كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الجشعُ الأمريكي يُهدِّدُ الأمنَ الغذائي العالمي

هادي دانيال - فينكس:

شُعوبُ العالم على شفا هوَّةِ المجاعة، وهذه المجاعة واحدة مِن "إنجازات" حُروب المصالح الصهيو أمريكيّة، التي كانت دائما تستخدم العقوبات الاقتصاديّة لإرهاق الشعوب بذريعة أنها تعاقب الحكومات التي تنتهك حقوقَ هذه الشعوب!. وهذه العقوبات تُسَلَّطُ دائما على الدول التي لم تُذعن حكوماتُها للإملاءات الغربية والصهيونيّة. لا شكّ أنّ أذى فرْض العقوبات والحصار الشامل الجائر على العراق  خلال دزينة ونيّف من السنوات التي سبقت غزوه واحتلاله،  لَحقَ مباشرةً بعامّة  الشعب العراقي  لا بالحكومة العراقية  التي حاولت التخفيف عن معاناة مواطنيها بتمكينهم من حصة تموينية مقننة تؤمنها لهم من عائدات بدعة الأمم المتحدة بقيادة واشنطن آنذاك والمسمّاة "النفط مقابل الغذاء". لكنّ قانون قيصر الأمريكيّ أيضا جاء أكثر إيذاء للشعب السوري لأنّهم سرقوا النفط والغذاء في الشمال السوري وتركوا الشعب السوري وحكومته لآلام هشاشة إن لم نقل انكسار الأمن الغذائي، وحتى في هذه الحالة فإنّ الأذى الذي قد يجرّد الحكومة السورية من إمكانية القيام بالحدّ الأدنى من مبرر وجودها (تأمين الحاجات الحيوانية للمواطن: الماء  ووقود التدفئة ورغيف الخبز على اعتبار أنّ الكهرباء ووقود الطبخ ومستلزماته والصحة والتعليم باتت خارج التطلعات الواقعيّة؟ )، هذا الأذى الذي يلحق بالحكومة وحواشيها  يُعَدُّ سطحيّاً مُقارنة بالأذى الذي يلحق بالمواطن السوري فيحزّ عظامه ويكسرها ويهدد وجوده تهديدا مباشرا صارخا ويوميّاً. هذه هي نتائج قانون قيصر الأمريكية.

وإذا كانَ الأمريكان قد أوقعوا الحكومات الخليجية في شباك الهلع من فزّاعة الغزو الإيراني (الوشيك دائما كما تهوّل واشنطن) لممالكهم ومشيخاتهم بغية إجبارهم على شراء ما كاد يصدأ في مخازن مصانع الأسلحة الأمريكيّة، فواشنطن لم تكتفِ بشراء النفط الخليجي بأسعار رمزية نسبيا مقابل حماية عروش الملوك والسلاطين والأمراء بل تقايض مخازن أسلحتها بما في أرصدتهم البنكية من الريع النفطي. إلّا أنّهم بدفع أوكرانيا إلى استفزاز الاتحاد الروسي في وجوده وجرّه إلى خيار حرب قد تفضي إلى أن تخسر أوكرانيا وجودها الحالي على الخارطة الجغراسياسية، أجبروا الأوكرانيين على أن يقايضوا المحاصيل الغذائية الأوكرانية كالقمح والذرة وسواهما بالأسلحة الأمريكية. وأمريكا بلدٌ مٌنْتِجٌ وَمُصَدِّرٌ للقمح، فما حاجته بالقمح الأوكراني؟. أليس لافتاً أن تستورد الولايات المتحدة الأمريكية  أغذية من الأسواق العالميّة أكثر مما تبيعه في هذه الأسواق؟ إن "حجم الواردات الأميركية يفوق حجم الصادرات الأمريكية بمقدار 22.3 مليار دولار".

إنّهم كما يريدون السيطرة على مصادر الطاقة والثروات الطبيعية عبر العالم بما في ذلك الاتحاد الروسي  يريدون احتكار القمح والذرة والشعير وغيرها من مكوّنات رغيف خبز الإنسان المعاصر وصولا إلى مصادر الأمن الغذائي كافّة، وذلك لدفع البشريّة إلى أزمة غذائيّة حادّة تُسَهّل على الدوائر الاستعمارية الغربية الأوربيّة والأمريكيّة  استثمار افتقاد الأسواق الوطنية إلى المواد الغذائية الرئيسيّة أو ندرتها وبالتالي تحليق أسعارها بعيدا عن قدرات جيب المواطن الشرائية- لإشعال حروب الجوع الداخليّة وإطاحة الحكومات التي ترفض الإملاءات الصهيوأمريكية ، ومِن جهة ثانية تُبقي المواطنَ الأمريكي( أعني الأقليّة الأمريكية التي تتمتّع فعلا بحقوق المواطن قبل واجباته) في منأى عن تداعيات هذه الأزمة الغذائية التي افتعلتها الشركات الاحتكارية الإمبرياليّة، والتي ستتفاقم حدّتها في حال تدحرج حروب المصالح الصهيو أمريكية من أفغانستان وإيران إلى السودان ومن اليمن إلى أوكرانيا عبر سورية وفلسطين المحتلة وليبيا،  صَوْبَ  حربٍ عالميّة ثالثة لم تَعُد مُسْتَبعَدَة في ظلّ إصرار الدوائر الغربيّة الصهيوأمريكية  والأوربية التابعة لها على أنّ حلّ مشاكل الغرب الجيوسياسية لا يكون إلّا على حساب مصالح   شعوب العالم  بما في ذلك الشعوب الأوربية التي بدأت تتحسس أعناقها.

