وحدة الدولة السورية بين الجغرافيا ووحدة الشعب: نحو توافق وطني حقيقي
2026.02.16
مروان حبش
تعتبر سوريا واحدة من الدول الغنية بالتاريخ والثقافة والسياسة، حيث تجتمع فيها، إضافة إلى مجتمعها السياسي، مكونات متعددة من الأديان والمذاهب والإثنيات. ومع ذلك، فإن الحديث عن وحدة الدولة السورية لا يمكن أن يقتصر على الجغرافيا وحدها لأنها لا تكفي لتشكيل هوية وطنية قوية. فهي تمثل الإطار الذي يجمع بين مختلف المكونات، لكنها لا تعبر عن الروابط العميقة التي تربط بين الناس.
تحمل مكونات الشعب السوري هذا التاريخ الغني الفريد الذي يساهم في تشكيل الهوية السورية وعاشت معاً في تناغم نسبي، حيث تطورت علاقات التعايش السلمي. ومن هنا، فإن وحدة الدولة السورية تتطلب فهماً عميقاً لهذا التنوع والاعتراف به كجزء أساسي من الهوية الوطنية.
تواجه سوريا الآن، العديد من التحديات التي تهدد وحدتها، منها التدخلات الخارجية والصراعات الداخلية. هذه التحديات تؤدي إلى تفاقم الانقسامات بين المكونات المختلفة، مما يجعل من الضروري العمل على تعزيز الحوار والمصالحة.
تُطرح مسألة وحدة الدولة السورية اليوم بوصفها إحدى أكثر القضايا إلحاحاً وحساسيةً في مرحلة ما بعد حرب امتدت لأكثر من عقد، وأعادت تشكيل المجتمع والدولة معاً. وغالباً ما يجري اختزال مفهوم الوحدة في بعدها الجغرافي، أي الحفاظ على حدود الدولة ومنع تقسيمها أو تفككها. ورغم الأهمية البالغة لهذا البعد، فإن الاكتفاء به يُفرغ فكرة الوحدة من مضمونها الحقيقي، ويجعلها مجرد إطار شكلي لدولة قد تبقى قائمة على الخريطة، لكنها مفككة في داخلها، ومنقسمة على ذاتها.
إن وحدة الدولة السورية لا تقوم، في جوهرها، على وحدة الأرض فقط، بل على وحدة الشعب الذي يعيش فوق هذه الأرض، بكل مكوناته السياسية والدينية والمذهبية والإثنية. فالدولة ليست مجرد جغرافيا مرسومة بالحدود، بل عقد اجتماعي جامع، وإرادة مشتركة للعيش المشترك، وشعور متبادل بالانتماء والمواطنة المتساوية. وعندما يتصدع هذا العقد، تصبح الجغرافيا عاجزة عن حماية الدولة من التفكك الداخلي، حتى وإن بقيت حدودها الخارجية ثابتة.
لقد كشفت الحرب السورية، بما حملته من عنف غير مسبوق، أن الخلل الأعمق لم يكن في وحدة الأرض، بل في بنية الدولة نفسها، وفي علاقتها مع مجتمعها المتعدد. فقد ارتكب نظام الأسد "الأب والابن" مجازر واسعة النطاق، وألحق دماراً هائلاً بالمدن والقرى، وأدار الصراع بمنطق الإقصاء والعقاب الجماعي، ما أدى إلى تعميق الشروخ بين مكونات المجتمع السوري، وزرع شعوراً عميقاً بالظلم وانعدام الثقة. ولم تكن نتائج هذه السياسات محصورة في سنوات الحرب وحدها، بل امتدت آثارها إلى مرحلة ما بعد سقوط النظام، حيث بقيت جراح المجتمع مفتوحة، وثقله النفسي والسياسي حاضراً بقوة.
