كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

قرن الشيطان

باسل الخطيب- فينكس:

ينظر البعض إلى مفهوم الأحادية القطبية على أنها مفهوم سياسي فحسب، الأحادية القطبية أبعد من ذلك بكثير، الأحادية القطبية تعني بالدرجة الأولى السيطرة الثقافية، لم أقل الغزو الثقافي، لأن هذه مرحلة قد تم تجاوزها..

كتبت مقالاً منذ عدة سنوات قلت فيه أن الولايات المتحدة لا تغزو بلداً يوجد فيه مطاعم ماكدونالدز للوجبات السريعة، مطاعم ماكدونالدز تمثل طريقة الحياة الأمريكية، تمثل السيطرة الثقافية الأمريكية، هذه المطاعم ليست إلا مثالاـ بسيطاً عما أقصده بكلامي، لكنه يعني الكثير..
ينظر الكثيرون في هذا العالم و منهم الكثير من المثقفين إلى الولايات المتحدة الأمريكية على أنها قدر نهائي، و يتعاملون مع المخرجات الفكرية و الثقافية الأمريكية على أنها حتمية، و أنها زبدة و قمة النتاج العقلي للبشرية.. هكذا تم التعامل على سبيل المثال مع كتابي (صراع الحضارات) لصموئيل هانغيتون، و (نهاية التاريخ) لفرانسيس فوكوياما، الكتابان كانا أحد أدوات القوة الناعمة الأمريكية لبسط سيطرتها على العالم، و ترسيخ مفهوم الأحادية القطبية بشكل ناجز و نهائي...
يمكن القول و بكل ثقة أن هذين الكتابين و كل الاستراتيجيات التي بنيت عليهما قد سقطت مع الحرب التي شنت على سوريا، و تأكد هذا السقوط مع الحرب الأوكرانية..
يفترض هانيغتون في كتابه (صراع الحضارات) أن الحروب تقوم بين الأطراف المختلفة على أساس قومي ديني بالدرجة الأولى أو ديني قومي أحياناً، و في القراءة بين سطور الكتاب، يمكنك أن تكتشف البعد العنصري الخبيث لأفكار المذكور أعلاه..
الحرب الأوكرانية قامت بين دولتين تنتميان للعرق نفسه (العرق السلافي)، بل أنهما كانتا في السابق دولة واحدة، عدا عن ذلك روسيا تتبع المذهب الأرثوذكسي، و قرابة نصف الشعب الأوكراني يتبع المذهب نفسه...
إذا تأملنا النزاع الأذربيجاني- الأرمني، نجد أن إيران ذات الغالبية الشيعية قد وقفت مع أرمينيا المسيحية، و لم تقف مع أذربيجان ذات الغالبية الشيعية، التي وقفت معها تركيا ذات الغالبية السنية، علماً أن الاذربيجان والأتراك هما من الإثنية نفسها، أي التركمانية....
وإذا عدنا إلى الكلام عن النزاع الاذربيجاني- الارميني، هل سببه أن أن أذربيجان مسلمة و أرمينيا مسيحية؟.. قطعاً لا.. هل السبب أنهما من قوميتين مختلفتين؟... قطعاً لا...
النزاع حصل بسبب وجود آراضي متنازع عليها بينهما، وكان سيحصل أياً كانت القوميين والديانتين...
أنزعج عندما يتم تصوير الصراع مع إسرائيل على أنه صراع ديني، أنزعج عندما يتم حصر الصراع بالمسجد الأقصى أو قبة الصخرة أو كنيسة القيامة، صراعنا مع إسرائيل ليس لأنها يهودية، بل لأنها صهيونية..
الصراعات تحصل لسببين، إما بسبب تنازع المصالح، أو بسبب التضاد الثقافي الذي يبلغ درجة الإلغاء وعدم القبول.. ونحن بذلك ننسف كلياً نظرية هانيغتون، أن الصراعات تحصل فقط بسبب اختلاف الهويات قومياً أو دينياً..
هذا عالم لايعترف إلّا بالاقوياء، ومنطق القوة هو المحرك الأساسي للتاريخ، لطالما استغربت فتوى الخميني بتحريم صنع واستعمال السلاح النووي، على فكرة من بين كل المذاهب الدينية الكبرى في العالم، وحدهم الشيعة لايمتلكون السلاح النووي، المذهب البروتستانتي الإنجيلي يملك قنبلته عبر الولايات المتحدة، المذهب الانجليكاني الللوثري يمتلك قنبلته عبر انكلترا، المذهب الكاثوليكي يمتلك قنبلته عبر فرنسا، الأرثوذكسية تمتلك قنبلتها عبر روسيا، البوذية تلكونفوشية تملك قنبلتها عبر الصين، اليهودية تمتلك قنبلتهت عبر الكيان الصهيوني، المذهب السني يمنتلك قنبلته عبر الباكستان.