وكعادة قادة الغرْب وأدوات دمغجتهم الدبلوماسية والإعلامية لا يجدون حرجا في الكذب الصفيق عندما يحاولون إلصاق جرائمهم وسياساتهم العدوانية  بالدول التي يستهدفونها؟!. ففي سياق التحريض على الاتحاد الروسي يتهمونه بأنّه المتسبّب بالأزمة الغذائية التي تلقي بظلالها على أسواق العالم كافة وخاصة أسواق الدوَل النامية الأفريقية والآسيويّة والأمريكية اللاتينيّة.

وواقع الحال أنّ تَعثُّر تصدير الغاز والقمح الروسيين وكذلك الأسمدة الروسية سببه العقوبات الغربيّة الأمريكية والأوربية التي تحول دون السماح للبنوك الروسية بالحصول على أثمان ما تصدره روسيا من غاز وقمح وأسمدة إضافة إلى عراقيل لوجستية تسببت بها العقوبات المفروضة على الشركات الروسية المنوط بها تنفيذ عمليّات التصدير، وعلى الرغم مِن ذلك فإنّ موسكو عازمة على أن يتوفّر القمح الروسي والأسمدة الروسية في أسواق الشرق الأوسط والبلدان الفقيرة عبر العالم. وحتى ذلك الاتفاق الذي رعته الأمم المتحدة وحصل في اسطنبول والمتعلق بتصدير المحاصيل الزراعية  الأوكرانية من قمح وذرة إلى الدول الفقيرة عبر العالم والتزمت به موسكو، فإنّ معظمه ذهب إلى مخازن الاحتكار  الأوربيّة و الأمريكية ،  وقد قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في اجتماع حكومي إنه "بموجب برنامج الأمم المتحدة، غادرت موانئ أوكرانيا منذ الـ23 من أيلول/سبتمبر، 203 سفن محملة بالحبوب، توجهت أربع سفن منها فقط إلى البلدان الفقيرة". وأشار الرئيس بوتين إلى أنّ 345 مليون شخص يعانون بالفعل من انعدام الأمن الغذائي في العالم، وهو عدد أعلى بنحو 2.5% من المستوى الذي كان في العام 2019.

وكما يسلك الأمريكي جميع السُّبُل غير الشرعيّة  لنهب ثروات شعوب الكوكب إمّا برؤيةِ  الشركة الاحتكارية (ترامب) أو برؤية مجتمع رعاة البقر وصيّادي الجوائز ، مجتمع قانون الغاب في زمن حمّى البحث عن الذهب (ريغان، البوشان، أوباما وبايدن)، فإنّ الدوائر الصهيوأمريكية  كعادتها فجّرت  خط أنابيب الغاز "نوردستريم2" تنفيذا لتهديد "جو بايدن" في مؤتمر صحفي مع المستشار الألماني أولاف شولتس في البيت الأبيض، في الثامن من فيفري/شباط الماضي عندما قال: "إذا غزت روسيا أوكرانيا، ما يعني عبور دبابات أو قوّات حدود أوكرانيا، مجدّداً، عندها لن يكون هناك خط أنابيب نورد ستريم 2". وأضاف الرئيس الأميركي: "أعد بأنّنا سنضع حدّاً له". فالانفجاران اللذان استهدفا خطّ الأنابيب حصَلا في منطقة داخل مجال سيطرة القوات الأمريكية في أوربا. لقد قاموا بالتفجيرات وبوقاحة اتهموا الجانب الروسي.  كيف ستفجّر موسكو خطّ أنابيب بنته مع شريكها الألماني  لتصدّر من خلاله الغاز الذي يعود عليها بمليارات الدولارات؟، أليس بإمكان موسكو وقف تدفُّق الغاز الروسي من المصدر؟. لا يكفّ الأمريكان عن استبلاه العقل البشري. وبعد أن ورّطوا الأوربيّين في الحرب الأوكرانية وفرْض العقوبات على روسيا وبالتالي بات عليهم البحث عن بدائل للغاز الروسي، انتظروا من سيدهم الأمريكي، الذي من أجله سبق وأن ضخّوا من الاحتياط النفطي الأوربي لإخراج الولايات المتحدة من أزمتها حين ارتفع سعر برميل النفط، انتظروا أن يعاملهم  العمّ سام بالمثل لكنّه جابههم بتكشيرته الجشعة عارضا عليهم الغاز الأمريكي بأربعة أضعاف سعر الغاز الروسي. الأمر الذي جعل رئيس الوزراء الألماني والرئيس الفرنسي الحاليين يعبّران عن تطيّرهما من هذه العضّة الأمريكية الغادرة  في العمود الفقري الأوربي. وإزاء هذا الأنين الأوربيّ لم يفعل الأمريكي غير أن يَعِدَ أوربا بأنّه ربّما يضغط (إن لزمَ الأمر) على الكيانات الخليجية لزيادة ضخّ الغاز في السوق العالميّة  للحدّ من ارتفاع أسعاره.

وهكذا لم يسلم المواطن الأوربي أيضا من التداعيات الكارثيّة لهذه الحرب التي أذكت نارَها التبعيّةُ البغيضة والمريضة التي تتّصِفُ بها السياسةُ الأوربية ازاء السياسة الأمريكية، سياسة شنّ حروب المصالح الصهيو أمريكيّة عبر العالم.