813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

إحسان عبيد: صفط الراحة

قصة أخبرنيها المرحوم عادل عبيد وهو مناضل معروف وشاعر فذ، كما أنه حفيد المرحوم علي بك عبيد أمين سر الثورة السورية ورفيق نضال المرحوم سلطان باشا الأطرش.
.
كان ذلك أواخر الستينات، وفي اليوم التالي سينتهي التسجيل بالجامعة.. أديب عبيد الأخ الأكبر لعادل كان عليه أن يسجل بقسم اللغة العربية ويدفع القسط السنوي البالغ 50 ليرة سورية أي مايعادل قطعة شوكولاتة صغيرة بسعر اليوم، وكانت قد فشلت جميع محاولات التدبير والاقتراض من القريب والبعيد، خاصة وأنهما عاشا يتيمي الأب ودون مورد رزق ثابت.. وإذا لم يدفع القسط كان سيذهب إلى الخدمة العسكرية وينفصم مشوار حياته.
.
عصر ذلك اليوم خرج عادل من البيت طافشا إلى جهة غير محددة، يسير حيث تأخذه قدماه.. وعلى منعطف أخر الشارع شاهد طالبا يجايله بالعمر، في المرحلة الثانوية، جالسا يتفيأ باب داره بوقت فراغ.. إنه معرفة وليس صديقا..
.
هش الطالب واقترب من عادل للسلام داعيا إياه لشرب الشاي كعاداتنا، اعتذر عادل وبدا عليه الضيق والشرود.. حاول الطالب أن يستفسر، فتكتم عادل وأظهر عجلته.. لكن الآخر استحلفه أن يخبره لعله يستطيع المساعدة، فأخبره عادل بالموضوع فقال الطالب: الآن فهمتك.. أدخل لنشرب الشاي ولنرى ما بإمكاننا أن نعمل.
.
غاب الصديق إلى الغرفة الثانية قليلا، ثم عاد.. وتبادل حديثا مع عادل لا علاقة له مع ما يحترق داخل الصدر..
.
بعد قليل، دخلت الأم حاملة الشاي فرحبت وسلمت وخرجت منادية ابنها، الذي عاد ويحمل معه مبلغ 60 ليرة. وقال: اشرب الشاي بهناءة، فالمشكلة حُلت بحمد الله.
.
انفرجت أسارير عادل وشرب الشاي بسرعة وقال: أحيي فيك شهامتك، والجلوس عندك شرف وراحة لي.. لكن أريدك أن تسمح لي بالذهاب لأفرّج عن أخي الذي تركته ناشف الريق، وفي وقت قريب انشاء الله سأسدد المبلغ.
.
قال الطالب الصديق: أنا لست بتلك الشهامة التي تعتقد، بل أنت الشهم قبلي.. أنا أسدد دينا طال على رقبتي.. هل تذكره؟
.
قال عادل: أنا لا أذكر شيئا.
.
قال الطالب: مازال المشهد أمامي.. كنا معا في الصف الأول، وجاء يوم عيد الأم.. جميع الطلاب معهم فلوس ليشتروا هدايا لأمهاتهم إلا أنا.. سألتك ماذا تريد أن تهدي أمك؟ قلتَ لي بعد الحلة (انتهاء الدوام) – الساعة 12 – سأشتري لها فوطة من عند نايف أبي خليل ثمنها 120 قرشا.. أي ليرة وأربعة فرنكات.
.
ثم سألتني أنت: وماذا ستشتري لأمك؟ قلت: لا يوجد معنا مصاري.. لأن أبي مسافر على فنزويلا لكن لا يرسل لنا مصاري.. فقلت لي على الفور: بعد الحلة تعال معي إلى السوق.. لن أشتري فوطة.. سنشتري معا كل واحد صفط راحة لأمه بـ 60 قرشا.. وهكذا فقد اشتريت هدية لأمي من فلوسك وتفاجأتْ الوالدة بها كثيرا، ووعدتُكَ أنني سأسدد الـ 60 قرشا حالما يعود الوالد من سفره.
.
وأضاف الطالب: رحم الله والدي الذي كان ميتا ولم يكن مسافرا، لكن أمي قالت لي أنه مسافر كلما أسأل عنه.. ودَيْنك طال سداده.. وجاءت الفرصة.. فربما تتساوى الـ 60 ليرة حاليا مع الـ 60 قرشا بحكم الزمن.. أرجو أن نكون قد تعادلنا.