كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

* هل انتصرت داعش وأخواتها؟

 أحمد غانم- فينكس:

في كتابه "مختصر دراسة للتاريخ" يقول المؤرخ البريطاني المعروف توينبي ما مفاده:
العالم كله يحمل الثقافة السورية. لقد كانت هذه الثقافة تهزم عسكرياً ولكنها تسارع إلى غزو الغازي من الداخل. فلا يخرج إلّا وقد حمل الدين السوري واللغة السورية والثقافة السورية على العموم من اسطورة ودين ولباس وفن... إلخ". واليهودية والمسيحية والإسلام حسب توينبي ثقافة سورية خالصة.
وليس من قبيل القياس ولا المفاخرة بالماضي كحالة نكوص مرضية، بل حتى نستفيد من التاريخ ولا ننسى دروسه العميقة أجرؤ على القول:
لقد كدنا ننتصر عسكرياً إذ استعدنا السيطرة على أغلب المناطق السورية التي ضمنته! لنا اتفاقية سايكس بيكو. وكون هذه البقعة أضحت تمثّل الجغرافيا السورية فنحن نتحرك ضمن حدودها حتى الآن!
إلّا أن الذي يجب الانتباه اليه هو: ما الثقافة المستجدة على هذا الحيز الجغرافي من الوطن السوري؟ أي ما الثقافة التي يتم الترويج لها مع وبعد الانتصار العسكري الذي يكاد!؟ وكون كل ثقافة تحمل قيماً تحدد المعتقد والتفكير والسلوك والعلاقة مع الآخر إن كان اجتماعياً أو سياسياً. فما القيم التي ترافق هذه الثقافة التي يروج لها؟
أنا شخصياً قررت ومنذ مدة طويلة ألّا اتناول الفكر الديني مطلقاً، وذلك منذ صدور كتابي "نظرية المعرفة في التصوف" عام 2017. فقد قلت تلميحاً وتصريحاً ما أريد قوله. وكوني علماني يؤمن بحق كل فرد في المعتقد دون تحديد، فأنا لست ضد المتدينين من أي دين كانوا بل ضد الدين السياسي من أي دين كان.
والمعروف أن كل دين ناشئ يستخدم السياسة الناعمة التي تتحصن بحق الفرد في المعتقد والتفكير والتعبير. ولكن ما أن يصلب عوده حتى يبدأ بالمجازر بحق من لا يعتقد بمعتقده. فالمسيحيون الأوّل كانوا حمائم سلام إلّا أن المجازر التي ارتكبوها بعد سيطرتهم و إقامة الاكليروس المناقض لروح المسيحية ومجزرة الاسكندرية وتدمير مكتبتها ودماء العلماء والمفكرين الهلنستيين وعلى رأسهم هيباتا ما تزال تضمخ تراب الاسكندرية. ولم تشفع عظمة بطليموس وجالينوس من ارتكاب هذه المجازر ضد العلم والفكر الهلنستي.
وما فعله المسيحيون فعله المسلمون وخاصة بعد نشوء الاكليروس الإسلامي. فقد بدأ الاسلام بالمطالبة بالحقوق "فلا إكراه في الدين" ووصلوا بعد سيطرتهم على السلطة وانتشار الاسلام إلى النظر لكل من هو غير مسلم على أنه كافر ويجب أن يزال. فدمّر المسلمون مكتبة الاسكندرية مرة ثانية بما فيها من كنوز مسيحية وبقايا كنوز هلنستية. وبالمقارنة بين أنصار هاتين الديانتين وهولاكو وتدمير مكتبة بغداد لن نجد فارقاً في الجهل والبربرية والتوحش. وكل فارق يخترعه هذا أو ذاك هو تبرير عنصري وفاشي ينطلق من حقه الديني في إلغاء الآخر وباسم الرب أو الله أو الإله أو... الخ. وانه يحق له ما لا يحق لغيره. فلا تفاضل بين مجرم ومجرم.
