813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

تأثير مانديلا.. ظواهر تُخالف ما اعتدنا عليه

د. عماد فوزي شُعيبي

هنالك ظواهر تُخالف ما اعتدنا عليه، ومنها تأثير مانديلا

إذ يشير "تأثير مانديلا" إلى موقف يعتقد فيه عدد كبير من الناس أن حدثًا قد وقع فيه بينما هو فعلاً لم يحدث." لكن المشكلة أن العدد كبير الذي يتعامل مع هذا الأمر ويُصرّ عليه!

بدأ هذا المصطلح عندما صاغته فيونا بروم لأول مرة في عام 2009 وقتما نشرت موقعًا على الإنترنت يشرح بالتفصيل ملاحظتها لهذه الظاهرة.

فقد كانت بروم في مؤتمر تتحدث مع أشخاص آخرين حول كيفية تذكرهم لوفاة رئيس جنوب إفريقيا السابق نيلسون مانديلا، وكانت بعض الأجوبة تقول إن هذا قد حدث في سجن بجنوب إفريقيا في الثمانينيات.. ولكنه -فعليّاً- لم يمت في الثمانينيات في السجن - فقد توفي في عام 2013.. وعندما بدأت بروم في التحدث إلى أشخاص آخرين حول ذكرياتهم ، علمت أنهم ليسوا وحدهم يصرّون على ذلك التاريخ المختلف عليه، بل وتذكر آخرون أنهم شاهدوا تغطية إخبارية لوفاته وكذلك خطاب من أرملته.. أصيبت بروم بالصدمة لأن مثل هذا العدد الكبير من الناس يمكن أن يتذكر نفس الحدث نفسه في مثل هذه التفاصيل، عندما لم يحدث أبدًا.. وهنا ناقشت ما أسمته بتأثير مانديلا وحوادث أخرى مثله.

قصة نيلسون مانديلا ليست المثال الوحيد لهذا النوع من الذاكرة المختلفة، فقد كان لدى الناس ذكرى لوحة هنري الثامن وهو يأكل ساق ديك رومي،على الرغم من عدم وجود مثل هذه اللوحة على الإطلاق.

وكذلك قصة المرآة، المرآة على الحائط في قصة الاقزام السبعة التي تذكرها البعض وهي لم تكن كذلكك. وهناك بعض الجدل حول تهجئة العلامة التجارية الشهيرة للهوت دوج.. وكذلك في السؤال أين تقع نيوزيلندا بالنسبة لأستراليا؟ فإذا نظرت إلى الخريطة، سترى أنها جنوب شرق البلاد.. ومع ذلك ، هناك مجتمع من الناس يدعون أنهم يتذكرون نيوزيلندا كونها شمال شرقها بدلاً من جنوب الشرق.Image result for قصة الاقزام السبعة

‏ومما يخالف الحس العام أن إحدى النظريات حول أساس تأثير مانديلا تنبع من فيزياء الكم وتتعلق بفكرة أنه بدلاً من جدول زمني واحد للأحداث، من الممكن أن تحدث حقائق أو أكوان بديلة وموازية لنا ويكون فيها فعلاً مانديلا قد مات في السجن في الثمانينات وتختلط هذه الحوادث مع جدولنا الزمني الذي لم نعش ما يخالفه فعلاً لكنّ المعلومات انتقلت من ذاك العالم إلى عالمنا!.

من الناحية النظرية، قد ينتج عن ذلك وجود مجموعات من الأشخاص لديهم نفس الذكريات لأن الجدول الزمني قد تم تغييره أثناء انتقالنا بين هذه الحقائق المختلفة.

وأن هذا قد حدث جراء تداخل بين عالمنا المشترك وبين عوالم بعضنا الموازي بعد التصادم في مسرع بيرن السويسري الفرنسي! وهذا مُخالف لما ألفه الناس الذين يتمسكون بالحس العام والمشترك، ويرونه هو الحقيقة المطلقة والمنطقيّة!

‏لكن جماعة الحس المشترك يحاولون أن يفسروا ذلك بطريقة تخيلي وفقا لما يدعونه إلذكريات الكاذبة False Memories .

