أزمة البديل السياسي لإيران وأمريكا في العراق
سمير عادل- فينكس- بغداد:
ليس لدى النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي أية مشكلة لو بقي العراق دون حكومة إلى أجل غير مسمى، طالما أن الوضع السياسي المحلي لا يؤثر على مكانته في التقسيم العالمي للإنتاج الرأسمالي. وهذه المكانة هي صناعة النفط. بمعنى آخر لو أدت الأزمة السياسية الحالية في العراق الى التأثير على صناعة النفط وزعزعة الإنتاج العالمي، لتحوّلت بغداد إلى مكان لحجيج المندوبين والمبعوثين الدوليين وقادة الغرب والشرق لحل الازمة السياسية. وها هي أرقام البنك الدولي تشير إلى أن العراق سجل نمواً اقتصادياً بنسبة ٨.٩٪ لعام ٢٠٢٢ وإن نصيب دخل الفرد من الناتج القومي وصل إلى ٦.٣٪ وهي الأعلى من بقية الدول العربية مثل السعودية ودول الخليج الأخرى. (سنشرح في مقال آخر عن خدعة هذه الأرقام) ولكن ما يهمنا الآن هو الوضع السياسي في العراق الذي كما تشير الأرقام لن تؤثر على الوضع الاقتصادي العالمي، بل إن مؤسسات مالية دولية تشيد بأداء العراق الاقتصادي وأداء حكومته التي هي خارج نطاق الخدمة منذ ٦ أشهر وهي تسمى بحكومة تصريف أعمال.
وعليه إن الإدارة الاميركية غير مستعجلة على تشكيل الحكومة في العراق، ولا الجمهورية الاسلامية في ايران مستعجلة، كما شاهدنا فصوله بعد اجتياح داعش لثلث مساحة العراق في حزيران عام ٢٠١٤، حيث شكّلت حكومة العبادي بوقت قياسي، لأن ظهور داعش مثّل تهديداً خطيراً لتغيير الخارطة الجيو سياسية في العراق والمنطقة برمتها بسبب ذلك الاجتياح. وفي الوقت نفسه أن كلا الطرفين أي الامريكي والايراني ليس لديهما أدوات حاسمة من القوى المحلية لتغيير المعادلة السياسية.
المحكمة الاتحادية أعادت الوضع السياسي في العراق إلى نصابها كما أشرنا في مقال سابق (المحكمة الاتحادية تنقذ حصة المكّون الأكبر)، ومنعت من خلط الأوراق وتغيير دفة العملية السياسية والمعادلة السياسية تحت عنوان حكومة الاغلبية التي رفع لواءها مقتدى الصدر، وللأمانة فهو أي الصدر استعارها من غريمه المالكي الذي ناشد بها قبل سنوات. وكل الجعجعة الإعلامية والمزايدة السياسية وإطلاق التصريحات الجوفاء بأن كارثة دستورية ستقع على رؤوس الأحياء من جماهير العراق بسبب الفراغ الدستوري لو لم تلتزم الأطراف السياسية بالمواعيد الدستورية، تتهاوى وتتبدد في الهواء المعجون بالتراب في العراق دون أي تقديم ولا تأخير بالوضع السياسي.
الأزمة السياسية الحالية في العراق هي أزمة قديمة جديدة. قديمة بمعنى أنها ولدت منذ غزو العراق، وأن الاحتلال لم يستطع خلق نظام سياسي مستقر ودولة ذات مؤسسات بالمعنى القانوني والسياسي و الهوياتي. وخلال كل تلك السنوات، كانت الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تديران الأزمة السياسية، وهنا نقصد بأزمة السلطة السياسية التي أرسيت على أساس المحاصصة القومية والطائفية. ولم تستطع الطبقة البرجوازية الحاكمة نفسها في العراق من حسم التشرذم السياسي في صفوفها. أما الجديد في الأزمة المذكورة هو أن انتفاضة اكتوبر عمّقت من أزمة السلطة السياسية في العراق، وهي من قلبت المعادلة السياسية التي يجر كل طرف من تلابيبها دون جدوى.
أثبت الرهان على الانتخابات لتغيير المشهد السياسي في العراق فشله الذريع، ولم يساورنا أدنى شك في ذلك وقد تحدثنا عنها بإسهاب وفي مناسبات مختلفة، لأنه ببساطة إن من يحسم مسألة السلطة السياسية ليس من يحصد الأصوات في الانتخابات، وبغض النظر عن شفافيتها ونزاهتها أو من عدمها، بل من يحسمها هو من يمتلك ميليشيات. وقد اكتشفت جماهير العراق بعد ما يقارب العقدين من الزمن كذبة الانتخابات وصناديقها المتهرئة، ولذلك قاطعتها نسبة أكثر من ٨٢٪، وهذا هو سرّ امتعاض الجميع في العملية السياسية بما فيها الفائزين منهم.
صومعة مقتدى الصدر أو مكوكية الإطار التنسيقي، وفي ثناياه لهاث السفير الإيراني في بغداد بين هذا وذاك، لن يظفر بالنهاية سوى بحكومة توافقية تَعَوَّمَ العملية السياسية. فجميع الأطراف الإقليمية والدولية بغنى عن أي احتدام مسلح بين الإخوة الأعداء في البيت الشيعي المتهالك على الساحة السياسية العراقية في خضم السيناريوهات المرتقبة في المنطقة والمترتبة لتداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا. وعليه أن المضي الى انتخابات اخرى كما تروّج وتسرّب من شأنه تشديد الأزمة السياسية وهي ما تعيها الأطراف السياسية المتصارعة فيما بينها على السلطة.
في خضم هذا الركود السياسي الذي يلازم كل المشهد السياسي في العراق، تصطف الأقلام والمحللين السياسيين حول تشكيل الحكومة في العراق وينقسمون إلى قسمين، الأول يتهم السفير الإيراني بالتدخل بالشأن السياسي العراقي ومستاء من تطاولاته، واتهام الطرف الموالي للجمهورية الاسلامية بخيانة الشيعة والوطن والعراق، فيما الثاني يتوج بطلاً قومياً لأنه يسعى لإخراج العراق من تحت عباءة الجمهورية الإسلامية تحت عنوان تشكيل حكومة الأغلبية. بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه على أي شيء يحصل عليه العامل و الموظف والعاطل عن العمل والمرأة المكبلة بنظام ذكوري وسلطة اسلامية مليشياتية رجعية حتى النخاع لو تشكلت حكومة برعاية إيرانية أو حماية أمريكية؟!
إن الغائب في كل التحليلات السياسية، هو مصالح الجموع الغفيرة من محرومي العراق، يتقدمهم العاطلون عن العمل الذين تقدّر عددهم وزارة التخطيط بنسبة ١٢-١٤ مليون عاطل، ونسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر تصل إلى أكثر من ٢٧٪ أي ثلث سكان العراق إذا لم نقل أكثر من هذه النسبة خاصة بعد تخفيض سعر قيمة العملة المحلية. و أياً كانت الحكومة القادمة فلن يكون الفارق بينها سوى مرحلة زمنية أخرى، وستكون امتداداً للسلطة المليشياتية القائمة الآن.
هناك مثل يقول إن المفتاح سقط في منطقة مظلمة بينما تبحث عنه في منطقة مضاءة بحجة وجود ضوء فيه، وهكذا إذا أردنا الخلاص من كل هذه المآسي التي تعيشها جماهير العراق وتخليص العراق من سياسة المحاور فلن يكون بانتظار العملية السياسية التي لن تولد أكثر من فأر هجين في أحسن الحالات تفاؤلاً.