813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

التحرش في الأعياد: ظاهرة ولدت من رحم السياسة

لم يعد بالإمكان الحديث عن الأعياد والمناسبات العامة في مصر من دون الحديث عن ظاهرة التحرش. ليس مجرد الغزل ومعاكسات الشوارع للفتيات والنساء، ولكن الهجوم شبه المنظم من قبل مجموعات من المراهقين على الفتيات في الشوارع والتجمعات العامة، وملاحقتهن بإصرار والتعدي الجسدي عليهن.
الظاهرة تحولت إلى كابوس حقيقي يجعل العزوف عن الخروج إلى الشارع من قبل الفتيات، وترك الشارع لقطعان المتحرشين، أحد الخيارات الأكثر قبولاً، كبديل عن مغامرات مطاردات التحرش.
والواقع أن ظاهرة التحرش لا تقتصر على الأعياد والمناسبات، وإن كانت تتركز فيها بشكل لافت. فالتحرش في أماكن العمل والتسوق والأماكن العامة والشوارع ظاهرة يومية، لم يعد هناك سبيل لا لإنكارها ولا للتقليل من شأنها. ورغم وجود الكثير من التفسيرات لتلك الظاهرة، إلا أنها تبدو قاصرة، ولا تقدم أسباباً واضحة لتفشي الظاهرة على نحو يستدعي ليس فقط نشاط مؤسسات المجتمع المدني ضدها، ولكن أيضاً إصدار تشريع خاص بها، وتخصيص إدارةٍ في وزارة الداخلية لمواجهتها.
ربما كان التفسير الأكثر شيوعاً في السابق لظاهرة التحرش هو ذلك الذي يلقي اللوم على ضحايا التحرش، ويُرجِع تفشي الظاهرة لسلوك الفتيات وملابسهن وحتى خروجهن من المنزل، بما يتناقض طبعاً مع تقاليد المجتمع وثقافته!
هذا التفسير لم يصمد كثيراً، وقوبل بهجوم شديد من قبل المعنيين كافة بالظاهرة، ولم يجد من يدافع عنه بشكل عام، وإن بقي راسخاً في الفكر الرجعي أن المرأة هي السبب الاساسي للتحرش. وإن كانت السلبية من قبل ضحايا التحرش والتردد في مواجهته والتصدي له أمر يمكن وضعه في الاعتبار، لكن لا يجب إغفال الموقف الاجتماعي وحتى الرسمي من ضحايا التحرش، والذي لا ينصف دائماً الضحية إذا ما قررت التصدي لمتحرش، فضلا عن تجاهل الدفاع عنها في الشارع.
وربما كانت الأسباب الاجتماعية والاقتصادية هي التفسير الذي بدا أكثر وجاهة، وإن ظاهرياً، لتفشي الظاهرة. ولكن هذا التفسير الذي اعتبر أن تأخر سنّ الزواج لأسباب اقتصادية، وزيادة الكبت الجنسي لدى الشباب هو السبب في انتشار التحرش، لا يشكل تفسيراً حقيقياً للظاهرة.
فالتحرش كظاهرة لا يبدو مقترناً لا بطبقة اجتماعية معينة، ولا بسن معينة ولا بحالة اجتماعية. فالتحرش في أماكن العمل مثلاً، وخاصة من قبل الرؤساء، والذي يصل في بعض الأحيان إلى حد الابتزاز الجنسي، لا يقترن بأسباب اجتماعية واقتصادية، ولا حتى بالحالة الاجتماعية. فالكثير من حالات التحرش أبطالها متزوجون، كما أن حالات التحرش الجماعي، تقوم بها عادة مجموعات من المراهقين وليس من الشباب المكبوت جنسياً. والأهم أن الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والكبت الجنسي تعاني منها الفتيات والشباب على حد سواء بينما من يقوم بالتحرش هم الرجال فقط.
الثقافة الذكورية للمجتمع بما تتضمنه من تهميش للمرأة وتقليل من شأنها قد تكون من التفسيرات المقبولة أيضاً. ولكن الثقافة الذكورية في المجتمع مهما وصلت درجة هيمنتها، خاصة مع هجرة النفط وما عكسته من استيراد ثقافة وأفكار مجتمعات صحراوية، لا تفسر الكثير من الظاهرة، خاصة أنها لا تنتشر في مجتمعات أكثر ذكورية وتطرفاً في اضطهاد المرأة.
