كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

صراع إعلان الانتصار بين واشنطن وطهران!

د. محمد سيد أحمد

تشهد الساحة الدولية في الوقت الراهن تطوّرات متسارعة مع انطلاق جولة مفاوضات حساسة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، والتي تعقد في باكستان، في محاولة لاحتواء تداعيات حرب مكلفة سياسياً وعسكرياً لكلا الطرفين. هذه المفاوضات لا تعكس فقط رغبة في وقف إطلاق النار، بل تمثل ساحة صراع دبلوماسي يسعى فيها كلّ طرف لفرض روايته الخاصة للانتصار.
من جانبها تدخل الولايات المتحدة هذه المفاوضات وهي مثقلة بإخفاقات واضحة في تحقيق أهدافها المعلنة من الحرب. فقد سعت الإدارة الأميركية إلى إحداث تغيير جذري في النظام الإيراني، عبر إسقاطه واستبداله بآخر أكثر توافقاً مع مصالحها ومصالح حلفائها، وعلى رأسهم العدو الصهيوني. كما ركزت أهدافها على القضاء على البرنامج الصاروخي الإيراني المتطور، وإنهاء الملف النووي بشكل كامل، والحصول على مخزون اليورانيوم المخصب، إضافة إلى تفكيك شبكة تحالفات إيران الإقليمية التي تشمل قوى فاعلة كحزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق وأنصار الله في اليمن وحماس في غزة.
غير أنّ الواقع الميداني لم يسر وفق هذه الطموحات. فبدلاً من تحقيق نصر حاسم، وجدت واشنطن نفسها في حرب استنزاف طويلة أضعفت صورتها ونالت من هيبتها كقوة عظمى قادرة على فرض إرادتها. لذلك تسعى اليوم إلى إنجاح المفاوضات ليس فقط لإنهاء الحرب، بل لإعادة صياغة المشهد بما يسمح لها بإعلان “انتصار سياسي” يحفظ ماء الوجه أمام الداخل الأميركي والرأي العام الدولي. وهنا يبرز دور القيادة الأميركية، خاصة في ظلّ شخصية مثل دونالد ترامب، الذي يميل إلى تقديم الاتفاقات السياسية باعتبارها إنجازات تاريخية حتى وإنْ لم تحقق كامل الأهداف الاستراتيجية.
في المقابل، تدخل إيران هذه المفاوضات من موقع مختلف، وإنْ كان لا يخلو من التحديات. فقد تعرّضت لخسائر كبيرة نتيجة الضربات العسكرية التي استهدفت بنيتها التحتية ومنشآتها العسكرية، إلا أنها في الوقت ذاته نجحت في الصمود وإفشال الأهداف الأساسية للخصم. هذا الصمود، الذي يمكن وصفه بالاستراتيجي، مكّن طهران من تحويل مسار الحرب من هجوم عليها إلى حالة استنزاف متبادل، بل وتوجيه ضربات مؤثرة على القواعد العسكرية الأميركية أخرجتها من الخدمة، ومواقع عسكرية حساسة للعدو الصهيوني.
كما أنّ خطوة إيران بإغلاق مضيق هرمز شكلت نقطة تحوّل مفصلية، حيث أدّت إلى ضغط اقتصادي عالمي، وأجبرت الولايات المتحدة على إعادة حساباتها والدخول في مسار تفاوضي. من هذا المنطلق، ترى إيران أنّ قبولها بالمفاوضات ليس تراجعاً، بل تتويجاً لصمودها، وفرصة لإعلان انتصارها من خلال فشل الطرف الآخر في تحقيق أهدافه.
ورغم هذا التلاقي الظاهري في رغبة الطرفين بإنجاح المفاوضات، تظلّ هناك معضلة رئيسية تهدّد هذا المسار، تتمثل في موقف العدو الصهيوني، الذي يُعدّ شريكاً أساسياً للولايات المتحدة الأميركية في هذه الحرب. فقيادته وعلى رأسها بنيامين نتنياهو، ترى أنّ أيّ اتفاق لا يحقق الأهداف التي خاضت الحرب من أجلها يُعدّ هزيمة مباشرة لها. هذه الأهداف تشمل القضاء على النفوذ الإيراني في المنطقة، وضمان تفوق عسكري مطلق، وهي أهداف لم تتحقق حتى الآن.
لذلك يسعى العدو الصهيوني إلى عرقلة المفاوضات بكل الوسائل الممكنة، بما في ذلك التصعيد العسكري المجرم وخرق اتفاقات وقف إطلاق النار، كما حدث في القصف العنيف للأراضي اللبنانية. هذا السلوك لا يعكس فقط محاولة لتحسين شروط التفاوض، بل يعبّر عن أزمة داخلية عميقة، حيث يواجه نتنياهو ضغوطاً غير مسبوقة من الداخل، في ظلّ حالة من الخوف والرعب بين المستوطنين، الذين يعيشون منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023 في الملاجئ تحت الأرض، ما أدّى إلى موجات هجرة عكسيّة وصلت لأكثر من مليون مستوطن، وهناك آلاف ينتظرون فتح المطارات للفرار من الجحيم، في ظلّ تراجع الثقة في القيادة السياسية، والمطالبة برحيلها ومحاكمتها.
في هذا السياق، يصبح نجاح المفاوضات مرهوناً بقدرة الولايات المتحدة على كبح جماح حليفها الصهيوني، وهو اختبار حقيقي لنفوذها ومصداقيتها. فإذا تمكنت واشنطن من فرض التهدئة والوصول إلى اتفاق شامل ينهي الحرب على كافة الجبهات، فإنّ ذلك سيُحسَب لها كإنجاز دبلوماسي كبير. أما إذا فشلت في ذلك، فإنّ المنطقة قد تنزلق مجدّداً إلى دوامة من التصعيد، مع ما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على الأمن الإقليمي والدولي.

