كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الفأر يلعب في عبي

حسن م. يوسف– خاص فينكس

أوائل الشهر الماضي استلمت بطاقة الصراف الآلي من البنك التجاري السوري، التي أقبض من خلالها راتب التقاعد الشهري الذي يدعمني به اتحاد الصحفيين بعد نصف قرن من عضويتي فيه، وقدره خمسة عشر ألف ليرة، أي ما يعادل 6 دولارات بالسعر الرسمي و4 دولارات بالسعر الأسود. استوقفني وجود صورة الكعبة المكرمة على بطاقة الصراف الآلي، ولا شك أن ذلك ليس بالمكان المناسب ولا اللائق لحمل تلك الصورة. ولأنني لا أحب إثارة القضايا الهامشية فقد تجاهلت الأمر، آملاً أن ينتبه له أحد الزملاء الصحفيين ويعفيني من الكتابة عنه.

مضى شهر وبضعة أيام ولم يلتفت أحد للموضوع، لذا نشرت صورة بطاقتي وكتبت على صفحتي في الفيس بوك لسان الحال التالي: "بما أنه لا شيء مجاني أو دون معنى في هذا العالم، أتمنى أن يوضح لنا مدير المصرف التجاري السوري الغاية من وضع صورة مكة المكرمة على بطاقات الصراف الآلي الجديدة."

من أوائل ردود الفعل على لسان الحال أن أحد السادة زوار صفحتي زعم بأن الصورة ملفقة، مما اضطرني لأن أظهر اسمي على صورة البطاقة. بعد أن كنت قد طمسته. 

دون تأخير جاءني الصوت من داخل البنك التجاري السوري، فقد أبلغتني عصفورة مطلعة طلبت عدم ذكر اسمها بما يلي: "بسبب نفاد البطاقات لدينا طلبنا استيراد كمية كبيرة منها، وصلت الى مرفأ اللاذقية، ولسوء الحظ، الضربة الاسرائيلية الأخيرة للمرفأ أودت بالحاوية التي تحمل البطاقات، فاضطررنا للعودة مكرهين الى المخزون القديم الذي كان لدى المصرف منذ ما يزيد عن عشر سنوات لطباعة البطاقات المجددة".

من بين التعليقات على لسان حالي خاطبت الفنانة القديرة شكران مرتجى الأستاذ سامر يوسف مدير إذاعة شام إف إم طالبة منه أن يستوضح عن الموضوع، فأجرت الإذاعة لقاء مع السيد وسيم علي مدير الدفع الإلكتروني في المصرف جاء فيه: "هناك نماذج عديدة للبطاقات كانت معتمدة في المصرف عام 2006 بغرض السياحة ومنها عليها صور لأهرامات و برج إيفل، والبطاقة التي يتم تداولها وعليها صورة "مكة المكرمة" هي أحد هذه النماذج."

وقد تبني السيد وسيم الرواية التي نقلتها لي العصفورة إذ قال: "تأخرت طباعة البطاقات لأن الحاويات في مرفأ اللاذقية تعرضت لعـدوان إسـرائيلي، ولذلك اضطررنا لاستخدام عدد من النماذج القديمة التي تم توزيعها في شهر كانون الأول الماضي على المواطنين ليتمكنوا من استلام رواتبهم"

نشرت على لسان حالي مئات التعليقات المتباينة التي يتراوح طيفها بين خفة الدم والتهكم، والتساؤل الرصين والتهجم الصريح والمبطن... الخ وأكثر ما استوقفني من كل تلك التعليقات هو ما ورد على لسان المخرج الصديق سمير حسين: "هذه تفصيلة صغيرة جدا وسيتبعها الكثير في قادم الأيام في مختلف نواحي حياتنا والغرض منها إلهاء الناس وإشغالهم وصرف نظرهم عن الكوارث العظمى والمصيرية التي تحيق بنا!"

الزميل الكاتب يعرب العيسى وصف الأمر بـ "الهذر" وتحدث بثقة العارف مبرراً طباعة تلك البطاقات بأنها ترجع لفترة كان فيها المصرف التجاري: "مصرفاً حقيقياً ـ تقريباً ـ وكانت بطاقات المصارف السورية صالحة للاستخدام في كثير من دول العالم" ثم أورد بضعة ملاحظات تبرر "كثرة تصاميم هذا النوع من البطاقات تفاديا لاختلاطها أثناء الاستخدام". وزادنا الزميل يعرب علماً إذ قال: "الصورة المستخدمة هي صورة لتوسعة الحرم الحديثة وليس الكعبة، وإذا كان لنا تصنيفها فهي رمز معماري تنموي، والمكعب الأسود الصغير في عمق الصورة هو الجزء الديني."

يعلم قارئي المتابع أنني لست من هواة الإثارة الصفراء، والحق أن ما دفعني لإثارة هذا الموضوع هو قناعتي بأن بطاقة صراف التجاري السوري ليست المكان المناسب ولا اللائق لحمل صورة الكعبة المشرفة، خاصة وأن البطاقة الجديدة متداخلة المكونات وليست جميلة، لكن الزميل يعرب حرف المسألة إذ افترض دون أي سند أن هناك من يعتبر الكعبة رمزاً لا يخصنا كسوريين! وهذا فت واضح خارج الصحن، الغرض منه هو تقزيم الرأي الآخر وتبرير الاستخفاف به.

لا أخفيكم أن المبررات التي ساقها المتكلمون باسم البنك التجاري السوري لم تقنعني حتى بعد أن عززها الزميل يعرب بمداخلته (العلمانية). صحيح أن أجدادنا يقولون إن "سوء الظن اثم" لكنهم يقولون أيضاً: "إن سوء الظن من حسن الفطن". والحقيقة أن المعلومات التي نقلتها العصفورة لي من داخل البنك التجاري السوري عن وجود هذه البطاقات التي تحمل صورة مكة المشرفة منذ أكثر من عشر سنوات لدى البنك قد جعلت الفأر يلعب في عبي! فماذا لو كانت الجهة التي أمرت بطباعة هذه البطاقات هي نفس الجهة التي سمحت باستيراد مئات شاحنات الدفع الرباعي التي كان الارهابيون أكثر المستفيدين منها، إذ نصبوا عليها رشاشات الدوشكا واستخدموها ضد جيشنا العربي السوري؟