وما يزيد من تعقيد المشهد أن السلطة الانتقالية، التي كان يُفترض بها أن تشكّل قطيعة أخلاقية وسياسية مع ممارسات الماضي، وقعت بدورها في أخطاء جسيمة، وارتُكبت في ظلها مذابح وانتهاكات بحق بعض مكونات الشعب السوري. وهذا الواقع لا يمكن القفز فوقه أو تبريره تحت أي ذريعة، لأن العدالة الانتقائية أو الصمت عن الجرائم الجديدة لا يؤديان إلا إلى إعادة إنتاج منطق العنف نفسه، ويقوضان أي أمل في بناء دولة جامعة.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن الوحدة الوطنية حديثاً فارغاً إن لم يُقترن بمعالجة جذرية لأسباب الانقسام. فالتوافق الوطني الحقيقي الذي يحتاجه السوريون اليوم لا يتحقق عبر مشاهد بروتوكولية، كاستقبال شخصيات اجتماعية أو روحية من قبل مسؤولي السلطة، أو قيام المسؤولين بزيارات رمزية لهذه المرجعيات. وعلى الرغم من أن لهذه الخطوات بعداً معنوياً محدوداً، فإنها تبقى شكلية، ولا تمس جوهر الأزمة، لأنها لا تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ولا تعالج اختلال ميزان السلطة، ولا تضمن الحقوق المتساوية لجميع المواطنين.
لقد أدت النزاعات والصراعات إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وزرع الفتنة بين المكونات المختلفة. لذا، فإن تعزيز مفهوم الوحدة الوطنية يتطلب جهوداً كبيرة من جميع الأطراف المعنية.
إن التوافق الوطني ليس حدثاً إعلامياً، ولا نتيجة مجاملات سياسية، بل مسار طويل ومعقّد، يبدأ بانتقال سياسي حقيقي، يفضي إلى بناء دولة مواطنة متساوية، يكون فيها الفرد مواطناً كامل الحقوق والواجبات، لا تابعاً لهوية فرعية، ولا رهينة لانتمائه الديني أو المذهبي أو الإثني. دولة تُدار بالقانون، لا بالغلبة. بالمؤسسات، لا بالأشخاص. وبالمساءلة، لا بالإفلات من العقاب.
ولكي يتحقق هذا الانتقال، لا بد من إطلاق عملية سياسية شاملة، يكون حجر أساسها عقد مؤتمر وطني جامع، يتمتع بتمثيل حقيقي لقوى الشعب السوري الفاعلة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو دينية. مؤتمر لا يقوم على المحاصصة الشكلية، ولا على استدعاء نخب مفروضة من فوق، بل ينبع من الواقع السوري نفسه، ويعكس تنوعه وتعدديته، ويمنح الصوت لمن همشهم الاستبداد والحرب معاً.
إن مثل هذا المؤتمر يمكن أن يشكّل الإطار التأسيسي لوضع أسس نظام ديمقراطي جديد، يقرّ بالتعددية بوصفها مصدر غنى لا تهديد، ويحول الاختلاف من عامل صراع إلى عنصر توازن، ويعيد تعريف الهوية الوطنية السورية على قاعدة الشراكة لا الإقصاء. وبدون هذا المسار، ستبقى وحدة الدولة مجرد شعار، وستظل الجغرافيا عاجزة عن احتواء مجتمع لم يُصالح ذاته بعد.
إن الحفاظ على وحدة سوريا لا يكون بالدفاع عن حدودها فقط، بل ببناء دولة يشعر جميع أبنائها بأنها تمثلهم وتحميهم على قدم المساواة. فالوحدة الحقيقية لا تُفرض بالقوة، ولا تُصان بالخوف، بل تُبنى بالعدالة والمساواة، وتترسخ بالحرية، وتستمر بإرادة السوريين جميعاً في العيش معاً ضمن دولة مواطنة ديمقراطية، عادلة، جامعة يشعر كل مكون فيها بأنه جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية، وأن له حقوقاً متساوية في المشاركة السياسية والاقتصادية. مما يسهم في بناء دولة قوية ومستقرة.