وايران لأنها على ماهي عليه سيتم استهدافها آجلاً أو عاجلإً، ولن يحميها إلا السلاح النووي، خذوا كوريا مثالاً، و أنا اقصد بالاستهداف الغزو المباشر، و أعيد و أكرر ما قلته سابقاًـ، أن الأمريكان لم يغزُ العراق لأنه يمتلك أسلحة تدمير شامل، بل لأنه لايمتلكها.. وعندما لايجرؤ الغرب على المواجهة المباشرة يلجأ إلى أحد اسلوبين، إثارة النزاعات الداخلية، أو تفعيل الخواصر الرخوة للدول. هي ما أسميه الكيانات الاصطناعية، الكيانات الاصطناعية ليست حقائق تاريخية جغرافية، إنما كانت حاجات جيوسياسية أو مخرجات ايديولوجية، مثالها لبنان مشيخات الخليج، بلجيكا، تايوان، الكيان الصهيوني، الأردن، اوكرانيا، باكستان، استراليا، نيوزيلاندا، سنغافورة،...
خذوا على سبيل المثال أوكرانيا، لم تكن هناك دولة بهذا الاسم، أوكرانيا هي الخطأ الأكبر للبلاشفة عندما أحدثوها عام 1918، لطالما كانت أراضي شرق أوكرانيا تتبع روسيا، وكانت تسمى روسيا الصغري، وسادت فيها الأرثوذكسية، وأراضي غرب أوكرانيا كانت تتبع الامبراطوري النمساوية الهنغارية أو بولونيا، ومن بولونيا دخلت الكاثولوكية، بل إن القومية الروسية تشكلت في كييف، التي كانت دائماً مدينة روسية، وهي كانت عاصمة أول دولة روسية...
من سوء حظ سوريا أنه وفي سياق السيطرة عليها تم تفعيل العاملين، النزاع الداخلي والخواصر الرخوة، لبنان والأردن....
لا أخفيكم خوفي الكبير على سوريا، اقرأوا التاريخ جيداً، في كل المرات التي تشكّل فيها نظام عالمي جديد، كانت سوريا تدفع الثمن جزءًاً من أراضيها، فعندما تشكّل النظام العالمي بعد الحرب العالمية الاولى، كان الثمن كيليكيا وتشكل كيانات هجينة (لبنان والأردن)، وبعد الحرب العالمية الثانية كان الثمن اقتطاع فلسطين وقيام الكيان الصهيوني، ونحن الآن في خضم تشكّل نظام عالمي حديد،. أخشى أن يكون الثمن جزءًاً آخر من سوريا...
تطرقت في مقالي هذا إلى مواضيع عديدة، ولكن القاسم المشترك بين كل ماذكرته، هو أن الصراعات دائماً كانت و أبداً، صراعات إرادات. فرض أو كسر إرادات، كانت دائماً صراعات منظومات أخلاقية في بعدها الأهم، وكل ماهو معلن من خلافات أو تنازع مصالح سياسية أو اقتصادية هو ليس إلّا مخرجات الصراعات، الصراعات دائماً في بعدها الحقيقي صراعات بين منظومات أخلاقية مختلفة، وماعدا ذلك هو حديث منابر ووسائل اعلام، عودا إلى الصراع الأول في تاريخ البشرية، صراع قابيل وهابيل، كان ذاك الصراع بالدرجة الأولى صراع منظومتين أخلاقيتين وليس صراع مصالح..
في دوري الأمم الأوروبية وفي المباراة التي جمعت انكلترا وإيطاليا ، تمت إضاءة الملعب من الخارج بعلم المثلييين، وكان كابتن منتخب انكلترا هاري مين يرتدي إشارة الكابتن على شكل علم المثليين اياه، وليس على شكل علم بلاده، كما ينص البروتوكول، هذا الأمر تكرر في مباراة ويلز وهولندا، حيث كان كابتن منتخب ويلز غاريث بيل فعل الشيء نفسه، هذا الأمر لم يحصل في بقية المباريات..
الصراع الأوكراني الروسي، وهذه الحملة الغربية الشعواء على روسيا، وعلى بوتين، لبس لأن هناك تنازعاً على مصالح جيوسياسية ما فحسب، هذه هي الواجهة، إنما هو صراع بين وعي وشيطاني ووعي مضاد له...
هل أخبرتكم أين يقع قرن الشيطان الذي عنونت مقالي به؟ تلك الاحتفالات بمرور كذا عام على تنصيب اليزابيت ملكة في بريطانيا لم تكن مظاهر احتفالية فحسب، تلك كانت طقوساً شيطانية، هناك يوجد قرن الشيطان، عودا إلى تاريخ كنيسة ويندستور..