عدنان بدر حلو: الحلف الإسرائيلي- التركي يهدد المنطقة من أعالي النيل إلى عمق أسيا الوسطى
يعيد فينكس نشر سلسلة مقالات منتقاة, من كتاب "تدمير سورية- المشروع المؤجّل من تسعينيات القرن الماضي" للكاتب والصحفي عدنان بدر حلو.. والغاية من إعادة نشر تلك المقالات هو قراءتها المبكرة لما يحدث في سوريا منذ نحو ست سنوات حتى اللحظة.
تنويه: كان الكاتب يوقّع سنتذاك, باسم: عدنان بدر, وهو الاسم الذي اقترحه عليه الشهيد غسان كنفاني.
نصّ المقال:
لم يكن قد انقضى سوى يومين فقط على الإعلان عن اتفاق التعاون العسكري- الجوي بين إسرائيل وتركيا، عندما أعلنت أنقرة عن مشروع طموح جدا لتحديث جيشها وتطويره يتضمن إنفاق 67 مليار دولار خلال السنوات السبع القادمة.. وأكثر من مائة مليار دولار في السنوات العشر اللاحقة.
قد لا تكون هناك علاقة مباشرة بين الإعلانين!! إنما الأخطر من ذلك بكثير هو علاقتهما معا بالعديد من القضايا والأحداث والتطورات في عموم المنطقة الممتدة من شمال إفريقيا وأعالي النيل والقرن الإفريقي والجزيرة العربية والخليج، إلى عمق البلدان الإسلامية (السوفييتية سابقا) في آسيا الوسطى.
وليس ثمة أي مبالغة في تأكيد أن هذين الحدثين يرتبطان بمشروع إقليمي – دولي لتطوير التسوية السياسية المطروحة للصراع العربي –الإسرائيلي إلى تسوية جغرافية- سياسية أوسع بكثير من ساحة ذلك الصراع، بحيث تمتد من الماء في الشمال الآسيوي (الأنهار التركية) وأعالي النيل الإفريقية، إلى النفط في الجزيرة والخليج والمكامن المرجحة في عمق آسيا الوسطى.
وبحيث يتمدد مفهوم الأمن في هذه التسوية من أمن إسرائيل إلى أمن الآبار والممرات والاستثمارات تحت مظلة أمريكية بالغة السعة ومتعددة الأغراض والأهداف على المديين القريب والبعيد.
وفيما يلي محاولة لإلقاء بعض الضوء على أبرز محاور هذا التحرك الإسرائيلي- التركي المزدوج الذي يتم برعاية سافرة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.
أولا: إن لكل من إسرائيل وتركيا حسابات ملحة مع سورية ومن المؤكد أن هذا التعاون الاستراتيجي يشكل قفزة شديدة الخطورة في مجال التعاطي مع تلك الحسابات.
فإذا ما راجعنا محطات التسوية التي تمت حتى الآن بين إسرائيل وبعض الأطراف العربية الأخرى نجد أنه كان دائما ثمة حرص من قبل تل أبيب على الوصول إلى اتفاق مع الطرف العربي المعني وهو في أقصى درجات الضعف.
فاتفاق "فصل القوات" الأول على الجبهة المصرية، تم تحت ضغط الحصار الذي انتهت إليه حرب تشرين وهو يمسك بخناق الجيش الثالث على الضفة الشرقية لقناة السويس، في حين تم إبرام معاهدة السلام على الجبهة نفسها مع وصول الضائقة الاقتصادية في مصر إلى درجة بالغة الحدة، وكان يزيد من آثارها المأساوية إحجام الدول العربية الغنية التي تضاعفت عائداتها النفطية بشكل خرافي بعد عام 1973، عن تقديم أي دعم جدي لمصر.. وهو إحجام موعز به من قبل الجهات الدولية المعنية بالوصول إلى النتائج التي وصل إليها.
