كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

تموز.. الملحمة التي لم يصورها "هوميروس"!

محمد الوزيري- المغرب العربي- فينكس:

يقول مولتكه: "إن الأسلحة الأكثر رحمة هي الأشد فتكاً، لأنها تضع حداً للمأساة".
و منه ننطلق من مبدأ: "إذا أردت أن تحل مشكلة فعليك أن تخلق مشكلة أكبر منها".
لا شك أن الملاحم التاريخية التي تزخر بها كتب التاريخ، قد صورت لنا اللحظات المفصلية التي غيّرت مجراه، و عينت الحدود الطبيعية و الأخلاقية و السياسية لكل مراحله الكبرى..
و ليس المنتصر هو من يكتب التاريخ كما أشاعوا، و ليس الأقوياء هم الذين يؤرخون الماضي وحدهم كما رددوا.
إن الذي يكتب التاريخ و يؤرخ الحاضر للمستقبل هو الذي لا يعتبر الحرب وسيلة ولا غاية، و إنما يعتبرها جبراً يفرض عليه، و مسلكاً اضطرارياً يستلزم منه الدفاع و المقاومة.
لذلك فإن الكاتب الحقيقي للتاريخ هو المقاوم، سواء كان منتصراً أو منهزماً، لأن نتائج المعارك لا تتحكم في خطوط الأقلام. لأن المقاوم لا تهمه نتيجة المعركة بقدر ما يهمه نقل الحقيقة دون طمس أو تزوير، حتى يبقى المبدأ راسخاً، حتى تبقى الأخلاق قائمة، حتى لا ينتحل قابيل صفة هابيل..
فالأحداث في رواية المنتصر الظالم لا تعدو كونها شريطاً سينمائياً جذاباً. بينما في رواية المنهزم تتحول إلى تراجيديا للبكاء و حقن العروق بأفيون الانتقام. أما الأحداث رواية في المقاوم، فلا هي من هؤلاء ولا من هؤلاء. إنها لا تتجاوز أن تكون تتمة للسيرورة و الصيرورة التاريخيتين. لأنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحتمية.
12 تموز كان الموعد الذي دقت فيه ساعة الحسم مع نقطة الانعطاف التي سيعرفها التاريخ. و لأن لكل نتيجة سبباً، فإن هرم السببية هنا هو حزب الله اللبناني، النقطة التي أفاضت كأس الغليان في المشرق.
حينما نتحدث عن سيرورة التاريخ فإننا نقصد بالضرورة البداهة. و لكن البداهة تتغير حين تكون إرادة التغيير أقوى من إرادة القوة. و لقد اكتسب حزب الله إرادة التغيير بقوة الإيمان. الإيمان بأن المبدأ الذي يقود المرحلة هو "إذا أردت أن تحل مشكلة، فاخلق مشكلة أكبر منها". فإذا كانت مشكلة حزب الله هي بقاء الأسرى في سجون الاحتلال، فإن المشكلة الأكبر لدى الاحتلال هي أن يكون له أسرى في سجون أي جهة أيا كانت، فما بالك إذا كانت الجهة هي حزب الله!
إن الحرب قد كانت فتاكة، و لكن الأشد فتكاً هو تماطل الاحتلال و فرض الحوار بأدواته. هذا الحوار الذي يريد أن يختار هو نتيجته، و نتيجته كما يريدها هو "استسلام" يستمد مشروعيته من التصور الصهيوني القادم من مخدع "عمير بيريتس" السفاح الأول في الكيان.
فها هو التاريخ ينحو منحى غير الذي أراد له كتّابه "المنتصرون" و "الأقوياء".. أليست "كوندوليزارايس" القائلة بأن الحرب كانت حتمية ليأخذ الشرق الأوسط وجهه الجديد؟!
هذا الوجه الجديد هو المجلد الأول من حكاية التاريخ في العصر الحديث، و لكنه كان مجلداً مليئاً بالمغالطات و الأخطاء المنهجية، مجلداً مليئاً بالأكاذيب التي كانت حتمية تاريخية و تحولت بقوة إيمان حزب الله إلى رجعية فكرية لا تتجاوز التخمين المفرط و أحلام اليقظة!
الشرق الأوسط الجديد الذي كاد يكون خريطة العهد الجديد التي ستغير الملامح الكونية بات في خبر كان. و إن لم تتغير الرؤية الخاصة داخل الصندوق، و لكن الخطة التي كانت تمثل الحتمية قد ولت إلى غير رجعة.
ملحمة 'تموز' العظيمة كانت نبراساً لكل المستضعفين في الأرض، لكي ينهضوا من تحت الركام و يكسروا بديهيات السياسة و التاريخ، و يقولوا إن النصر للحق، إذا كان النهوض إليه ينطلق من الحق.
فمهما بلغت قوة البطش المسلطة على رقاب المستضعفين، فإن النصر يبقى حليف المقاومين بصرف النظر عن مدى استعدادهم أو ضخامة قوتهم، لأنهم لا ينطلقون من إرادة الحرب، و إنما من إرادة الحرية.. فالمجد للأحرار و التواقين إلى التحرر.. الذين يقاومون!.