كي لا نسمّيها دُوَل عَدَم الانحياز إلى مَصالح شُعُوبها!
هادي دانيال- فينكس
عندما يُعْلِن الرئيس الأمريكي "جون بايدن" أنّ واشنطن ستستضيف عدداً مِن قادةِ الدُّوَل الأفريقية مِن 13 إلى 15ديسمبر/كانون الثاني 2022 لزيادة التعاون بشأن "الأولويّات العالميّة المشتركة". وعندما يُحدّد بيانُ "البيت الأبيض" لقادة القارّة السمراء هذه الأولويات، على النحو التالي:
تعزيز المشاركة الاقتصاديّة الجديدة والالتزام المشترك تجاه الديمقراطية وحقوق الإنسان وإدارة آثار فايروس كورونا والأوبئة المستقبلية وتعزيز السلام والأمن ودعم الأمن الغذائي.
عندئذٍ لا تعني الشراكة أنّ الدول الأفريقية وقادتها وحكوماتها لهم حق التدخل في الشأن الاقتصادي وتوزيع الثروة وسلامة التمشي الديمقراطي أو مدى خرق حقوق الإنسان داخل الولايات المتحدة الأمريكية بل تعني حق الولايات المتحدة الأمريكية في التدخّل بكلّ شاردة وواردة داخل كلّ دولة من هذه الدول الأفريقية التي يستضيف "جون بايدن" قادتها ليس حرصا ًعلى النموّ الاقتصادي لهذه الدول بل من أجل الاستفراد بها ونهب ثرواتها فوق وتحت الأرض بفرض السياسات الخارجية الأمريكية عليها والإذعان لما تمليه واشنطن على حكومات هذه الدول والالتزام بها حرفيا خاصة ما يتعلق بالعلاقات الخارجية لهذه الدول التي يجب أن تحددها لها واشنطن (المحاولة الوقحة تجاه الجزائر مؤخّراً!) وإلّا فإنّ الغضب الأمريكي سيُتَرجم إمّا بالعقوبات العسكرية (الغزو والاحتلال كما حصل لأفغانستان والعراق وليبيا وسوريا) أو بالعقوبات الاقتصادية كما تتعرض له سوريا وإيران وكوريا الشمالية وكوبا وروسيا وغيرها، وما يعنيه البيت الأبيض بالمشاركة الاقتصادية الجديدة هو إبعاد خصوم ومنافسي الولايات المتحدة كالصين وروسيا عن أي نشاط اقتصادي في هذه الدول حتى وإن كان هذا النشاط يحترم مصالح شعوب البلدان الأفريقية، لأنّ الأولويّة هي احترام المصالح الأمريكية فقط، وإلّا فإنّ حكومات هذه البلدان وقادتها سيجدون أنفسهم في مهبّ عاصفة تصدير الديمقراطية و مكبّ المتهمين بخرْق حقوق الإنسان.
ولا يقتصر التهديد الأمريكي على ذلك بل يشمل استباحة صحة الشعوب بالفيروسات والأوبئة التي ثبت أنّها تصدر عن مخابر أمريكية في أوكرانيا وغيرها، ولا يكتفي بيان البيت الأبيض بالتذكير بـ"آثار فايروس كورونا" بل يلمّح كي لا نقول يصرّح ب"الأوبئة المستقبلية" حسب البيان. ويذهب بالتهديد وإن غُلِّفَ بالترغيب إلى مسألة الأمن الغذائي، ذلك أنّ واشنطن التي تنتج القمح وتصدره صارت تسعى إلى احتكار القمح الأوكراني وغيره لتقايض به شعوب ودول العالم مقابل الإذعان لإملاءاتها ليس فقط في المجال الاقتصادي بل وفي الوقوف إلى جانبها ضدّ أي دولة تشنّ عليها واشنطن الحرب أو تعلنها مارقة على إرادة الإدارة الأمريكية، وهذا هو بالضبط ما عناه بيان "البيت الأبيض" ب"تعزيز السلام والأمن"، ووفق مبدأ أمريكي كان قد صدح به "جورج دبليو بوش" عندما صرح في وجه البشرية المعاصرة: "مَن ليس معنا فهو ضدّنا".
وبالتالي فإنّ مقايضة ضيوف "بايدن" من قادة الدول الأفريقية ستكون إمّا أن يصطفوا إلى جانب واشنطن في حروبها الاقتصادية والعسكرية (خاصة في أوكرانيا حالياً)، وإما ستهددهم بهزّ عروشهم واستقرار بلدانهم بأشكال مختلفة ومتداخلة من التدخلات الاستخباراتية والعسكرية والفايروسية بذرائع تصدير الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان، خاصة وأنّ واشنطن عوّدتنا على ارتكاب جرائمها غير عابئة بالقانون الدولي ولا بسيادة الشعوب والدول وحقوقها التي يكفلها لها دستور الأمم المتحدة. ذلك أنّ واشنطن باتت مسعورة من تراجُع المشهد السياسي الدولي عن سيطرة القطب الواحد لصالح تعدد الأقطاب.
ربّما يُفكّر بعض قراء ما كتبناه أعلاه بأننا نبالغ في تجريد الولايات المتحدة من كلّ وازع أخلاقي وبقايا ضمير إنساني، ولكن تاريخ هذه الدولة التي قامت على أشلاء سكان الأرض الأصليين واستعباد أجداد ضيوف "جون بايدن" من 13إلى 15ديسمبر الجاري جاوز ارتكاب الجرائم ضد البشرية إلى خارج الولايات المتحدة أيضا من هيروشيما وناكازاكي إلى الفيتنام وأفغانستان والعراق وسورية، ولعلّ ما صرّح به السيناتور الأمريكي "ريتشارد بلاك" لتبرير فرض عقوبات وحشية على الشعب السوري بعنوان "قانون قيصر" يختزل وحشية ودناءة أصحاب القرار في الولايات المتحدة الأمريكية ومدى تجرّدهم من الأخلاق والمشاعر الإنسانيّة.
