كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الأزمة الأوكرانية.. مصير أوكرانيا أم مصير العالم؟ 2 من 2

عدنان بدر حلو- فينكس

ثانيا: مآلات الحرب!
ما من شك في أن حرباً متشابكة الأطراف إلى هذه الدرجة سيكون من الصعب جدا استشراف نهاياتها!
مع ذلك ومع مرور شهر ونيف على اندلاعها بات ممكناً تلمس بعض المعطيات الأساس في مواقف الأطراف الأكثر فاعلية فيها، كمقدمة لاستقراء ملامح تلك النهايات.
أولا بالنسبة لروسيا:
لعل أبرز معطيات الموقف الروسي هو ما أشرنا إليه فيما سبق من أخذ زمام المبادرة بتبديد فرصة الضغط بخطر الحرب العالمية الثالثة. وهكذا رأينا الرئيس بايدن ومعه معظم قادة حلف الأطلسي يعترفون منذ البداية بالعجز عن القيام بأي خطوة قد تؤدي إلى مجابهة مباشرة مع روسيا.. وتحديداً رفض إدخال قوات من الحلف إلى الأراضي الأوكرانية أو حتى فرض حظر جوي في أجوائها.
يضاف إلى ذلك أن الأهداف العسكرية الروسية المعلنة تتصف بمرونة وغموض كبيرين يجعلانها قابلة للمناورة والتعديل في أية لحظة وأمام أي منعطف. بدءاً من إطلاق اسم العملية العسكرية بدلاً من الحرب. ففي هذا المجال يمكن التوقف في أي منطقة أو مرحلة من المراحل، والقول إن ما أنجز على الأرض هو ما كان مرسوماً له أصلاً! وهذا الأمر يحرر القيادة العسكرية من عبء الإنجاز الجغرافي.
كما أن المبادرة منذ الأيام الأولى للشروع بالمفاوضات مع الطرف الآخر يفتح الباب واسعاً لمقايسة تأثير الضغوط العسكرية على الخصم.. وهذا ما يذكر بالأسلوب الذي اتبعته القوات الروسية في سورية حيث كانت تطوق المقاتلين في منطقة ما وتقوم بالتفاوض معهم من موقع قوة ثم "تخيرهم" بين الاستسلام أو الانسحاب!
يزيد من "إيجابية" ما تقدم المغايرة الواضحة بين الخطة الروسية في أوكرانيا وتلك التي اتبعها بوتين نفسه في الشيشان.. إذ كان قد خاض هناك حرباً تدميرية طاحنة. في حين يتبع هنا تكتيكا فيه الكثير من الحرص على إيقاع أقل أذى ممكن بالأهداف المدنية الإنسانية أو المادية، عن طريق تطويق المدن وترك منافذ وممرات لخروج المدنيين الذين يرفضون الاستسلام. وكأنه يتعمد إبداء نوع من الحرص على علاقات مستقبلية مع الشعب الأوكراني، مهما بلغت شدة الصدام مع النظام الحاكم.
لقد بدا واضحاً مع مرور الشهر الأول أن ثمة مرتبتين مختلفتين في العمل العسكري الروسي على الأرض الأوكرانية.. مرتبة تتعلق بمنطقة الدونباس فيها عزم على احتلال الأرض أو "تحريرها" وتسليمها للدويلتين الشرقيتين، ومرتبة ثانية تتعلق بالمناطق الغربية يتركز النشاط فيها على تدمير البنى التحتية والقدرات العسكرية باستخدام القصف المدفعي والصاروخي البري والجوي.
تقدير الروس أن هذه الازدواجية التي تكلفهم وتكلف الطرف الآخر أقل قدر الخسائر، تتيح لهم في الوقت نفسه القدرة على مواصلة القتال إلى أطول مدى ممكن، قناعة منهم بأن هذه القدرة على الاستمرارية هي التي ستحدد نتائج القتال.
فقد تحولت الحرب منذ أيامها الأولى إلى عملية عض أصابع يفوز فيها من يفرض على الطرف الآخر أن يصرخ أولا.
