813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

سمية اليونس: العلامة الشهيد الأستاذ الدكتور محمد الفاضل خالد في الذاكرة...

كتبت الأستاذة سمية اليونس

أستاذ من الرواد الذين تركوا بصمات على أجيال سورية ، العلامة الشهيد الأستاذ الدكتور محمد الفاضل رحمه الله

خالد في الذاكرة...
هو علم من أعلام الوطن، وعلامة في القانون له حضوره الفكري والاجتماعي والقانوني الأستاذ الدكتور محمد الفاضل، والعالم الإنسان، والوطني بامتياز، الطالب العصامي المتميز بجَدّه واجتهاده، انطلق من قريته وبقيت جذوره في أعماق أرضه وأغصانه الممتدة إلى أرجاء فسيحة من العالم.
أحب العلم، وجاهد من أجله متحدياً الظروف الصعبة. ثابر وتابع حتى حصل على الإجازة في الحقوق عام 1942، ثم تقدم لمسابقة للحصول على شهادة الدكتوراه، وفاز بالمرتبة الأولى، ولأسباب مجهولة تم إيفاد الطالب الحائز المرتبة الثانية فتقدم بدعوى قضائية إلى الجهات المختصة وربح الدعوى.
تم إيفاده إلى فرنسا، ونجح في الحصول على عدة شهادات، دبلوم في العلوم الجنائية ودبلوم في القانون المقارن، وحصل على شهادة الدكتوراه في القانون العام في عام 1949.
عاد إلى سورية ليتابع مسيرته العلمية كأستاذ في جامعة دمشق، وأستاذ محاضر في معهد الدراسات العربية في مقر جامعة الدول العربية، أحب دراسة الحقوق، وشجع إليها طلاب العلم والمعرفة، ويقول «الحقوقي له مكان وصلاحية وأساس في أي عمل في دوائر الدولة ووظائفها».
كان أباً روحياً لطلاب كلية الحقوق، يحثهم على الدراسة والجدية والمتابعة، ويشجعهم على إتقان اللغات الأجنبية من أجل الاطلاع على تجارب الآخرين، وازدياد المعرفة، ويقول: «الترجمة باب واسع للمعرفة».
أجاد اللغتين الفرنسية والإنكليزية وأتقن اللغة العربية، فأغنى المكتبة الحقوقية بمؤلفاته القيمة المتميزة بالمنهجية الفكرية والدقة والإيجاز وبأسلوب سهل، ومبسط في التأليف، ومقدرة فائقة في شرح وتبسيط المواد القانونية.
حضوره رائع في الفصاحة والخطابة والبلاغة لا تزال تجول في ذاكرتي محاضراته الرائعة التي كانت محط احترام واهتمام طلاب كلية الحقوق، وغالباً طلاب من فروع أخرى، لما تردد بين الطلاب قدرته الفائقة على زرع المعلومات المطلوبة بأسلوب جذاب ومعبر ولاسيما في شرح (الجرائم الواقعة على أمن الدولة). وكان هذا المقرر هو (المادة الاختيارية) التي اخترتها في الصف الثالث. ما أروع شرحه الجميل المتميز بالجزالة والبلاغة، وكأنه يستشف القدر إنه سيكون ضحية الإرهاب فيما بعد...
من مؤلفاته:
1ـ المبادئ العامة في قانون العقوبات.
2ـ الجرائم الواقعة على الأشخاص.
3ـ الجرائم الواقعة على أمن الدولة.
4ـ الوجيز في أصول المحاكمات الجزائية.
5ـ المحاضرات التي ألقيت في معهد الدراسات العربية (جامعة الدول العربية).
شخصيته الاجتماعية اللطيفة التي حافظت على أصالتها المنسوجة بالتواضع والإنسانية التي توجبت بالقدرة الإدارية الحازمة التي رافقته في جميع المراحل وتدرج في المواقع الإدارية، رئيس قسم، وعميد كلية الحقوق 1962، وزير تعليم عالي 1966، ورئيس جامعة دمشق عام 1976،.