أما الاتفاق الفلسطيني- الإسرائيلي فقد تم بينما كانت منظمة التحرير تعاني من أقسى ما شهدته، خلال تاريخها من ضغوط متعددة المصادر والأشكال امتدت من تهديد استمرارية وجودها في تونس إلى التهديد بتجاوزها على طريق مدريد.. كل ذلك في ظل سياسة "تجفيف مالي" منسقة بين حكومات الدول الخليجية، كانت قد بدأت قبل انفجار الأزمة العراقية- الكويتية، ثم جرى ربطها بتلك الأزمة.. واللافت للنظر بالإضافة لذلك أن "أوركسترا" الضغوط على المنظمة هي نفسها (قائدا وعازفين) "أوركسترا" الضغوط على مصر في حينها !!
على ضوء ذلك نجد أن سورية التي ما تزال سليمة إلى حد كبير وقادرة على التردد والانتظار بصورة معقولة، لا بد وأن يجري تعريضها لمزيد من الضغوط، وسوف يكون للكماشة الإسرائيلية- التركية دور رئيسي في تلك الضغوط سواء انفجرت على شكل "عاصفة صحراء" جديدة في المنطقة، أم تمكنت من الوصول إلى غرضها عن طريق التلويح بتلك "العاصفة".
فالاتفاق الإسرائيلي- التركي الذي تقع سورية بين فكيه، يطل على أكثر من ساحة متصلة بالوضع السوري ومتأثرة به ومؤثرة فيه.. وبالذات الساحتين العراقية واللبنانية.
يضاف إلى موضوع التسوية أن لتركيا أطماعا معلنة في كامل مياه الفرات ( يذكر أن تركيا قد سبق لها أن قطعت مياه نهر قويق عن مدينة حلب بصورة كلية أواخر الأربعينات) ولديها خطط لتصفية مواقع ومراكز حزب العمال الكردستاني في عمق الأراضي السورية واللبنانية، ومعها بعض المراكز الأرمنية.. دون أن يسقط من الحساب بعض المطامع التركية في أراض سورية، وبعض الاهتمامات بالبحث عن مخارج أو حلول لمشاكل أثنية أو طائفية معقدة لها امتدادات عبر حدود البلدين الجارين.
وهناك أيضا وأيضا موقع سورية الحيوي في مشروع "مياه السلام" الذي طرحه الرئيس التركي السابق تورغوت أوزال، ويتكون الجزء الرئيسي فيه من قنوات لجر المياه التركية إلى إسرائيل والجزيرة العربية عبر الأراضي السورية واللبنانية والأردنية.
ثانيا: يستأثر شمال العراق باهتمام كبير في حسابات الشريكين الإسرائيلي والتركي.
فقد وجدت الدولة العبرية منذ نشوئها أن لها مصلحة حيوية في المسألة الكردية العراقية.. وقد نشرت قبل سنوات تصريحات موثقة بالصور لضابط المخابرات الإسرائيلي أهارون ياريف يتحدث فيها عن زياراته للشمال العراقي عن طريق إيران وتعامله مع الملا مصطفى البرازاني خلال الستينات.
كما كان لنشاط الوكالة اليهودية المبكر "الفضل" في اكتشاف وجود جالية يهودية كردية كبيرة في العراق، جرى تثبيت هويتها الدينية وجرها للهجرة إلى إسرائيل مباشرة بعد عام 1948، ويتراوح عدد اليهود الأكراد في إسرائيل حاليا بين 50 ألفا و70 ألفا..جلهم من أصول عراقية.
إن التركيز الإسرائيلي على المسألة الكردية في العراق تحديدا لا يعود فقط للمشروع الإسرائيلي القديم الذي يحمل شعار "حلف الأقليات" العرقية والدينية والطائفية في المنطقة كوسيلة لتبديد هويتها القومية، بل يتعلق إضافة لذلك، بخصوصية النظرة الإسرائيلية للكيان العراقي، وهي نظرة مشحونة بالمخاوف القديمة والحديثة التي يعود بعضها إلى العهد البابلي أيام نبوخذ نصّر، في حين يرتبط معظمها بالوزن البشري والاقتصادي والحضاري للعراق الحديث الذي تتوفر فيه، أكثر من أي قطر عربي آخر، إمكانات بناء قوة عربية ذاتية مؤهلة لإحداث تغيير جدي في موازين القوى الإقليمية.