إذن يمكن تلخيص الاستراتيجية الروسية في هذه الحرب بما يلي:
إنزال أقصى ما يمكن من الخسائر في البنية والقدرات العسكرية للخصم الأوكراني.
مقابل ضمان القدرة على مواصلة العملية العسكرية إلى أقصى زمن ممكن، بكل ما لهذا الأمر من مستلزمات داخل روسيا كما في ميدان القتال.
كل ذلك لا يحجب، بل ربما يزيد من جلاء تقدير بوتين أن هذه الحرب ليست موجهة فعلا ضد أوكرانيا، و لا حتى ضد أوروبا الغربية، بمقدار ما هي موجهة ضد الولايات المتحدة الأمريكية.. وبالتالي إذا كان ثمة توجه نحو مفاوضات جدية فهي موجهة نحو واشنطن وليس كييف! وهذا ما ينقلنا إلى الطرف الآخر.
ثانيا بالنسبة للولايات المتحدة:
صحيح أن الولايات المتحدة قد أدركت منذ البداية أن إقدام موسكو على الغزو، قد انتزع منها زمام المبادرة إلى المباشرة بالقتال في أوكرانيا وعبرها، فبادرت على الفور إلى الزج بكل ما لديها من أدوات وقوى (باستثناء ما يمكن أن يشعل حرباً كونية).
وكان واضحا منذ اليوم الأول أنها تراهن على تحويل الحرب إلى حرب استنزاف لموسكو مستخدمة جميع أشكال الاستنزاف. من العقوبات الاقتصادية والتجارية والمالية غير المسبوقة، إلى تقديم كل ما يمكنها من دعم لأوكرانيا: مادي (مالي بمليارات الدولارات) وعسكري (بكل أنواع السلاح الدفاعي) طبعا بالإضافة للدعم السياسي والدبلوماسي والإعلامي وغيره. كل ذلك بهدف واضح هو تحويل أوكرانيا إلى أفغانستان أخرى تستنزف فيها كل طاقات روسيا وتدفع بها إلى الانهيار.. أي بمعنى أدق محاولة تحقيق ما كانت تصبو إلى تحقيقه بموجب مخططها السابق. أي تدمير روسيا وصولا إلى الاستفراد بالصين.
هذا الهدف المركزي استتبع في طريقه تحقيق هدف آخر بالغ الأهمية بالنسبة لواشنطن، هو استغلال المناسبة لضمان وحدة الدول الغربية تحت مظلة الموقف الأمريكي. بكل ما يعنيه ذلك من تجديد للسلطة الأمريكية على الحلفاء. لقد نجحت في جر الدول الأوروبية (لاسيما الثنائي الألماني الفرنسي) إلى التوحد من جديد تحت مظلة سياسة الحروب الأمريكية (على صعيد الانخراط في حرب العقوبات ضد روسيا حتى وإن كانت تلحق أضرارا كبيرة بالدول الغربية نفسها). وأول ما حققته في هذا المجال هو منع تشغيل خط أنابيب الغاز الألماني- الروسي (نورد ستريم 2) وهو هدف كانت تعلن عنه منذ وقت طويل حتى قبل اندلاع الأزمة الأوكرانية. كما لم تتوقف (وإن كانت لم تنجح بعد) عن الضغط لوقف استيراد النفط والغاز من روسيا كليا رغم معرفتها بمدى حاجة حلفائها له. عارضة عليهم شحنات غاز أمريكية بتكاليف مضاعفة عن الغاز الروسي!!
ثمة نقاط ضعف في الموقف الأمريكي الصاخب لا يمكن تجاهلها:
1- هشاشة الأسس التي تقوم عليها مواقف الحلفاء الأوروبيين. فقد عادت عليهم العقوبات (المفروضة من قبلهم) على روسيا بأضرار اقتصادية كبيرة يصعب عليهم تحملها إلى فترة طويلة، وهم الخارجون من أزمة الكورونا التي أنهكت اقتصاداتهم إلى درجة كبيرة.
