بلاد السادة.. نحن من غنت لنا فيروز (خبطة قدمكم...)
2022.10.09
باسل علي الخطيب- فينكس
يكفي أن تسند رأسك إلى جذع شجرة زيتون في هذه البلاد، حتى تشعر أن راحة الدنيا وراحة الآخرة بين راحتيك..
دمشق ودمشق وحدها من تستطيع أن تعطي ذاك الصك إياه، سواء كان الشخص جمال عبد الناصر، أو كان هاني شاكر.
لا أومن بالصدف، هل تعرفون أن يوم السادس من تشرين الأول هو ذاته يوم مولد القائد الخالد حافظ الأسد؟..
و بالمناسبة، القائد الخالد هو من اختار موعد بدء الحرب، واختاره ليكون متوافقاً مع عيد الغفران اليهودي، وهو أكبر أعياد الطائفة اليهودية، حيث الكثير من الضباط والجنود الصهاينة في الاجازة، ويكون الكيان كله في حالة استرخاء واحتفالات، وليأتي تحديد هكذا موعد متوافقاً مع ذكرى ميلاده رحمه الله... ليسجل التاريخ إلى الأبد أن أكبر انجازات العرب في القرن العشرين يوافق ذكرى ميلاد القائد الخالد..
كان موعد بدء الهجوم مقرراً الساعة السادسة صباحاً، لكن المصريين طلبوا تأخيره حتى الساعة الثانية ظهراً، حيث تكون الشمس في ظهورهم، حتى يكون عبور القناة أسهل وأيسر، وهذا ما كان، علماً أن موعد السادسة صباحاً كان افضل بالنسبة للسوريين
اعتادت سوريا التضحية دائماً، لم ترد سوريا أحداً عن بابها، تقاسمت مع الجميع كسرة الخبز وكأس الماء، لم تبن سوريا خيماً لمن قصدها، كانوا في ديارها كأنهم مواطنيها، الفلسطينيون واللبنانيون والعراقيون والصوماليون والسودانيون..
استقبلت سوريا و آوت الكل، الثورجيين، العشاق، الشعراء، المجانين، الدراويش، الصعاليك، الحالمين، الهاربين، اليائسين، البائسين، الطامحين... استقبلتهم ولم تجعلهم يدفعوا حتى ثمن كأس الشاي الذي كانوا يشربونه...
استقبلت كل أولئك اعلاه، وكلهم خانوها، كلهم خانوها عند أول منعطف، باعوها، كلهم وعندما اشتد عودهم طعنوها، عندما حلت تلك النوائب بالسوريين، تخلى عنهم الجميع، لم يستقبلهم أحد، ومن استقبلهم لفظهم إلى الخيام، وتاجر بمعاناتهم...
عندما حلت الكارثة بسوريا تكالب كل أولئك أعلاه مع بقية عواهر العالم ضدها وعليها...
سبق وكتبت مقالاً عن (اللاسورية).... إن كان هناك مفهوم مصطنع اسمه (اللاسامية)، فمفهوم (اللاسورية) هو حقيقي، وقد تجسد في هذه الحرب قولاً واحداً...
الكل كان يحسد السوريين على أنهم سوريين، يحسدهم على بلدهم، بلدهم ذي الموارد المحدودة، ولكنه البلد الوحيد الذي يأكل مما يزرع، يلبس منا يصنع، يتداوى ناسه بما تنتجه معامل الدواء فيه، كنا من دول العالم القليلة التي ليس عليها ديوناً، لديها اكتفاء ذاتي في كل الامور الاساسية، لديها تعليم وطبابة يقتربان من المجانية، تتمتع بدرجة آمان عالية، كان بلدنا أرخص بلاد العالم معيشة، كنا في عام 2010 في مرحلة صعود مضطردة، لم نكن آنذاك دولة عالم ثالث قولاً واحداً.... هذا رغم كل ماكان هناك من فساد وسوء إدارة وتخطيط أحياناً...
كل هذا حققناه بمجهوداتنا الذاتية، لم نكن عملاء عند صندوق النقد الدولي، أو البنك الدولي، لم نكن أعضاء في منظمة التجارة العالمية، لم نكن شركاء للاتحاد الاوروبي، كنا هكذا وكأننا وحدنا، لم نكن حلفاء لأمريكا، بل كنا خصومها، كنا الدولة الوحيدة من دول الطوق التي لم توقع معاهدة سلاماً مع الصهاينة، نعم حققنا كل ماحققناه لوحدنا وبأيدينا..
نعم، من هنا أتى مفهوم (اللاسورية)، إن كل أولئك الاعراب وجدوا فيما حصل لنا فرصتهم الكبرى أن ينتقموا أننا افضل، أن يشمتوا، أن يزيدوا جراحنا جراحاً...
إليكم هذه القصة: ذات مرة هاجمت مجموعة من قطاع الطرق واللصوص إحدى القرى في غياب رجالها الذين كانوا في الأراضي خارج القرية يعملون، قام اللصوص باغتصاب كل نساء القرية إلا واحدة قاومت وقتلت مغتصبها، وبعد أن رحل اللصوص، عرفت النساء أن إحداهن قد قاومت وقتلت من حاول اغتصابها، فتكالبوا عليها وقتلوها حتى لاتفضحهم أمام رجالهم، إنهن لم يفعلن مافعلت، و إنهن لم يقاومن مثلها حتى ولو أدى ذلك إلى موتها.... هذه المرأة هي سوريا، و أولئك النسوة هن هؤلاء الاعراب...
في الختام: كلمة سوريا أو سيريا سريانية الأصل، تتألف من مقطعين، الأول المقطع (سير) يعني في السريانية القمة، وصار اصطلاحاً يطلق على علية القوم وسادتهم، ومنه أتت كلمة سير في اللغة الانكليزية، والمقطع (يا) وهو من كلمة (جيا) آلهة الأرض الأولى، حيث يعني هذا المقطع (يا) أراضي أو بلاد...
وعليه يصبح معنى كلمة سيريا بلاد السادة...
هذه بلاد السادة أيها السادة.. شاهدت البارحة يوم السادس من تشرين حفل تخرج لضباطنا من الكلية الحربية، لم أستطع أن أغالب دموعي، أو الغصة التي علقت في حلقي.. عندما أكتب، أكتب على هدى العقل، ولكني لا أستطيع أن أخفي وقع خطوات قلبي بين كلماتي، كم شعرت بالفخر، نسيت في تلك اللحظات كل الهموم والمشاكل، كانت بضعة لحظات من أجمل لحظات حياتي، هانخن عدنا ونعود، نعود أقوى و أجمل، نعود لأننا يجب أن نعود، نعود لأن هذا البلد عمود السماء، ولن تكون هناك أرض أو سماء إن زالت سوريا..
بالمناسبة، نحن من غنت لنا فيروز (نحن والقمر جيران)...