كان جازماً بلطف قوياً بإنسانية في تطبيق النظام والمحافظة عليه، والمتابعة المستمرة من أجل ذلك. أذكر حادثة لا أنساها، عندما كان عميداً لكلية الحقوق 1963، بعد أن تقدمت إلى الامتحان بأكثر من مادة، بحثت عن البطاقة الجامعية ووصل التسجيل، فلم أعثر عليها، والامتحان في اليوم التالي، وذهبت راكضة إلى الديوان لأحصل على البديل فطلبوا الموافقة من (السيّد العميد) أولاً. ذهبت إليه التمس عذراً للموافقة وهو يمت لنا بصلة مودة وقرابة، كان كلامه حازماً «حافظي على أوراقك، لا عذر لك... إذا لم تعثري عليها، لم تتمكني من استكمال إجراءات بدل ضائع، فلا تأتي للامتحان غداً!».
عدت والغصة في حلقي، والخيبة في عيني، وأتساءل مع نفسي: هل أتلفتهم خطأ؟ أم سقطوا مني إهمالاً؟ وأمضيت ساعات وساعات أبحث في كل مكان، الدفاتر، الكتب، الأوراق، الأدراج... وأخيراً وجدتها في أحد الكتب، وذهبت للامتحان بشكل نظامي في الموعد المحدد... وتعلمت من أخطائي، لقد كان الدرس قاسياً لضرورة التنظيم، وإدارة الذات.
وهو الأستاذ المحامي اللامع الذي اختارته نقابة المحامين العرب، وجامعة الدول العربية ليدافع في اليونان وسويسرا عن الفلسطينيين المتهمين باختطاف الطائرة، فأبدع وأعطى أجمل صورة وأعظم فكرة عن الثقافة العربية والفكر العربي آنذاك.
مَثَلَ سورية في العديد من المؤتمرات العلمية والعالمية كرئيس وفد أو عضواً مشاركاً فيه. وأعطى خبراته في كثير من اللجان وفي أكثر من هيئة استشارية وهو المفكر الحكيم والأديب الجريء، والقيادي المخلص الذي يريد لمجتمعه الازدهار والتقدم بعقول المفكرين والعلماء والمخلصين لوطنهم، بعيداً عن المفسدين الذين يستغلون الوطن وأوضاعه لمصالحهم، فكتب في مجلة الفرسان عام 1974 مقالة يدعو فيها إلى أن نتخلص من هؤلاء المستغلين قائلاً:
«علينا أن ننفض من بين صفوفنا هؤلاء الانتهازيين، والوصوليين والدجالين والمنافقين المصابين بسل العقل وسل الروح».
هو قامة شامخة من الأخلاق والقيم والتواضع والإنسانية. كان بيته في دمشق مفتوحاً لكل من يطلب المساعدة في أمر ما، وهو الإنسان المحب لأهله والوفي لأصدقائه بابتسامته الهادئة والوقورة يستقبل زواره، بروح اجتماعية عالية وتواضع منسوج باحترام ومحبة يرحب بهم...
في إحدى المناسبات، وبعد تخرجي من الجامعة 1965، زرته مع بيت عمي (أبو مؤنس)، ودخلنا البيت الجميل الأنيق، والصالونات الفخمة المزدانة جدرانها باللوحات والتحف المتنوعة من البلدان العديدة التي زارها، كنت صاغية للحديث العذب الذي يدور مع زواره، وثم التفت إلي مهنئاً وموجهاً لي نصائح للحياة العملية بقوله: «من اجتهد وصل، ومن احترم نفسه احترمه الناس، المستقبل أمامك، وفقك الله...».