يقول السيناتور الأمريكي "ريتشارد بلاك" في فيديو منتشر على اليوتيوب ومعظم وسائل الاتصال الاجتماعي ولدينا نسخة منه:
" نؤكّد بأنّ الهدف من السيطرة الأمريكيّة على شمال سورية هو إخضاع الشعب السوري. أردنا أن ننزع القمح لنسبب مجاعة بين الشعب السوري. الفكرة أنه من خلال سرقة النفط والغاز سنكون قادرين على إغلاق نطام النقْل وفي الوقت نفسه خلال فصل الشتاء يمكننا تجميد السكان المدنيين حتى الموت". ووجب هذا العقاب أمريكيا حسب السيناتور "بلاك" لأنّ "السوريين قاتلوا أمام ثلثيّ القوّة العسكريّة والصناعية في العالم. كيف يمكن لأمّة يبلغ عدد سكانها 23مليون نسمة أن تصمد لأكثر مِن عقْد؟ لذا قرّرنا أنّ علينا أن نتحرّك وإلّا كُنّا سنخسر سورية بالكامل. وهكذا فرَض الكونغرس الأمريكي عقوبات قيصر".
نضع ها التصريح برسم قادة الدول الذين سيستضيفهم "الديمقراطي" الأمريكي "بايدن" هذه الديمقراطية التي أفرزت هذا الكونغرس الذي يشرّع لقوانين إبادة شعب لأنه صمدَ ضدّ ثلثي قوة طغاة العالم عندما شنّوا عليه حرباً إرهابية تكفيرية لا تزال مستمرة منذ دزينة من السنوات.
ونذكّر قادة هذه الدول أنّ الإذعان لإرادة الغطرسة الأمريكية ليس قدَراً والدليل أنّ العقوبات الأمريكية ومحاولات تصدير الديمقراطية ونشر الأوبئة لم يفتّ في عضد دول وشعوب صامدة منذ أكثر من ستة عقود في خاصرة الولايات المتحدة كما هو حال شعب وحكومة دولة كوبا، ناهيك عن دول كالصين وروسيا والهند وكوريا الشمالية التي قررت وضْع حدّ لتسونامي التوحش الأمريكي بل أيضا وكالدولة السورية التي لاتزال مصرّة على رفض الإملاءات الأمريكية على الرغم من أنّ المنشار الأمريكيّ يحزّ منذ سنوات عظام وحدتها الجغراسياسية ناهيك عن تداعيات "قانون قيصر" الذي هو جريمة دولة عظمى أشدّ قسوة مِن جرائم الجماعات الإرهابية التي أطلقتها واشنطن نفسها ضدّ الدولة السورية في سياق مؤامرة "الربيع العربي" و الحرب الأمريكية على الدولة الوطنية المستقلة ذات السيادة عبْر العالم.
إذَن ما نتمناه على القادة الأفارقة الذين يستضيفهم "البيت الأبيض" أن يحذروا السمّ الذي سيدسّه "جون بايدن" في صحون المأدبة المشبوهة، سمّ الترهيب والترغيب الذي يقتل فيهم الإرادة والسيادة والمشاعر الوطنية. وإذا كانوا غيْر معنيين بالتمحوُر إلى جانب التحالف الصاعد والمتشكل، موضوعيا على الأقل، من روسيا والصين وكوريا الشمالية ودول البريكس، هذا التحالف الذي يريد فرض القانون الدولي ومشهد سياسي دولي متعدد الأقطاب، وذلك بنزع نيوب ومخالب الإمبريالية الأمريكية وأتباعها عبر الكوكب، تلك النيوب والمخالب التي لن تأمن مِن خَطَرِها ثرواتُ شعوب القادة الأفارقة الضيوف ومصائرها، فمن واجبهم الوطني والإنساني أن يقفوا موقف الحياد في هذا الصراع بين الأقطاب، ليكونوا بذلك منحازين فقط إلى مصالح شعوبهم التي تريد منهم واشنطن التفريط بها.
إنّ أمريكا تخوض عبر العالم حروبا بالأصالة تارة وبالوكالة تارة لتأبيد سيطرتها على مصائر شعوب العالم مستخدمة أحياناً جيشها منفرداً أو قائداً للناتو، وفي أحايين تستخدم ميليشيات الدين السياسي والشوفينية القومية الانفصالية وجماعات المرتزقة التي تؤطّرها وتموّلها السي اي اي عبْر معاهد ومنظمات حقوقية أمريكية، لضرب الدولة الوطنية من الخارج أو الداخل أو من كليهما في آن معا، وما حصل في شرق أوربا الاشتراكي سابقا، وغرب آسيا وشمال أفريقيا العربيين، يُفْتَرَض أن يكون عِبْرَةً لِمَن يعْتَبِر مِن قادة أفريقيا القارّة التي لها دور كبير في مستقبل العالم إذا نجح هؤلاء القادة في الحفاظ على الدولة الوطنية المستقلة ذات السيادة والتزموا الحيادَ الإيجابي كي لا تكون شعوبُهم وثرواتُها حطباً أو وقوداً في حرائق الصراع الدائر بين الدوَل التي تمتلك حقّ "الفيتو" في مجلس الأمن (!) على أراضي بلدانٍ أخرى عبْر العالم.