كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

هل سيستعمل بوتين حقيبة"كازبيك"؟

فاضل المناصفة- فينكس

بعد اعلان روسيا اكتمال عملية ضم المناطق الأوكرانية الأربعة التي أجرت الاستفتاء، لمّح بوتين الى وصول العملية العسكرية الخاصة المحدودة كماً لأهدافها، ويظهر هذا التلميح في دعوة ثعلب الكرملين لزيلنسكي والغرب الى التفاوض من أجل انهاء الحرب، ولكن وفي الوقت نفسه الذي يتحدث فيه بوتين عن استعداد للمفاوضات، باشرت الولايات المتحدة في زيادة الامدادات العسكرية والدعم المالي لكييف، كما بدأت تتحدث عن وجود نية روسية جادة لاستعمال النووي في المعرك، كما طالب زيلنسكي دول الناتو بشن ضربة استباقية على روسيا قبل أن تقدم هذه الأخيرة على مهاجمة أوكرانيا بالنووي. بالمقابل خفض لافروف من حدة الاتهامات التي تطال روسيا مؤخراً، مشدداً أن بلاده ملتزمة على الابتعاد عن استعمال أسلحة نووية، وهو ما يأتي عكس تصريحات ميدفيديف حول جدية روسيا باستعمال النووي بعد أن وظفها الغرب لصالح البروباغوندا الداعية الى اعتبار بوتين خطراً على العالم بأسره.

توقيع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مرسوماً يؤكد رسمياً استحالة إجراء محادثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مؤشر واضح أن الولايات المتحدة لا تريد الاستسلام، ولا تقبل أن تكون نهاية الحرب بالطريقة التي يختارها بوتين، ولكن ليست كل دول الناتو تحدوا الحدو نفسه: فهذه الدول وفي مقدمتها فرنسا قد أيقنت ان فاتورة استمرار الحرب تأتي على حساب الأوروبيين فقط بعد أن أضحى فصل الشتاء قريباً، وامدادات الغاز والطاقة لا تكفي بالكاد لسد حاجيات المواطنين، وبعد أن فشلت إدارة بايدن في الضغط على دول الخليج لرفع سقف الإنتاج، أيقن الجميع أن السير وراء بايدن لن يجلب سوى المزيد من المتاعب، وأن دعوة بوتين للتفاوض قد تكون فرصة مناسبة للخروج من المأزق حفظاً لماء الوجه، لذا صار لزاماً على الإدارة الأمريكية ان ترفع من مستوى الخطر لتقنع المترددين بشأن عدم جدوى استمرار الحرب ضد بوتين بأن السكوت عنه سيفاقم الوضع وسيضع أوروبا كاملة تحت رحمة التهديد النووي، وأن بوتين إذا تمكّن من أوكرانيا سيتمكّن من دول أخرى بقوة الردع النووي.

قبل شهر كانت كوريا الشمالية قد أعلنت عن قانون جديد يسمح بتنفيذ ضربة نووية وقائية، كما اختبرت صاروخاً بالستياً عابراً للقارات للمرة الأولى منذ 2017. وبالرغم من أن هذا القرار يشكل تهديداً صريحاً لكوريا الجنوبية الجارة التي تعتبر حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة الأمريكية، إلّا أن إدارة بايدن فضلت تجاهل قرار كيم وتصرفاته ولم تصدر تصريحات من قبل بايدن أو وزارة الدفاع الأمريكية بالحدة نفسها التي أصدرتها عند حديث ميدفيديف عن الضربة النووية الوقائية، وهو ما يفسر أن الولايات المتحدة تصب الزيت على النار وتدفع نحو المزيد من التصعيد، بعد أن أصبح واضحاً أن توجه بوتين الآن هو توجه نحو انهاء الحرب وليس استمرارها.

تحاول الولايات المتحدة الأمريكية اليوم أن تعيد للأذهان سيناريو خليج الخنازير وتحبس أنفاس العالم، بعد أن أصبح الحديث عن انزلاق إلى حرب نووية أمراً مقلقاً للغاية، حيث تصور إدارة بايدن بوتين على أنه انسان متهور وقادر على تنفيذ شيء محظور وأن السكوت عنه يعني الخضوع لقوة عسكرية قادرة على إلحاق الضرر بالبشرية، ولكن هل لدى بوتين فعلاً النية في استعمال حقيبة كازبيك النووية؟ الإجابة طبعا لا، لأن بوتين قد وصل الى ما يصبو إليه، و أن حدود روسيا بعد ضم المناطق الأربعة هي أحسن رسالة للناتو الذي يحاول الاقتراب منه، كما كان لعمليته العسكرية انعكاسات اقتصادية نجحت في ضرب مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في العمق بعد أن خسرت أصدقاء الخليج، كما نجح في فك الحصار عن غازه ونفطه بعد أن حقق تقارباً استراتيجياً مع الصين وتجاوز كل الخلافات الكلاسيكية معها، أما ما صدر عن ميدفيديف حول الضربة النووية فيمكن تفسيرها على أنه تحذير للناتو بأنها لن تقدم على عملية عسكرية جديدة في حال حصول تهديد لأمنها القومي، بل ستستعمل حقها في الدفاع عن نفسها بالوسائل الكفيلة بالردع.

لقد جاء في تعقيب الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون على كلام بايدن حول "هرمجدون النووية'' بأوكرانيا. إشارة واضحة إن فرنسا قد صرفت النظر عن السياسة الأمريكية الرامية إلي التهويل و إطالة أمد الأزمة، وقد لمح ماكرون أيضاً على ان تصريحات بايدن فيها نوع من المبالغة وأنه من المفترض التعامل مع مثل هذه المواضيع بنوع من الحذر.. ربما أيقنت فرنسا وجيرانها من دول الناتو أن أمريكا مستفيدة من أزمة الغاز، وأن الذي يدفع الثمن هم الأوربيون وليس الأمريكان، وربما سيكون هناك تحول لافت في مواقف عواصم أوروبية من الصراع في أوكرانيا في الأيام القليلة القادمة استباقاً لشتاء قاس سيكون من الأفضل تجنيه إذا ما توقفت الحرب.