عن مزارات العلويين ومقاماتهم.. لا ينتسب المرء الى مكان ليس له فيه أموات: قمر الزمان علوش
يؤخذ على العلويين كثرة مزاراتهم و مقاماتهم الدينية التي يحجون اليها في كل ايام السنة. اضرحة و قباب بيض و خضر منتشرة بكثرة في ذلك الريف الجبلي المتراعي الاطراف. هناك اماكن تضيق فيها المسافة بين الارض و السماء، و تلك المزارات هي واحدة منها. تلك الرحلات لا يقوم بها السراة بقطع المسافة بين القرية و المزار، انما يقومون بها بالسفر الى داخلهم. هي نوع من السلالم للصعود الى السماء. حقيقة بسيطة تكتسب فجأة بفعل اشراقة داخلية معنى فلسفياً يدركه المرء بالاحساس او حتى انه يكتشفه بمفرده مع ادخنة النجور المتصاعدة و الاصوات التي تسمع بوقع ديني منخفض.
انا لا اؤمن بالخرافات و الاساطير الشعبية، و لكنني اتفهمها كمعنى اجتماعي تبتكره المخيلة البشرية لكي لا يتحول العالم الى رماد. ثم يتنفسها البشر كما يتنفسون الهواء كي لا تغدو حياتهم دائماً سطحية و حمقاء.
لست على يقين من ان هذه المزارات قادرة بقداسة اصحابها على اجتراح المعجزات كالشفاعة و شفاء الامراض و تعديل المصائر. و لكنني بالمقابل اؤمن حقاً بقداستها و قداسة موتاها كشعور شخصي.
يكفي ان اتخيل كيف ابحر هؤلاء القادة الدينيون و العسكريون سكان هذه الاضرحة بطائفة صغيرة كالعلويين في سفينة (نوح) حقيقة لانقاذها من نكبات الزمن المتنامية. كيف عبروا بتلك المسيرة الانسانية الصغيرة المحكوم عليها بالبلى، قروناً كثيرة من الحروب و المذابح و العبودية و الهجرات القسرية و المجاعات و الأوئية لتظل حية عنيدة على الهلاك و في انبعاث دائم. يكفي تخيل ذلك لاضفي عليهم صفة القداسة.
يكفي ان اتصور ان حشوداً كثيرة من البشر مرّوا في هذا المكان عبر قرون، و تركوا فوق حجارته انفاسهم و صلواتهم و دموعهم و قطعاً دافئة من قلوبهم، لاكتشف كيف تحيي الانفاس الحجارة العتيقة و توقظ فيها توقها الابدي لان يكون لها معنى، و يكون ذلك كافياً لكي يكتسب هذا المعنى في نظري صفة القداسة.
هل هذه وثنية؟ ربما !! و ما الضير في ذلك؟ هل خرجت الوثنية من الروزنامة السماوية؟ ألم تحول المسيحية صليب المسيح الخشبي من اداة موت الى اداة فن و جمال و عبادة؟ ثم: الكعبة و حج المسلمين الى البيت الحرام ما هما اذاً؟
قبل سنوات كنت اعد فيلماً وثائقياً عن حياة الشاعر و المفكر ادونيس. قلت له: سأصورك داخل المزار مع مبخرة و قنديل ضوؤه شبه اشهب. نظر إلي و قال: و هل هذا ضروري؟ قلت: و هل يحرجك الامر؟ قال: لا. لكنك ان ادخلتني المزار فستكون هذه هي المرة الاولى في حياتي التي ادخل فيها مزاراً.
فوجئت بهذه الحقيقة. لانني قبلها لم اكن اتخيل قط ان علوياً واحداً ولد في تلك القرى لم يقم بزيارة واحدة الى احد تلك المزارات. فتلك التجارب الروحية تخصص لها الطقوس الدينية لنكون: نحن. لنكون: اقوى.
لم افرض على ادونيس التصوير داخل المزار. لكنني بالمقابل اكتشفت التفسير الموضوعي لنقطة الضعف الوحيدة في شعر هذا الشاعر الذي استوطن العالمية، و هي غياب المكان عن اشعاره. هذا الغياب المحسوس يشعرك أحياناً بشعره و كأنه أمام عربة امبراطورية فخمة كثيرة الزخارف، و لكنها تسير في فراغ.
لا ينتسب المرء الى مكان ليس له فيه أموات. الأموات بحاجة الى شاهدة قبور و الفراغ مقبره كونية بلا قوى.
