813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

موت ليلى حبيب خياط

كتب ميشال خياط:

اختي الحبيبةام طوني
وكانت تتباهى بهذا اللقب لأن - طوني- اكثر من حياتها واهم بكثير ولا سيما بعد وفاةزوجها منذ عدة سنوات.
والابن كان بارا خدم امه في مرضها منذ ثلاث سنوات ونيف، مثلما تعتني الام برضيعها، وهذا لا يقلل من دور ابنتها (منار) الام الشابة وهي مشروع دكتورة في الرياضيات، في البر بها والعناية والاهتمام، اذ كانت عنايتها بامها اكثر مشقة لانها متزوجة وام لولد جميل وذكي كانت اختي تحبه كثيرا وبنت رضيعة جاءت الى الدنيا حديثا، وهي تسكن بعيدة في إحدى ضواحي دمشق.
اختي أم، سورية - عاملة- مساعدة صيدلي خريجة المعهد الصحي، عملت اكثر من ثلاثين سنة كعاملة مدنية في وزارة الدفاع، في احد المستوصفات في دمشق (باب شرقي وفيه امضت جل خدمتها) ثم في مشفى حرستا العسكري الى ان تقاعدت،
كان هذا المشفى رمزا مهما من رموز صمود سورية الحضارةوالتقدم، طيلة سنوات الحرب الجائرة على وطننا الحبيب
وكانت تداوم فيه وتصل اليه بصعوبة ونجت من القنص باعجوبة اكثر من مرة.
لتعود من عملها مثل اي امراة عاملة للطهي والغسيل والكي وتنظيف البيت.
لم تهنأ بالتقاعد، فبعد تفجير اجرامي مروع غير بعيد عن بيتها في ساحة التحرير بدمشق، انهالت على المنطقةاكثر من خمسة الاف قذيفة اطلقها ارهابيون ضد دمشق الصامدة من مناطق اختطفوها مثل جوبر وحرستا ودوما، كان بعض هذه القذائف يسقط بالقرب من بيتها وقتل إمرأة مسنة نائمة في سريرها هي جارتها وقتل صيدلانية كانت تتحدى الحرب وتفتح وتبيع الدواء
ذات صباح فجر الارهابيون سيارة مفخخة ثانية في المنطقةولكن تحت بيتها، هذه المرة.
شعرت وكأن قلبها خرج من صدرها، لم تمت انذاك،، حزنت كثيرا على من تعرف ممن ماتوا، ارتاحت في بيتي عدة ايام في المزة مع ابنها، ثم رجعت الى بيتها فالمرء لا يطيب له النوم الا على سريره. والعيش الا في بيته، حتى ولو كان لا يبعد كثيرا عن - خط التماس والمناطق الساخنة.
في احدى لحظات الهلع العفوي من صوت القذائف المرعب، واطلاق النار الغزير، -تفركشت- فانكسر مشط رجلها اليمنى، وما إن تعافت، بعد عذاب أليم، لا يقتصر على الم الكسر بل يشمل كل احتياجات الانسان عندما يعجز عن السير بمفرده- جاءتها جلطة دماغية على جذع الدماغ، كشفها طبيب عصبية ماهر جدا، يعمل في عيادات نقابة المعلمين قرب جامع الفردوس بدمشق هو الدكتور سمير عيسى، يستحق الثناء لان تقرير صورة الطبقي المحوري افتى بعدم وجود اي علائم لمرض اوخلل. كنت الى جانبه مع ابنها طوني، وهو يدقق، ثم قال لي، لابد من وجود سبب ادى الى الشلل النصفي وعدم القدرة على الكلام بطلاقة.
وراح يدقق حتى قال: هذا هو السبب نقطة بحجم حبة البرغل على جذع الدماغ
صحيح ان النقطة متناهيه في الصغر، لكن المكان حساس جدا انه الكابل الكهربائي الذي يوزع اوامر الدماغ.
وبدأ العلاج بالادوية والمعالجة الفيزيائية وسط اصرارها على الحياةوالنهوض ثانية
وبالفعل نهضت واصبحت قادرة على المشي بمساعدةابنها، ونزول الدرج من الطابق الرابع دون ان تحمل على نقالة.
