كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

قانون قيصر... والآتي أعظم النموذج السوداني!

عدنان بدر حلو- فينكس:

تقوم نظرية العقوبات (الأمريكية خاصة والدولية عامة) على فلسفة "المنشار" أي الضرر المزدوج: المباشر عند فرضها، ثم غير المباشر بالابتزاز من أجل رفعها. وربما كان الضرر الأخير هو الأخطر.
لعل تجربة السودان مع هذه العقوبات تشكل خير مثال على هذه الفلسفة.
قامت الإدارة الأمريكية بإدراج السودان على لائحة الدول الراعية للإرهاب عام 1993 بعد استضافة الخرطوم لبن لادن وغيره من القيادات الجهادية الإسلامية. ثم فرضت عليه المزيد من العقوبات عام 1997 إثر اندلاع الحرب الأهلية في دارفور، لتقوم بمضاعفتها عام 2007 كنوع من الدعم لموقف القوات الانفصالية في الجنوب.
وقد وصل هذا الضغط الأمريكي (الصهيوني بشكل أساسي) لفرض انفصال الجنوب وتقسيم السودان، إلى درجة استصدار مذكرة من المحكمة الجنائية الدولية (4آذار 2009) بتوقيف الرئيس السوداني حسن البشير.
بعد كل هذه الضغوط والعقوبات انصاع النظام العسكري السوداني ووافق على انفصال جنوب السودان وأقام علاقات طبيعية مع الكيان الانفصالي الوليد، على أمل أن ترضى عنه الولايات المتحدة فتسحب سيف المحكمة الدولية المسلط على رئيسه.
لكن ذلك لم يكن كافيا (رغم رضى واشنطن عن الكثير من الخطوات الاستسلامية التي قدمها البشير خدمة لسياسات واشنطن وأتباعها في المنطقة). وكان من أبرزها اصطفاف البشير كليا في معسكر السعودية وأخواتها إلى درجة الانخراط الكامل في حربها على اليمن وتوظيف أعداد كبيرة من قوات جيشه كمرتزقة في تلك الحرب..
وظلت الولايات المتحدة تبتز البشير والسودان من ورائه سنوات وسنوات وهي ممسكة بمقود العقوبات تجرجره به من تنازل إلى آخر دون أن تقدم له أي تنازل في هذا المجال.
لكن الأخطر من مسيرة الجرجرة هذه هو أنه حتى بعد الانتفاضة الشعبية في السودان وإسقاط البشير وزجه في السجن وقيام نظام جديد وبديل يعبر بشكل ما عن رضى الشعب السوداني ومزاجه، وترحيب الولايات المتحدة نفسها بهذا النظام الجديد، استمرت عملية الابتزاز والجرجرة. وكان أول "منجزات " هذه الجرجرة فتح الطريق إلى قلب واشنطن عبر المحطة الإسرائيلية.. فكان اللقاء ما بين رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عينتيبي بتاريخ 3/2/2020 دفعة كبيرة في سياق عملية الابتزاز المشار إليها فيما تقدم.
وكان رئيس وزراء النظام السوداني الجديد الدكتور عبد الله الحمدوك قد توجه إلى الولايات المتحدة (كانون أول 2019) في زيارة استغرقت خمسة أيام رافقه فيها مديرالأمن والمخابرات الوطنية السوداني مصطفى دميلاب، حيث أجرى لقاءات ومحادثات مع كبار المسؤولين الأمريكيين وأعلن هناك على رؤوس الأشهاد أن الحكومة السودانية قد أغلقت مكاتب المنظمات التي تعتبرها واشنطن إرهابية وفي مقدمتها "حزب الله" و"حماس" وشنت حملة ضد بعض المجموعات المحظورة في البلاد.
بل أكثر من ذلك قام هو ومدير أمنه بزيارة رسمية لمقر المخابرات المركزية في لانغلي وأجرى محادثات معمقة مع مديرتها السيدة جينا هاسبل.. ومع ذلك كله كانت النتيجة كما صرح الحمدوك نفسه "إن عملية رقع العقوبات قد تستغرق بعض الوقت، لكننا نسير في الطريق الصحيح"!!
إذا نظرنا بتعمق إلى هذه التجربة السودانية مع العقوبات، وأضفنا إليها أن العراق، بعد 17 عاما من الغزو الأمريكي وسيطرة الولايات المتحدة على بناء النظام التحاصصي فيه، ما يزال خاضعا للكثير من قرارات العقوبات الدولية التي استصدرتها واشنطن ضده من مجلس الأمن بعد دخوله الكويت عام قبل ثلاثين سنة!
إذا نظرنا إلى ذلك كله... نستطيع استشراف ما هو مخطط لسورية من مصير مع هذه العقوبات الأمريكية المتلاحقة والمتوجة اليوم بقانون قيصر.... أقله فرض الانفصال في الشمال الشرقي وفرض التسوية مع الكيان الصهيوني بالشروط الأمريكية والإسرائيلية المتنوعة... بالإضافة للشروط المتعلقة بطبيعة النظام والإدارة داخل ما يكون قد تبقى من سورية!!
ملاحظة: كتب المقال 6 حزيران 2020