هذا بالنسبة لإسرائيل، أما بالنسبة لتركيا فليس سرا أن دوائر تركية كثيرة، بمن فيها الرئيس الحالي سليمان ديميريل، ما تزال تتطلع إلى إمكانية احتلال منطقة الموصل وكركوك في شمال العراق وضمها إلى كيان الدولة التركية، بزعم أنها كانت في السابق ولاية من ولايات ذلك الكيان.
وقد كشف أحد الوزراء الأتراك العام الماضي النقاب عن أن ديميريل كان قد أعد مشروعا لهذا الاحتلال دخل على أساسه تحالف "حفر الباطن" ضد العراق وحصل على موافقة أمريكية مبدئية عليه لكنه اصطدم بمعارضة قوية من قبل بعض أركان حكمه.
كما أن الكاتبة الأمريكية جويس بار كانت قد ذكرت عام 1983 في صحيفة "نيويورك تايمز" أن أصواتا كثيرة ارتفعت آنذاك في الثكنات العسكرية التركية تطالب باحتلال شمال العراق (عندما بدا لوهلة ما أن العراق كان على وشك خسارة الحرب مع إيران في أعقاب استرداد القوات الإيرانية لمدينة المحمرة).
إن إقدام تركيا المتكرر على الدفع بقواتها إلى داخل الأراضي العراقية في ظل ظروف العراق الاستثنائية الحالية، وبحجة ملاحقة قوات حزب العمال الكردستاني، قد يكون في واحد من أهدافه عملية ترويض لجعل الاحتلالات المؤقتة تتحول إلى احتلال دائم.
وإذا ما تحقق اقتطاع تركيا لهذا الجزء الغني بالنفط والماء من شمال العراق، فإن ذلك سوف يشكل مساهمة مباشرة في عملية تفكيك القطر العراقي التي تتطلع إليها إسرائيل باعتبارها الوسيلة المثلى للتخلص من خطره الدائم بصورة نهائية.. إضافة إلى أن ذلك يضع دركي أمريكا التركي في موقع متقدم ومسيطر على حافة إقليم النفط الشرق أوسطي كله.
إن وجود مثل هذه الأطماع التركية الإسرائيلية هو وحده ما يفسر تعنت الولايات المتحدة تجاه موضوع الحصار القاتل المفروض على العراق، وحرصها على الاستمرار فيه إلى أبعد مدى زمني ممكن بحيث يصبح تفتته أمرا حتميا.
ثالثا: بعد سورية والعراق تأتي إيران التي تستعر بينها وبين تركيا حرب سياسية واقتصادية وقومية وثقافية على امتداد ساحة البلدان الإسلامية (السوفييتية سابقا). ومن المؤكد أن الدعم الأمريكي- الإسرائيلي للذراع العسكرية التركية يوفر لأنقرة وسيلة هامة من وسائل التفوق في ذلك الصراع الاستراتيجي مع إيران.
كما أن وجود تسهيلات واسعة لسلاح الجو الإسرائيلي في المطارات والقواعد والأجواء التركية يتيح لإسرائيل إمكانية ضرب أهداف استراتيجية محددة داخل العمق الإيراني، لم يكن بمقدورها أن تنفذها انطلاقا من فلسطين.
هذا مع العلم أن زعماء إسرائيل يتحدثون باستمرار عن خطر المشاريع النووية الإيرانية، ويلوحون بإمكانية توجيه ضربة تدميرية لمنشآتها.
يضاف إلى ذلك ما نلاحظه في الأسابيع الأخيرة من تركيز لدى رئيس الوزراء الحالي شمعون بيريس على إيران بشكل خاص، عند الحديث عن العمليات الانتحارية التي جرت داخل إسرائيل أو عن الصدامات المتكررة مع المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان.
وليس خافيا أبدا أن إقدام إسرائيل حاليا على توجيه ضربة لإيران (كتلك التي وجهتها للمفاعل العراقي عام 1981) سوف يعزز من فرص فوز بيريس وحزبه في الانتخابات القادمة، والتي لم يعد يفصلنا عن موعدها سوى أسابيع قليلة.
