضي إلى الأبد.
إلاّ أنها و قبل لحظات من انتهائي من ترتيب ثيابي فتحت باب الغرفة.. وقالت: عندي لك عرضٌ أخير!
وكان هذا العرض أن نجتمع مع الأولاد و نضع خارطة طريق" يمشي عليها المنزل" بكل المشتركين فيه، و قوانين عامة يحترمها الجميع، وسيكون لكل واحد منّا دوره و مهامه المحددة، وأنها لن تكون الشخص الوحيد المُطالب بكل شيء .
كان الاجتماع العائلي مذهلاً، فقد بدت وأمامها الورقة والقلم وهي تقود زمام الأمور كقائد عسكري يشرح خطته أمام جنوده، وهي التي طالما اتهمت أفكاري بالصرامة، بدا عليها الشدة، والحزم كما لا يمكن تخيّله.
كان هذا المفتاح الأول.
بعد أقل من يومين، اقتربت مني و شدت على ذراعي لتسألني بطريقة لا مبالية: "منذ متى وأنت تُمارس الرياضة هكذا؟.. ألا تشعر بالتعب،والعطش؟.. كم يكلفك اشتراك هذا النادي؟
وبينما كنت أجيبها على أسئلتها أولاً بأول تغيرت نبرة صوتها عندما سألتني: "ألا تعرف نادياً رياضياً قريباً من بيتنا"؟
قلت لها :" بلى أعرف.. من يريد الاشتراك؟
لـ ترد أن صديقتها في العمل كانت قد سألتها عن ذلك.
في مساء اليوم التالي، تعود إلى المنزل بوجه محمرّ و ثياب مبتلةّ، لتذهب إلى الحمام متجاهلة المرتين اللتين طرحت فيهما سؤالي عليها عن سبب هذا الوجه المحمرّ .
لأجد على الطاولة بعد ساعات قليلة.. وبطريقة واضحة للعيان كرت اشتراكها في النادي الرياضي الذي أخبرتها عنه البارحة .
كان هذا هو المفتاح الثاني.
أما المفتاح الثالث.. فقد وجدناه مساء البارحة عندما كانت في زيارتنا من تحب أن تسميه شريكتي بـ "العدو الصديق"، وهي ابنة عمّ لها و بمثابة الشخص الوحيد في العالم الذي يمكن أن ينتقدها بدون أن تصرخ في وجهه أو تقطع معه العلاقات بأسرع وقت .
وهي بالمقابل الشخص الوحيد في العالم الذي يمكن أن يعطيها التعليمات، والتوصيات بدون أن تعقّب على كلامها بالنفي أو الموافقة.
كانت نتائج الزيارة سريعة جداً، لدرجة أنها قالت لي و بعد أن عرفتْ بزيارتي لك هذا البوم: هل يمكن أن تطلب من طبيبك الذي "لا يفهم في الحياة شيئاً " أن يعطيك عنواناً لطبيب نفسي يعرفه و يثق به.
لم أتجرأ وأسألها: "لمن تريدين العنوان؟ حتى لا تضطر لابتكار قصة سريعة تبرر فيها رغبتها بزيارة الطبيب".
يخبرني زائري بكل ذلك.. وهو شديد التأثر والسعادة، لأخبره أن الأمهات عموماً وهنّ تحت الضغط اليومي لإرضاء الجميع يتوقعن أنهن يملكن دائماً القدرة على المتابعة، والصبر والتحمل، ولا يمكن لهنّ التوقف، ولا الراحة، ولا طلب المساعدة ،ولا حتى التقييم فـ صورة "المرأة الكلية القدرة" لا يمكن وضعها جانباً ولو لـ لحظات أو دقائق .
كان علينا أن نكسر هذه الصورة بالقوة لتعود كائناً طبيعياً مثلنا محدودَ الطاقات و الإمكانيات، ولو أن ذلك سيحتاج وقتاً طويلاً جداً، وصبراً، وتفهماً لا نهاية لهما.
و هذا التحول غير المباشر في سلوكها إنما ليخفي خوفها من الانتكاس، إنها تريد أن تمشي الأمور بهدوء شديد و بدون التزامات كبرى بالتغيير تخاف ألاّ توفي بها.
قبل أن يخرج الرجل من عيادتي سألني كمن يطلب رجاءً .. يسأل"هل يمكن أن تكون أنت طبيب زوجتي؟
قلت: "غير ممكن.. الأفضل أن أبقى على هامش هذه العلاقة، فالهامش كثيراً ما يكون أكثر جدوى من القرب الشديد".