وتطور تحسنها فغدت قادرة ان تمشي بمفردها في البيت وان تدخل الحمام، ونصحت بالمشي مع مرافق، فأحبت الحدائق العامة، ثم راح قلبها يعلن عن مرضه، بحدة أكثر، تسرع في القلب وتضخم واعتلال عضلة قلبية، ملت من العيادات المكتظة، وتعامل الاطباء معها بصفتها ميؤوسا منها ومن ارتفاع ضغطها.
نصحتها بطبيبة قلب وقثطرة باحثة متعمقة هي الدكتورة جمانة بوظو، طبيبة القلب الشهيرة في مركز الباسل لجراحة القلب المفتوح، ارتاحت لهدوئها واعتما،ها في العلاج على النباتات ومستخلصاتها، احبتها كثيرا لانها احتفت بها، لم تخدعها لكنهاتمنت لها حياة اطول، واستعادت مع الدكتورة جمانة بوظو، امل الاستمرار بيننا والسعي الى تزويج ابنها للاطمئنان على مستقبله، ساعدتها د. جمانة على حياة افضل واجمل لمدة سنتين
زوجت ابنها ورات منه حفيدة احبتها كثير اوهي ماتزال رضيعة ورات لابنتها منار بنوتة ماتزال رضيعة ايضا، وبعد يوم جميل، وسيران طويل عند اهل كنتها، في معلولا، رجعت الى، بيتها الصيفي في معرة صيدنايا، واصرت على ابنها ان يتركها لوحدهاوان يعودالى بيت عمه في معلولا، - وقعت على راسها - أغاثها الجيران الى مشفى ريفي خاص خاط الطبيب الجرح ورجعت الى البيت وجاء ابنها وتعشت معه ومع الجيران، ووسط فرحها بالانقاد السريع ولهفة الجيران
نزف الجرح، وداهمها الم شديد
هرعوا بها الى مشفى العباسيين في دمشق،عند الفجر، دخلت في غيبوبة وامضت يوما على المنفسة، ثم أسلمت الروح.
عمرها 67 سنة، تعد شابة في التوصيفات الحديثة لمراحل عمر الانسان في ظل التطور الطبي والدوائي الراهنين.
انطوت صفحة من سيرة عائلة سورية
صفحة لامرأ ة سورية عاملة ثم متقاعدة، حريصة على بيتها واولادها، تحب الحياةوتشارك في نشاطات اجتماعية، متدينةتهتم بالذهاب الى الكنيسة وحضور القداس يوم الاحد على الاقل، كان ذلك يجمعها بصديقاتها، كانت محرجة ان تحمل عصى، تتباهى بجمالهاوصباها، قاومت الموت حتى اللحظةالاخيرة
لكنه للاسف انتصر عليها، فرحل جسدها وظلت حاضرة بيننا، ذكرى لا تنسى ابدا، حياة حافلة، بالعطاء والانجاز والهموم والنكسات والعذاب والانتصارات والنجاحات والفرح في ان معا
حياة تشبه أغلب السوريات، الرائعات الجميلات على مستوى العالم، النبيلات في الكفاح لحماية الاسرة والمساهمة في الارتقاء بالوطن.
كنت اتمنى لها حياة مديدة واياما اكثر قد تكون اجمل.
لكن قلبها - وما من شك انه فولاذي كقلوب السوريين جميعا - توقف وانهى حياتها ليوجعنا ويؤلمنا،
امل ان يكون الله الذي تجل وتحب قد حباها بالجنة التي تعشق، فلطالما رددت: أنا ميتة مؤجلة، لاتحزنوا ساكون في الجنة، وهي حياة مختلفة لكنها جميلة.
رحمة الله عليها واسكنها فسيح جنانه
ولكم من بعدها طول البقاء، انتم الزملاء والاصدقاء والاقرباء الطيبون الرائعون الذين بلسمتم حزننا العميق، وازحتم عنا بتعاطفكم صخرة الم ثقيلةجدا
دمتم بالف خير
وامد الله في اعماركم  -اسف اذا ازعجتكم- لكنني رغبت ان ارسم صورة عن حياة السوريين، قبل الحرب وابانها ورأيت ان اختي الحبيبة جديرة ان تكون مثالا، في حياتها وكفاحها، ومماتها.
امد الله في اعماركم.
 
أسرة تحرير فينكس، تتقدّم من الأستاذ الزميل الكبير ميشال خياط بأحر التعازي بوفاة شقيقته.