رابعا: تشكل الجمهوريات الإسلامية "السوفييتية سابقا" منطقة مطامع إقليمية ودولية كبيرة جدا.. فهي منطقة غنية بالإمكانيات المادية البكر (لاسيما النفط والمعادن والسهوب الزراعية) كما أنها حبلى بالعواصف والزلازل السياسية المؤهلة لفتح أبوابها أمام التدخلات الخارجية المتعددة.
وقد أدركت إسرائيل هذه الحقيقة في وقت مبكر جدا، فما أن بدأ الاتحاد السوفييتي بالتفكك حتى سارعت إلى بذل جهود كبيرة من أجل إقامة العلاقات مع تلك الدول حديثة الاستقلال وفتح البعثات الدبلوماسية والثقافية فيها، وطرح العديد من مبادرات التعاون معها بما في ذلك تقديم مساعدات تقنية وفنية مجانية.. حتى فاق ما للدولة العبرية هناك من بعثات ومراكز مجموع ما أقامته الدول العربية كلها.
في هذا الوقت كانت تركيا تهرع إلى العمل على بعث هوية قومية وثقافية تركية شاملة تضمها مع معظم شعوب تلك البلدان.. وقد عقدت من أجل ذلك أكثر من مؤتمر قمة لزعماء الدول الناطقة كليا أو جزئيا باللغة التركية.
يضاف إلى ما تقدم أن هذه المنطقة هي واحدة من منطقتين (الثانية هي بحر الصين وشبه الجزيرة الكورية) ترشحهما القطاعات العسكرية المهيمنة على الاقتصاد الرأسمال العالمي لتفجير بؤرة حروب فيها، تمتص الفائض من الإنتاج الحربي الذي ضاقت سبل ترويجه بعد انتهاء الحرب الباردة، وبعد بلوغ منطقة الجزيرة العربية والخليج درجة الإشباع منه.
لكل ما تقدم يعتبر مصلحة أمريكية كبيرة أن يجري تسليح هذين الدورين الإسرائيلي والتركي بذراع عسكرية طويلة تتيح لهما فاعلية مضاعفة للمساهمة في رسم الخرائط المستقبلية لتلك المنطقة الحيوية القابعة في الحديقة الخلفية للدب الروسي الذي تراقب واشنطن احتمالات يقظته بالكثير من الاهتمام والحذر.
وكما استفادت إسرائيل كثيرا- وما تزال تستفيد- من تسويق نفسها لدى الغرب على أنها رأس حربة الديمقراطية في عالم عربي استبدادي وطليعة مقاتلة في المعركة العالمية ضد "الإرهاب"، تحاول تركيا حاليا وبالتعاون مع إسرائيل أن تسوق نفسها على أنها جدار أوروبا الشرقي في وجه العالم الإسلامي، والدولة العلمانية المؤهلة، بحكم خلفيتها الدينية، لنقل معركة العلمنة إلى داخل ذلك العالم.
إن القائمين على هذا الحلف العسكري الاستراتيجي يسعون إلى تثبيت مقولة صموئيل هنتينغتون حول صراع الحضارات عن طريق خلق بؤرة ملتهبة تفصل أوروبا عن الشرق الأوسط لصالح إبقاء الهيمنة الأمريكية على ذلك الشرق، وبتر كل الروابط المطروحة كجسور للتعاون الحضاري البنّاء بين أوروبا الموحدة والعالمين العربي والإسلامي.
لكل ما تقدم يمكن اعتبار اتفاق التعاون الاستراتيجي الجوي بين إسرائيل وتركيا، عنوانا لحقبة تآمرية جديدة تهدد المنطقة بأسرها.. وما لم يجر تعاون رسمي وشعبي واسع من أجل التصدي لهذا الحلف وإفشاله، فإن الكثير من ركائز الاستقرار في هذه المنطقة الواسعة ستتعرض للزعزعة.
من كتاب "تدمير سورية" دار نون4-ط1 نيسان 2014.
نُشرت المقالة, للمرة الأولى في صحيفة "القدس العربي" بتاريخ 15/4/1996
