نجمة البدوي
كتبت آس يوسف غالة- فينكس:
كنت في العشرين من عمري، طالبة جامعية يقودني طموح جامح لأحقق حلم طفولتي بأن أكون صحافية وأديبة، ففي طفولتي لم أكن أعلم أن هناك فرقاً كبيراً بين الصّحافي والأديب (عرفت ذلك لاحقاً بالتأكيد)، لكنني كنت على يقين بأن كلاً منهما يحتاج أن يكون بارعاً وملمّاً بأدق تفاصيل اللغة العربية.
في ذلك الوقت رَبطتْ والدي رحمه الله علاقةُ صداقةٍ وطيدة مع المرحوم العلامة الشيخ والشاعر أحمد علي حسن، الذي دعانا إلى منزله في قرية الملاجة (ريف طرطوس) ذات الطبيعة الخلابة.
كان منزل الشيخ منعزلاً وبعيداً عن منازل القرية، يقبع هناك على سفح الجبل، ليطلّ على منظر بديع أشبه ما يكون بالخيال.. وكانت زيارتنا تمتد ليومين، لذلك بتنا ليلتنا في منزل الشيخ.
وكعادتي، لم أستطع النوم لأنني كنت بعيدة عن المنزل، وهذا الطبع مازال يلازمني حتى اليوم.
في ذلك اليوم التمّوزي الفريد نهضت مع الفجر لأخرج إلى شرفة المنزل كي أشهد شروق الشمس، وأنعم بهدوء تلك الطبيعة الخلابة، وكنت أعتقد أنني أول المتحمسين لذلك الصباح، لكنني فوجئت بالشيخ يجلس بهدوء على أرجوحته الحديدية، وعكازه إلى جواره.
ابتسمت له وقلت:
- صباح الخير يا جدي، لقد سبقتني إلى الصباح.
- صباح النور يا بنتي، ليس أجمل من الصباح، لكننا لن نستمتع به مع كل هذا الضباب.
التفتُّ إلى الجبال التي رأيتها في الأمس باسقةً خضراءَ غنّاءَ تحتل الروح قبل أن تحتل كل مساحة العينين، فلم أرها..
كان ضباب تموز يحجب كل شيء، حتى أنه وصل إلى أقرب نقطة من الشرفة التي نتحادث عليها.
لم أعلم سابقاً أن الضباب يستطيع أن يأتي في تموز، لكن ذلك زاد من حماسي الطفولي، قلت له:
- ضباب!!.. وفي تموز!.. هذا مشهد فريد ونادر، أنا أعشق الضباب يا جدي.
قال لي:
- أما أنا فأعشق الانقشاع.
قلت: - أنا أعشق الضباب لأنه يكون متبوعاً بالانقشاع دائماً، ألا تحب أن تنكشف الأمور بعد غموضها واختبائها خلف ستار من المجهول؟!
ضحك الشيخ وقال لي: - بالتأكيد جميعنا ينتظر الانقشاع بعد الضباب.
جلست مع الشيخ نكمل حديثنا الذي قادنا إلى فرادة اللغة العربية وجماليتها وروعة ألفاظها، ولعلّه كان يعرف من والدي مدى ولعي باللغة العربية، ولا أذكر تماماً كيف وصل بنا الحوار إلى بيت شعر لبدوي الجبل؛ الذي عبّرت للشيخ عن إعجابي الشديد بشعره، وقلت له إن هذا البيت يبقى عالقاً في رأسي:
(مُدلَّهٌ فيكِ ما فجرٌ ونجمتُهُ ... مولَّهٌ فيكِ ما قيسٌ وليلاهُ)
فقال لي:
- هل تعلمين بأن هذا البيت يحتوي خطأ واضحاً في اللغة العربية؟
في تلك اللحظة أصابني الذهول، فأنا لم يخطر في بالي للحظة واحدة أن أبحث عن خطأ لبدوي الجبل في بيت شعر!
لم يخطر في بالي للحظة أن شاعراً عظيماً في قامة البدوي يمكن أن يخطئ في اللغة العربية!
انتبه الشيخ لذهولي فضحك بصوت مرتفع وسألني:
- ألم تجدي الخطأ بعد؟!
هززت رأسي نافية، وأنا على يقين من أنني قادرة على اكتشاف أي خطأ لغوي لو لم يكن الشاعر هو البدوي ذاته!
قال الشيخ:
- النجم مذكّر، بينما أنّثه الشاعر بقوله: (ما فجر ونجمته).
تلعثمت وأنا أقول:
- ولكن.. إنه.. بدوي الجبل!.. لا يمكن أن يخطئ.. كيف ذلك؟!
ضحك الشيخ مجدداً وقال لي:
- هو بالتأكيد لم يخطئ، فقد ذكر النجم بصيغة التذكير في البيت السابق لهذا البيت:
(ورنوة لكِ راح النَّجمُ يرشفُها ... حتّى ترنّحَ سكرٌ في محيّاهُ)... الشاعر يحق له ما لا يحق لغيره.
في ذلك الفجر التموزي الضبابي، تعلمت أن أحب اللغة العربية أكثر، وأن أقدّس اللحظات التي أقضيها مع أصحاب العلم والمعرفة، فأنا لا أعرف متى ستتحول تلك اللحظات إلى مجرد ذكرى جميلة تعبر كالحلم..