احسان عبيد: أغرب من الخيال
على ذمة الراوي
.
الصحفي الكويتي أبو طلال الحمراني يعمل مندوبا لجريدته لدى وزارة الداخلية.. يذهب إليهم يوميا ثم يعود بأخبار الجرائم والفضائح والسرقات والقتل والدهس وسواه وينشرها.. لكن هذه القصة مختلفة.
.
يقول الحمراني: لي صديق قرر أن يذهب في عطلة مدتها عشرة أيام صحبة ثلاثة من الربع إلى البر.. واختاروا أن يذهبوا إلى بر السعودية، منطقة الصمان.. قاصدين صيد الضب الصحراوي.. (الضب سحلية كبيرة 30سم وأكثر).
.
أخذوا سياراتهم، وحملوا الخيام والأكل والشرب، ومولد كهرباء والبنزين وكل ما يحتاجون، وأقاموا معسكرهم الصغير.
.
بعد خمس أو ستة أيام قرر صديق الحمراني أن يقوم برحلة صيد منفردا، فيما كان باقي الربع ينعمون بقيلولة.. وفي الخلاء البعيد شاهد ضبّا كبيرا ضخما.. طارده بالسيارة حتى تعب ثم اصطاده وجاء به إلى المخيم.
.
استغرب الشباب حجم الضب، لكنهم لاحظوا أن عينه اليمنى مخيطة (وكأنه أجريت لها عملية خياطة) فاستغربوا واحتاروا.. واستقر رأيهم أن هذا الضب ليس إلا جنيا بجسم ضب.. وإذا نزعنا القطب لا ندري ماذا سيحل بنا
.
قال أحدهم: أنا معي رقم تلفون مطوع في الكويت.. دعنا نستشيره.. اتصلوا به.. قال لهم: اقرأوا الآية الفلانية وافتحوا الخيوط..
.
ما أن فكوا الخيوط حتى وجدوا ورقة ملفوفة ومكتوب عليها كلام غير مفهوم ماعدا اسم رجل وكنيته واسم أمه.. وهذا هو المفهوم من تلك الورقة فقط.
.
قال الشاب الذي اصطاد الضب: هذا الاسم عادي (أحمد – محمد – عبد الله - علي) لكن الكنية تخص قبيلة بدوية تسكن منطقة الجهراء في الكويت.. واحتفظ في الورقة ليتأكد منها حال العودة.
.
انتهت الإجازة وعاد الربع من رحلتهم، وبعد يومين راحة، قرر الشاب أن يتأكد من الاسم الموجود بالورقة، لكنه تردد مخاطبا نفسه: كيف سأذهب؟ وماذا سأقول؟ وهل سيصدقونني؟ وقد يضحكون عليّ ويسخرون مني، وفي اليوم التالي ستحكي عليّ كل ديوانيات الكويت.. وهذه فضيحة لا أقبلها لنفسي.
.
وبعد تردد، قال: سأذهب مساء وأستدل على البيت من بعيد وقد أدخل أو لا أدخل.. وصل المنطقة، من شارع إلى قطعة إلى دخلات فرعية، ولما سأل: قالوا له ذاك هو بيته على بعد 50 مترا.. لكنه شاهد ما لا يقل عن 70 سيارة تقف أمام البيت، والناس يدخلون ويخرجون.
.
توقف.. تساءل.. تردد.. ركن سيارته وتوجه ماشيا يستطلع ما يجري من بعيد.. وقف بالقرب من البوابة، وصار يسمع الناس يقولون: الحمد لله على السلامة وإذا برجل اقترب منه ورحب فيه وأمسكه بقوة طالبا منه الدخول، فدخل على غير خاطر، وأخذه الرجل إلى صدر الديوانية الرحيبة المليئة بالزائرين، وقال مخاطبا شابا مثل قلب النهار يجلس في صدر الديوانية وهو المحتفى به: يا حمد هذا الشاب جاي يهنيك بالسلامة.. وقف حمد وسلم عليه الزائر ثم أخذ مكانه جالسا بين الناس، وهو لا يعرف أحدا من الموجودين.. لكنه ابتلع كلامه أمام هذا الجمهور، وقرر أن لا يتكلم، وبعد ربع ساعة قام مغادرا وقال: اسمحوا لي.. تصبحون على خير.
.
على الباب الخارجي صادفه الرجل الذي عزمه في البداية وأدخله بقوة.. فقال له: وين رايح.. ورب الكعبة ماتروح قبل أن تتعشى، وراس أبوي ما تروح.. أنت صديق حمد مو شذي؟ أنا خال حمد والله ماتروح.
.
عاند الشاب بالرجوع إلى الديوانية وقال له: أنا ماني صديق حمد ولا أعرفه ولا أعرف أنه مريض.. ثم سكت قليلا وقال له: عندك للسر مطرح؟ قال: أفا عليك سرك في بير عميق.. هات خبّرني.. قال بصراحة صارت معي قصة غريبة، ولا تعتقد أنني خبل.. ترى معاي ثلاثة شهود.. قصتي كذا وكذا وكذا.. وخفت الناس ما يصدقوني وهذي الورقة معاي.
.
صرخ الخال بعالي الصوت.. واضعا يديه على رأسه.. وقال له: أنت تدري أن حمد كان ملازم أول في الجيش، وكان خاطب يبي يتزوج، وفجأة عمي (صار أعمى) بليا مرض (دون أن يمرض) من سبع سنين تدمرت حياته، لكن من أسبوع صحا الصبح مفتح ورجع بصره عادي.. لاتتصور فرحتنا.. يمكن من تاريخ اقتلاع الورقة من عين الضب.. تعال تعال والله ماتروح.. لازم تروي القصة للجميع لأن لو رويناها نحن لا يصدقوننا.
.
دخل الرجلان.. طلب الخال من الجميع أن ينصتوا ويستمعوا.. وبعد أن روى الزائر القصة، قام كل من في الديوانية يهللون (يقولون لاإله إلا الله) ويكبرون (يقولون الله أكبر)، وحملوا الزائر على الأكتاف، وصار هو المحتفى به في تلك السهرة.. وبقيت القصة حديث المنطقة لشهور، معللين أن الذي حصل هو سحر قوي من ساحر ما صلى على النبي، ووضع سحره يشكل محترف في عين الضب كي لا يهتدي إليه ساحر آخر ويبطل مفعوله..
.
أنا لا رأي بذلك، لكن القصة غريبة، وأنتم أحرار في القبول والاعتراض أو في التصديق وعدمه.