فالتفسير لتأثير مانديلا يتضمن أنها محض ذكريات خاطئة يمكن اعتماده عبر أخذنا في الاعتبار تفسيرًا بسيطًا يُفرط في تبسيطه لعلم الأعصاب، فالذاكرة يتم ترميزها في منطقة من الدماغ تسمى الوسيلة التي يتم من خلالها تخزين آثار الذاكرة بـ engram ويطلق على الإطار الذي ترتبط فيه الذكريات المتشابهة ببعضها البعض المخطط .Schema

لذلك عندما يحاول الناس التذكر، فإن هذا يجعل الخلايا العصبية على اتصال وثيق ببعضها البعض ، حاملاً معها ذكرى تتداخل مع ما يرممه المخ من معلومات فيختلق ما لم يحدث.

ويعترف أصحاب العقل المشترك أن هذا تفسير مفرط في التبسيط، لكنهم يزعمون أنه يوضح العملية العامة.. ‏رغم أنهم لا يستطيعون أن يفسروا لنا لماذا خالف البعض الحس المشترك بشكل مشترك! ‏ولماذا هو مشترك لدى البعض وغير مشترك لدى البعض الآخر، وفي هذا بحد ذاته مخالفة للحسّ العام.. ويغلون في المزيد عندما يفسّرون بإلحاح ذلك لا لتخبط Confabulation ينطوي التخبط على ملء عقلك للفجوات المفقودة في ذكرياتك لجعلها أكثر منطقية. هذا ليس كذبًا، بل هو تذكر تفاصيل لم تحدث أبدًا. تميل المراوغة إلى الزيادة مع تقدم العمر.

ويُعرّف في علم النفس، بأنه خطأ في الذاكرة يُعرَّف بأنه إنتاج ذكريات ملفقة أو مشوهة أو أسيء تفسيرها عن الذات أو العالم.

فيقدم الأشخاص الذين يتشاركون ذلك ذكريات غير صحيحة تتراوح من "تعديلات طفيفة إلى افتراءات غريبة"، وهم بشكل عام واثقون جدًا من ذكرياتهم، على الرغم من الأدلة المتناقضة.. وإذا سايرنا هذا الاتجاه فإنه بحد ذاته مخالف للحسّ العام لأنه لايجيب على سؤال لماذا يحدث هذا السلوك الغرائبي، وهنا بقدر ما يحاول علم النفس أن يُفسّر وفقاً للحس المشترك نراه يقع في مطب ألاّ تكون إجابته أكثر من مخالفة جديدة منطق "لماذا".

والتفسير الثاني المُطابق للحس المشترك هو ما يُدعى التمهيدي- أو الأوليّ Priming إذ يصف التمهيدي العوامل التي تؤدي إلى حدث يؤثر على إدراكنا له.. فيُطلق عليه أيضًا القابلية للإيحاء والافتراض المسبق، وهو الفرق بين السؤال عن مدى قصر الشخص مقابل طوله.. وقال: "هل رأيت في سيارة سوداء؟ " بدلا من ".." في سيارة سوداء؟" يقدم اقتراحًا دقيقًا يؤثر على الاستجابة والذاكرة.

ففي جوهرها، الذكريات هي أجزاء ضعيفة من المعلومات المخزنة في الدماغ والتي يمكن تغييرها بمرور الوقت.. بينما نفترض أن ذاكرتنا دقيقة، فإن هذا ليس هو الحال بالضرورة.

ولكن لماذا؟ ... لاجواب!

باختصار تأثير مانديلا ينتمي إلى عالم مخالفة الحس العام أو المُشترك، ما يعني ضرورة التفكير فيما ليس مُفكراً به، وما لم يألفه الناس (العاديون) ولايطيقونه!

لايزال العقل البشري أسير ما ألفه وهو لايعلم غالباً.. أن الحقائق تكون غالباً ليست قابلة للتفسير وفقاً لما اعتدنا عليه، وأحياناً لا تُفسّر ويكفي الائتلاف معها والتعوّد عليها! .. إنه التفهّم

خبرات في علم النفس د. عماد فوزي شعيبي | Facebook