2- فشل واشنطن في جر دول أساسية في العالم إلى الانخراط في المواجهة مع روسيا، وخاصة دول البريكس.. فمع أن هذه الدول التي يزيد تعداد سكانها عن نصف سكان العالم لم تعلن تأييدها للغزو الروسي لأوكرانيا، إلا أنها في الوقت نفسه لم تقف إلى جانب الولايات المتحدة في التصدي له، ولا حتى معارضته والتنديد به. فرغم كل المحاولات التي بذلتها الولايات المتحدة مع الصين بما في ذلك الاتصال الهاتفي الطويل بين بايدن وشي جينبينغ لم تتخذ الصين أي موقف يمكن ان ينال من الموقف الروسي أو يضعفه. بل على العكس أعلن الرئيس الصيني مباشرة بعد ذلك الاتصال أن "على النانو ألا يتمدد شرقا. وإن تمدده لمحاصرة دولة عظمى ستكون له نتائج مروعة" 19/3/2022.
والأمر نفسه جرى مع الهند. الأمر الذي دفع بالرئيس الأمريكي إلى إعلان أسفه من موقف نيودلهي. ومثله كان موقف باكستان الني كان رئيس وزرائها يزور موسكو مع بداية الحرب الأوكرانية (وليست الأزمة الحكومية حاليا في باكستان بعيدة عن نتائج هذا الموقف وما نجم عنه من غضب أمريكي). كما عبرت البرازيل عن موقف مماثل عندما تصدت بحدة وحسم لدعوة الولايات المتحدة من أجل إبعاد موسكو من مجموعة العشرين.
كما أغضب واشنطن كثيرا مشروع القرار الذي عرضته جنوب أفريقيا على الجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ اعتبرته مؤيدا للغزو الروسي، وشنت عليه حملة دبلوماسية ما أدى إلى سحبه.
حتى تركيا، العضو في حلف الناتو، التزمت بموقف وسطي يحافظ على فوائد علاقاتها المتنوعة مع روسيا ويتيح لها لعب دور الوسيط بين أطراف هذه الأزمة.. ومثلها فعلت إسرائيل التي تتمتع بعلاقات شديدة الخصوصية مع أوكرانيا مضافا إليها اعتمادها المطلق على دعم الولايات المتحدة المصيري لوجودها.
حتى دول تابعة لأمريكا مثل السعودية والإمارات اتخذت موقفا محايدا في الأمم المتحدة، كما رفضت طلبا أمريكيا لزيادة إنتاجها من النفط!
3- طبعا يبقى الرهان الأمريكي على مدى قدرة النظام الأوكراني الحالي على الصمود، وهو أمر لا يمكن الجزم به خاصة وإن القيادة الأوكرانية الحالية تشعر منذ اليوم الأول أنها استخدمت في الصراع بين الغرب وروسيا ثم جرى التخلي عنها يوم وقعت الواقعة، معتبرة أن كل المساعدات التي تتلقاها لا تصل إلى مستوى ما كانت تنتظره من الحلفاء الذين دفعوا بها إلى هذه المحرقة.
4- أكثر من ذلك يبرز الموقف الفرنسي المعبر عن الشعور بخطورة الأزمة على الدول الأوروبية الغربية وهشاشة قدرتها على تحمل تبعاتها لمدى طويل. وقد تجلى ذلك في الاتصالات الهاتفية المتكررة بين الرئيسين ماكرون وبوتين وما يعبر فيها الجانب الفرنسي عن رغبة وإلحاح على وجوب التوصل إلى حل في أسرع وقت ممكن. (علما أنه تم نشر حديث للرئيس الفرنسي يقول فيه "إننا نعيش نهاية الهيمنة الغربية على العالم").
التسوية:
تقديرنا (وهو أمر عليه شبه إجماع على المستوى العالمي) هو أن المعادلة التي حكمت هذا النزاع منذ يومه الأول بين (التسوية أو الحرب العالمية الثالثة) قد جعلت من الخيار الأول مخرجا وحيدا. فلا بديل عن التسوية.