إذن تبدو هذه المفاوضات وكأنّها معركة من نوع آخر، لا تستخدم فيها الأسلحة، بل الكلمات والضغوط السياسية. وكلّ طرف يسعى للخروج منها منتصراً، ولو على مستوى الخطاب. لكن الحقيقة الأعمق تظلّ أنّ أيّ اتفاق لا يعالج جذور الصراع ويحقق توازناً حقيقياً في المصالح، قد يكون مجرد هدنة مؤقتة في صراع طويل لم يصل بعد إلى نهايته، اللهم بلغت اللهم فاشهد…

خمسون سؤالاً وأكثر بشأن مواقف أوجلان وأفكاره تختزل هويته؟ (خميرة لعجين الذاكرة الخَؤون)
العراق ما بعد رحيل الخامنئي.. وصناعة خريطة الغد
حين تتحول القمم الى غرف لإعادة هندسة المشرق العربي!
مستقبل التعايش ونهاية النمط السوري في الحياة
حين تصبح الشهادة بديلًا عن العلم!
حين تغيب العدالة.. تفقد كرة القدم شعبيتها!
تنشيط الذاكرة الوطنية الفلسطينية
لبنان بين المقاومة والتطبيع!
العدوان الأمريكي على إيران ينتقل من السياسة إلى الرياضة!
العلوية والاثنا عشرية في القرن العشرين.. تقارب الهوية وتباين البنية العقدية
تسريب امتحانات الثانوية العامة.. جريمة تهدد العدالة التعليمية!
اتفاق جنيف وتحولات الصراع الإقليمي:. نحو توازنات جديدة في الشرق الأوسط
اتفاق جنيف على حافة الانهيار!
نهاية الحرب لا تعني بداية سلام: الاتفاق الأمريكي الإيراني ومخرجاته العبثية
العلوم الاجتماعية وسوق العمل!