"طرابلس الغرب".. كما كتب عنها أمين الريحاني مطلع ثلاثينات القرن الماضي
أمين الريحاني: طرابلس الغرب (إعادة نشر مقتطفات منه بمناسبة تعبير فرنسا, وسواها من دول غربية, عن أطماعها في ليبيا)
***
... رقي موسوليني الى سدة الحكم المطلق, وشرع ينظم دوائر حكومته ويوحّد أمره فيها, فشغل في السنتين الأولى والثانية بالسياسة الداخلية عن السياسة الأوربية والاستعمارية. وكأني به, وهو يشره, على الدوام, إلى المستعمرات, نظر إلى طرابلس الغرب التي لم تستطع ايطاليا الاستيلاء عليها في مدة خمس عشرة سنة, فاستشاط غيظاً, وعزم العزم الذي ولّد خطة البطش والترويع, بل خطة التمثيل والتفظيع. هو الذي يبغي المستعمرات, ولا يحسن, على ما يظهر, غير البغي عليها. هو الذي يكثر من الخطب في محبته للسلم, وسعيه لتعزيزه, وحكومته في طرابلس- برقة تنفّذ الأوامر التي تولد الأسباب لحرب دائمة بين ايطاليا والأمة العربية.
وإننا لندهش لسياسة موسوليني العربية المتناقضة. فتراه في اليمن يتزلف من الإمام ويخطب ودّ العرب ويبذل ما بوسع حكومته لتمكين وتمديد الصلات الولائية بين روما وصنعاء, ونراه في طرابلس يحلل الخطة الحربية التي لا تجيزها معاهدة فرساي وتشجبها الأمم المتمدنة. فيفتك جنوده بالعُزّل من السلاح, ويمثّلون ببعض المتمردين فيعلقونهم أياماً على المشانق, ويهتكون ستر المحصنات, ويمتهنون حرمة المساجد فيحولونها إلى حانات. وارتكبوا في فتح واحة الكفرة غيرها من الفظائع التي نشرت بعض أخبارها حتى الجرائد الايطالية.
وقد كانت بداية التفظيع, على ما يظهر, في سنة 1929 عندما أعلن الحاكم الجديد الجنرال بادو غليو إن ايطاليا راغبة في منح العفو للثائرين. أما إذا أبوا فسيصليهم حرباً "تخلّد في الأذهان ذكراها" ثم ختم إنذاره بهذه الكلمات: "ولاسلام للثائر بعد اليوم, ولا لعائلته, ولا لورثته. وسأبيد كل شيء من رجال وأموال".
وبما أن هذا القائد "الروماني الشريف" لم يتمكّن, على ما يظهر, من تنفيذ خطته, من تحقيق آماله بالحرب التي "تخلّد في الأذهان ذكراها" استعاض موسوليني عنه بالجنرال غراتسياني الذي لا نذكر له نظيراً في التاريخ الحديث غير الجنرال ويلر الاسباني الذي ضجت جزيرة كوبا بمظالمه في آواخر القرن التاسع عشر. وقد كان يدعى ويلر السفاح.
و هو ذا, بعد ثلاثين سنة, صنو "ويلر" ينفّذ باسم الاستعمار والتمدن الخطة الفاشستية التي فيها إبادة شعب بأسره وامتلاك أراضيه.
ومن أساليب الإبادة في حكم الجنرال غراتسياني بل من فظائعها, انه أجلى ثمانين ألفاً من العرب إلى الصحراء توطيداً للأمن, حسب ادعائه. ولكن الجنود الفاشستية تبغي الغنائم أو لا تحارب, وخير الغنائم أرض يتقاسمون ويستغلون.