كلف بمهام وزارة العدل عام 1966 وطيلة هذه الفترة التي كانت زاخرة بالتطوير الإداري والقضائي أصدر العديد من القرارات التنظيمية لحسن سير العمل وتوزيع المهام بين المحاكم الصلحية والبدائية، والاستئنافية لا مجال لذكرها الآن.
امتد يد الإجرام يوم 22/2/1977 لتغتال هذا العالم الجليل والأستاذ النبيل، والمفكر الحكيم وهو في محراب العلم، رئيساً لجامعة دمشق الأستاذ الدكتور محمد الفاضل، لف الحزن الوطن، وشيع إلى مسقط رأسه قرية عين الجاش ـ الدريكيش ـ محافظة طرطوس.
وحمل جثمانه طلابه الحقوقيون من قضاة ومحامين (بلباسهم الرسمي) إلى مثواه الأخير.
واستنكر العالم هذا الإجرام وكتب الأدباء والكتاب في الصحف المحلية والعالمية عنه وسيرته العطرة في عالم القانون وسماء وطن.
ونعته الإذاعات العالمية بقولها: لقد اغتيل العلامة في القانون، اغتيل القانون...
كما كتب الدكتور عبد اللطيف اليونس في جريدة الوطن الصادرة في الأرجنتين باللغتين العربية والبرتغالية مقالته الشهيرة اقتطف منها:
الدكتور محمد الفاضل...
واحد من الخالدين.
من رحاب الذكرى... والعلم... والتاريخ.
واحد من النادرين.
كان يعيش لقلبه وعقله ويعمل بهما ولهما...
لم يكن عنده حد وسط للعطاء.
فقد أعطى بكل طاقاته الروحية والفكرية. وظل يعطي... ويعطي إلى أن امتدت يد مجرمة آثمة فاغتالت الفكر العبقري والبراعة التي لم تتوقف عن الإبداع مدة ثلث قرن ونيف...
وتابع لو كان لي كلمة أقولها في ذلك الوقت المزدحم والمكتظ لطلبت أن يدفن في المكان الذي استشهد فيه ليظل قبره على مرأى من العلن مرشداً ومرجعاً مثلما طلب طلاب جامعة (بورما) أن يدفن (أوثانت) (أمين عام الأمم المتحدة السابق) أن يدفن في حرم الجامعة وأصروا وكان لهم ما أرادوا...
وهكذا غاب عنا رجل العلم والوطن، هذا الإنسان المثالي كان رباً لأسرة وزوجة فاضلة وأولاده الخمسة ساروا على طريقه في العلم والمعرفة والأخلاق وتخصص أولاده الخمسة في الطب والهندسة والحقوق «إبراهيم، د. مؤنس، د. نبراس، د. ريا، د. زاهر».
غاب عنا بجسده وفكره باقٍ مع طلاب العلم، وهو رمز ومثل، هو واحد من الخالدين الذين سقوا تراب الوطن بدمائهم الذكية الطاهرة ووهبوا علمهم إلى الأجيال المتتالية.
وكم كانت سعادتي كبيرة عندما التقيت في عام 2007 في أمريكا واشنطن بالدكتور إبراهيم المتميز باختصاصه الالكتروني، وهو في مركز مرموق (مدير لأحد الشركات العالمية التي يعمل بها) وكذلك الدكتورة (ريا) الطبيبة الاختصاصية، الأستاذة في أحد الجامعات الأمريكية المتميزة في المجالين العلمي والعملي. وتبادلنا الزيارات عندما كنت بزيارة ابنتي د. رفيف زوجة السفير السوري آنذاك د. عماد مصطفى وكان لهم حضورهم الوطني والقومي في كل مناسبة.
سورية جزء من حياة المغتربين في الخارج...
واستمرت المودة معطرة بذكراه.
تحية إكبار وتقدير لذكراه العطرة وللمفكرين والعلماء والأبطال والمجاهدين لشهداء الوطن الأبرار الذين وهبوا أرواحهم إلى الوطن ليبقى عزيزاً كريماً أبياً.