الأزمة المصرفية في أمريكا.. أعراض الحرب الأوكرانية
2023.03.21
عدنان بدر حلو- فينكس:
صحيح أن إفلاس مصرف "سيليكون فالي" هو الذي استأثر بالمدى الأوسع من الاهتمام سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها. لكن ذلك لا يلغي أن النظام المصرفي الأمريكي كله قد تأثر بالأزمة، خاصة وإن مصرفين آخرين قد أعلنا إفلاسهما في الوقت نفسه، هما مصرف "سيغنتشر" أكبر مصرف إقراض سكني في مدينة نيويورك، و"سيلفر غيت كابيتال" المعروف بأنه صديق العملات المشفرة. (يلاحظ أن المصارف الثلاثة من غير المنخرطة في عالم الإنفاق العسكري!)
التفسير القريب للأزمة هو أن المصارف الأمريكية كانت في زمن الفوائد القليلة تعمد إلى استثمار موجوداتها في سندات طويلة المدى (كسندات الخزينة الحكومية) مقابل فائدة مرتفعة نسبيا (ما بين ثلاثة إلى ثلاثة ونصف بالمائة).. غير أن اللجوء إلى رفع الفائدة بصورة سريعة مع اندلاع الحرب الأوكرانية دفع المودعين إلى المسارعة لسحب ودائعهم من المصارف بغرض إعادة توظيفها بفوائد أعلى ولمدد أقصر بكثير من المدد السابقة. وهذا ما شكل ضغطا كبيرا على المصارف التي لم يكن بمقدورها تلبية المودعين بالسرعة والكميات المطلوبة.
هذا التفسير القريب والمباشر يوضح بالفعل آلية الأزمة وكيفية حصولها، لكنه لا يوفر سبرا لجذور المشكلة وأسبابها الحقيقية. ولا يشير لعلاقتها بالحرب الأوكرانية وتفاعلاتها.
هنا لا بد من العودة إلى البرنامج الذي خاض بموجبه الرئيس جو بايدن انتخاباته الرئاسية ضد الرئيس السابق دونالد ترامب. والذي ركز فيه على أن الولايات المتحدة انشغلت لعهود (لاسيما الجمهورية منها) في سلسلة من الحروب كلفتها ترليونات الدولارات، وأن هذا الانفاق الذي انصب بمعظمه على القطاعات العسكرية من الاقتصاد الأمريكي كان على حساب القطاعات الأخرى التي تعرضت لكبوة كبيرة.
وقد وعد بالعمل في حال فوزه بالرئاسة على استدراك هذا الخلل ومعالجة نتائجه بالعمل على سحب القوات الأمريكية من مسارح الحروب الخارجية (كما فعل في أفغانستان) ويتخصيص مبالغ كبيرة لتحديث البنى التحتية الأمريكية التي أصابها الإهمال على مدى العقود الماضية. وكان أول ما فعله في هذا الاتجاه هو إقرار مشروع في الكونغرس لإنفاق تريليونين ونصف ترليون دولار على تحديث البنى التحتية المتهالكة في أمريكا.
ما من شك في أن الدولة العميقة التي تدير الأمور، بما في ذلك تهيئة المسرح الأوروبي منذ عام 2014 للصدام مع روسيا على الساحة الأوكرانية، كانت في غير هذا التوجه بل هي مناهضة له بصورة كلية. وما أن اندلعت الحرب الأوكرانية حتى جرى تجميد مشروع تحديث البنى التحتية وجرى الدفع بالإنفاق العام نجو القطاع العسكري مجددا وبزخم أكبر بكثير من السابق. ما اضطر الكونغرس خلال العامين الماضيين إلى رفع سقف الاستدانة (أي السماح للحكومة بطبع المزيد من الدولارات فوق ما هو مقرر في الميزانية).
ما من شك في أن هذا الإنفاق المتزايد على الحرب الأوكرانية وما تأتى عنه من مزيد من طبع الدولارات الجديدة خارج سياق الموازنة (وإن كان يغذي القطاع الصناعي العسكري الأمريكي) قد شكل تهديدا كبيرا لسمعة الدولار وقيمته في الأسواق العالمية. الأمر الذي فرض على البنك الفيدرالي أن يرفع الفائدة بنسب عالية ومتلاحقة.
صحيح ان الرئيس بايدن قد سارع على الفور إلى طمأنة المودعين على أنه سيكون بمقدورهم الحصول على ودائعهم دون أي خوف. لكن كلام الرئيس هذا ليس أكثر من شك بدون رصيد. فتلبية المصارف لهذا الوعد الرئاسي سيزيد من خطورة الأزمة لأن الودائع موظفة في استثمارات لا يمكن تسييلها بسهولة وبهذه السرعة.. وبالتالي ستكون المصارف عاجزة عن تلبية وعد الرئيس.. في حين إن قيام الدولة نفسها بتسديد تلك الودائع لأصحابها سيضاعف الحاجة للمزيد من الاستدانة الحكومية وبالتالي العودة إلى طبع المزيد من الدولارات.
نعم إنها حلقة مفرغة.. ومن غير المستبعد أن يكون الخلاف الذي تحدث عنه موقع "إتلانتك" قبل يومين بين القيادتين الأمريكية والأوكرانية حول معركة باخموت، ورفض الرئيس الأوكراني لنصيحة واشنطن بضرورة الانسحاب من المدينة المحاصرة.. أن يكون ذلك الخلاف مقدمة لتراجعات في الموقف الأمريكي عن مسار التصعيد في هذه الحرب، واللجوء إلى البحث عن تسوية ما قبل أن تتعاظم ارتداداتها على الوضع الداخلي الأمريكي.. خاصة وإن الشعار الذي شرع الرئيس السابق دونالد ترامب في رفعه لمعركة الانتخابات القادمة هو أنه الرئيس الوحيد القادر على إنهاء تلك الحرب في 24 ساعة!