نصل إلى المغزى من كل هذا العرض (الذي قد يراه البعض استعراضاً) إلى أن ما شهدناه بعد أحداث الإخوان المسلمين في آواخر سبعينيات القرن الماضي وبداية ثمانينياته كان المهد الذي زرع فيه هذا التوجه إلى تغليب الانتماء الديني على الانتماء الوطني. و أثمر في النهاية بالتعاون مع عوامل اقتصادية في الداخل وخطط مبيتة ودائمة من الخارج إلى المجازر التي صبغت الربيع العربي! وتوجته كأخطر مرحلة في تاريخنا الحديث. وقد انعكس هذا الفكر التكفيري على الثقافة السورية اليوم تحت أسماء منتحلة ومضللة وفضفاضة في أحسن الأحوال باسم الإسلام المعتدل وبحجة مقاومة التطرف. وصار النقاب هو معيار الأخلاق وصوم رمضان حتى بالنسبة لمن هو صائم الدهر لعدم توفر ما يفطر به هو معيار الوطنية. و انتشرت المعاهد الشرعية والدعاة والداعيات القبيسيات لتصل أعدادهم ذكوراً وإناثاً الى مئات الآلاف. ولديهم مميزات حقوقية وقانونية ومالية ما ليس لغيرهم من المواطنين. وتدفق المال المسلم! على كل نشاط ديني حتى بات انشاء أو ترميم جامع يكفي لبناء احدث جامعة و أكبر مستشفى في العالم.
فما الذي ننتظره اليوم وغدا من هذا؟
هناك فن أو لا فن. و أدب أو لا أدب. وشعر أو لا شعر... ودين أو لا دين... أي لا توسط بين الحالتين. وهذا الاعتدال اليوم سيتحول إلى تطرف حين يقوى وتسمح الظروف. وما صلاة الآلاف من المؤمنات في الشارع أمس إلّا استعراضاً للقوة وعبارة صريحة بالخط العريض تقول: نحن هنا فاحترسوا وما نريده نفعله..... و لم يكن خروجا عفوياً بل منظماً وبتخطيط من جهات نافذة وفاعلة في المجتمع المعني.
وهذه الثقافة الداعشية لم تقتصر على داعش أو الإسلام المعتدل بل تجاوزتهم إلى الطرف الآخر المناهض واقعياً لداعش. فصار الشهداء الذين حز الدواعش أعناقهم وحملوا رؤوسهم يسمون مجاهدين وليس وطنيين. انتقلت عدوى التوصيف الديني لكل محارب من الطرفين، حتى أني قرأت مرة عبارة على لافته تقول: الشهيد العميد الركن البطل الشيخ المجاهد..... أي غابت الصفة الوطنية عن أي ضحية بين الفريقين لتحل محلها الصفة الدينية... وبالمزايدة كما في سوق البيع والشراء. و حتى القدس لم تعد عاصمة عربية محتلة بل مدينة المسجد الاقصى وتحريرها واجب ديني (هكذا يقولون!). وليس واجباً وطنياً أو قومياً أو إنسانياً.
لهذا أنا أقول وعلى مسؤوليتي الشخصية: إن داعش لم تهزم.... بل انتصرت من خلال الثقافة التي فرضتها تحت عنوان "مقاومة داعش والتطرف الديني" داعش أصبحت في داخل النفوس إما بخديعة الإسلام المعتدل او تقية وفي الحالتين هناك غياب للخطاب الوطني.. أو أن الخطاب الذي لا يلبس طربوش الدين يتهم بوطنيته.
أعود و أكرر: أنا علماني. يعني لست ضد أي دين في العالم إلّا الدين السياسي. وجميع الأديان لها البنية الداخلية نقسها التي تقوم على الاعتقاد ومناهضة العقل ونفي الآخر و إن عبرت في لحظة ما إنها ليست كذلك.