الجلاء! ولا جلاء الأرمن عن بلادهم في الحرب العظمى. فقد مات في الطريق –في البوادي- عطشاً وجوعاً مئات من الرجال والنساء والأطفال, وفتكت في المجلين الأمراض السارية, ومثّل الجنود ببعض المتمردين تمثيلاً فظيعاً. قيل إنهم حملوهم في الطائرات, فطاروا, ثم رموهم منها. وكانت الجنود تصفق استحساناً كلما سقط شخص وتناثرت أشلاؤه في الفضاء.
ثمانون ألفاً أو ما تبقى منهم بعد الموت صبرا وتفظيعاً يجلون إلى البادية القاحلة. وكي لا يعود احد منهم إلى بلاده المحتلة, رأى الجنرال غراتسياني أن يقيم على الحدود المصرية سدّاً منيعاً من الأسلاك الشائكة عرضه عشرة أمتار وعلوه متران ونصف متر ويمتد من شاطئ البحر إلى مسافة ثلاثمائة كيلومتر جنوباً. هي ذي رومة الجديدة وستترك في البادية من آثار مدنيتها سدّاً من الأسلاك الشائكة.
الجلاء, الإفناء, الاستيلاء. وسقطت واحة الكفرة في حوزة المحتلين, وقضي على السنوسيين كما قضي قبلهم على سواهم من عرب إفريقيا. ولم يبق من سكّان البلاد الطرابلسية, من مليونين من العرب, غير نصف المليون. ولكن في هذه البقية الباقية جذوة نار يعسر إخمادها لأن مضرمها الزعيم الكبير عمر المختار.
وإن لعمر المختار الكبير بمعنيي الكلمة الاثنين –ثمانون حجة ونار مع ذلك تتأجج في صدره- إن له وقعات مع الايطاليين يذكرونها مكرهين, وله في السياسة مواقف, وإن لم يزنها دائماً الوفاء العربي, فلم يشنها الجبن والخنوع.
فقد روّع العدو نهاراً وأرّقه ليلاً مدة عشر سنوات. وكان للجنرال غراتسياني ظلاً ملازماً من ظلال الجحيم. فوضع جائزة مقدارها مئتا ألف فرنك لمن يأتيه برأس عمر المختار.
شحذ الطمع بالفرنكات همة الجنود, فأدركت شرذمة منهم الزعيم الكبير, وجاءوا به أسيراً إلى بني غازي. فقرت عين غرتسياني بلقياه, وأرسله إلى رومة ليراه السنيور الأكبر ويطمئن باله.
الجلاء, الإفناء, الاستيلاء! والسنيور غراندي في جمعية الأمم بجنيف يرفع صوته عالياً من أجل السلام.
والسنيور موسوليني يمد لمصافحة العرب في اليمن يداً ملطخة بدماء العرب في طرابلس.
الإفناء ثم الاستيلاء, إفناء قوم والاستيلاء على بلادهم. إن رومة الجديدة تقلّد بالمآثم والمظالم –فقط- رومة العهد القديم.
أسر الإفرنسيس عبد القادر الجزائري, ولم يقتلوه.
أسر الانكليز أحمد عرابي المصري, ولم يقتلوه.
أسر الإسبان عبد الكريم الريفي, ولم يقتلوه.
ولكن القدر المدرك الظالمين, وقل الربّ العادل القهّار, أوحى إلى موسوليني بإعدام عمر المختار, فأثار عليه وعلى حكومته وأمته خواطر العرب قاطبة, وأنزل عليه وعلى حكومته وأمته غضب الإنسانيين في العالم أجمع.
إنه لقصاص عظيم, شاءته رومة للعرب, فشاءه العرب لرومة!
الاستيلاء, نعم الاستيلاء! ولكن في العالم عدلاً وإن جاء بطيئاً, فسيجيء وسيدرك الظالمين. سيدركهم بسلاحه الجديد- المقاطعة.
أجل, إذا لم يبق عربي واحد في طرابلس- برقة فإن في العالم شعوباً من العرب يذكرون –على الدوام- ويقاطعون.
من مقال: طرابلس الغرب, كُتب عام 1931م