الحقيقة أنه لا يمكن فهم ظاهرة التحرش دون فصل بعض الممارسات عن بعضها. فهناك التحرش الذي تعاني منه الكثير من المجتمعات، خاصة الذكورية منها. وهو الذي تتعرض له الفتيات بدرجات مختلفة في أماكن العمل والشارع والمواصلات وغيرها. وهناك الحالة الظاهرة التي تبدو خاصة في المجتمع المصري، وهي التحرش الجماعي والعلني في الشارع، والذي يحمل طابعاً عنيفاً أكثر منه طابعاً جنسياً.
وإذا كانت الكثير من الأسباب الثقافية والاجتماعية تفسر جزءاً من الجانب الأول من الظاهرة، إلا أن الجانب الثاني يحتاج إلى فهم السياق الذي ظهرت فيه تلك الحالات.
لقد بدأت حالات التحرش الجماعي في المناسبات في الظهور في عيد الفطر في العام 2006. هذا التاريخ في حدّ ذاته يحمل تفسيراً مهما. فيوم الأربعاء 25 مايو (أيار) 2005، شهدت تظاهرةُ ناشطاتٍ أمام نقابة الصحافيين ضد ترشح حسني مبارك للرئاسة اعتداءاتٍ وانتهاكاتٍ من قبل أفراد تحت إشراف قوات الأمن. ووصل الأمر إلى حد تمزيق ملابس المتظاهرات والتحرش بهن جنسياً. الحادث كان جديداً في ممارسات الأمن، وصاحَبَتْهُ حملةُ تشهيرٍ وتشويهٍ للمتظاهرات من قبل وسائل الإعلام الرسمية.
يبدو ظهور حالات التحرش الجماعي في الأعياد عقب تلك الواقعة أمراً مفهوماً. فإذا كانت الدولة نفسها تمارس هذا الانتهاك، فمن الممكن أن يمارس على نطاق أوسع.
اللافت كان أن سياسة الانتهاك الجسدي بحق المتظاهرات والتشهير بهن استمرت لاحقاً. إذ أشاع الإعلام الموالي للدولة عن ميدان التحرير أن معتصماتِهِ لَسْنَ سوى «ساقطات»، وأن الميدان تحول لساحة للجنس والمخدرات، كما أن الممارسات التالية على الثورة وسقوط نظام مبارك، لم تخلُ من الانتهاكات الجسدية للمتظاهرات، حتى وصل الأمر إلى حد تعرية فتاة في ميدان التحرير على أيدي قوات الأمن.
ما يؤكد ذلك، أن ظاهرة التحرش العلني الجماعي ليست الظاهرة الوحيدة التي أنتجتها ممارسات الدولة. فمظاهر العنف في المجتمع تزايدت بوضوح مع تزايد عنف الدولة ضد المتظاهرين والمعارضين عموماً، وهو ما يؤكد أن الممارسات التي تعتمدها الدولة يمكن أن تنعكس اجتماعياً بسهولة.
ولكن يمكن أخذ عامل آخر لا يقل أهمية في الاعتبار، وهو حال التعليم التي وصلت إلى درجة أقرب للانهيار.
لقد لعبت المؤسسة التعليمية دوراً تربوياً مهما. وكان توفير التعليم لجميع الفئات والطبقات الاجتماعية يضمن حداً أدنى من الثقافة الاجتماعية والتقاليد للجميع، بما يخلق ضماناً لاستمرار أنماط من السلوك الاجتماعي شبه موحدة، بحيث يمنع انجراف قطاعات من المجتمع تجاه أنماط من السلوك والجريمة تهدد المجتمع ككل. التردي الشديد لحالة التعليم، وتكدس الفصول التعليمية، وتزايد معدلات التسرب من التعليم، فضلاً عن إهمال الجوانب التربوية للعملية التعليمية، كلها عوامل أزالت الكثير من الحواجز بين الأجيال التي لم تتمتع بتعليم حقيقي وبين أنماط من السلوك والجريمة كان يصعب انتشارها من قبل.
لا يمكن تجاهل تأثير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في سلوك قطاعات اجتماعية واسعة، ولا يمكن أيضاً تجاهل الثقافة الاجتماعية السائدة التي تضع المرأة في وضع متدنٍ، ولا يمكن إهمال تأثير الكثير من العوامل التي تؤثر في ظاهرة التحرش الجماعي. ولكن، في كل الأحوال، لا يمكن القضاء على ظاهرة كتلك، بينما تستمر أجهزة في الدولة في ممارستها وحماية من يرتكبها لصالحها. ولا يمكن تأهيل أجيال جديدة لرفض ومقاومة تلك الظاهرة، بمؤسسة تعليمية منهارة.

مصطفى بسيوني

السفير