أية تسوية؟
لن تكون هناك تسوية إلا بين الطرفين الرئيسيين في هذا الصراع: روسيا والولايات المتحدة! وكل ما عدا ذلك تفاصيل أو محطات على طريق هذه التسوية التي تقع بين حدين:
الحد الروسي: هو تحقيق أقصى ما يمكن من الأهداف المعلنة للعملية العسكرية، وإن كان متاحا فيها المجال لبعض التنازلات الروسية عن مطالب مثل إسقاط النظام الأوكراني الحالي. إذ يمكن القبول ببقائه خاصة أنه سيكون الطرف الذي سيتولى تمثيل أوكرانيا في التوقيع على التسوية وتنفيذ مستلزماتها وشروطها.
وكذلك يمكن توقع القبول الروسي بدمج استقلال الدويلتين دونتسك ولوهانسك ضمن صيغة فيدرالية أو حكم ذاتي كما كان منصوصا عليه في تفاهمات منسك.
الحد الأمريكي: هو النجاح في تحويل أوكرانيا الحالية إلى أفغانستان أخرى يجري فيها استنزاف روسيا إلى أقصى مدى ممكن، حتى مع التطلع إلى حصول انهيار داخلي يعيد إلى التصور الحلم الأمريكي المستمر بتفكيك الاتحاد الروسي والسيطرة عليه. وما من شك في أن أمام هذا الأمل عوائق ليس سهلا توفرها:
1- قدرة الوضع الأوكراني الحالي على الصمود ومواصلة القتال إلى مدى طويل جدا.
2- قدرة الحلفاء الأوروبيين على تحمل تبعات هذه الأزمة بأبعادها السياسية والاقتصادية والإنسانية إلى المدى الطويل نفسه.
3- انعكاسات هذه الأزمة على الوضع الداخلي الأمريكي الذي يواجه محطة سياسية فاصلة هذا العام هي انتخابات الكونغرس النصفية في الخريف القادم، وما عليها من مراهنات حزبية شديدة الحساسية. وقد بدأت موجة التذمر الشعبي من ارتفاع أسعار البنزين.
4- غير أن ما يحكم الموقف الأمريكي الرسمي هو إدراك واشنطن أن موقع الولايات المتحدة في هرمية الوضع الدولي هي على المحك.. فكما أن الهزيمة تقرر مصير الاتحاد الروسي وربما الصين من وراءه، كذلك تقرر الهزيمة الأوكرانية مصير الموقع القيادي العالمي للولايات المتحدة بكل ما لذلك من آثار غير محدودة على العالم كله!
5- وإذا كانت قسمات الانتصار الروسي غامضة ومرنة، فإن معالم الانتصار الأمريكي بارزة بشكل لا يحتمل اللبس: إما هزيمة عسكرية روسية مباشرة على الأراضي الأوكرانية، أو انهيار للنظام البوتيني في موسكو.. وأي شيء أقل من ذلك لا يعتبر انتصارا أمريكيا في هذه المجابهة.. بل هو هزيمة.. وهزيمة مصيرية ستكون لها عواقب كبيرة جدا على هرمية واشنطن الدولية بكل ما في ترسانتها من أسلحة وخزائنها من دولارات ربما تتحول إلى مجرد أوراق لا قيمة لها!
إذن... روسيا تكون رابحة إن لم تكن منهارة، فيما تنهار أمريكا إن لم تكن رابحة!
فأين يمكن أن تقع التسوية النهائية بين هذين الحدين؟ ومتى يتم الوصول إليها؟
(1) عام 1944 مع نهاية الحرب العالمية الثانية وما تبوأته الولايات المتحدة من مكانة قيادية للعالم "المنتصر" فرضت واشنطن على الحلفاء آنذاك اتفاقية عرفت باسم بريتون وودز (Bretton Woods) يتم بموجبها اعتبار الدولار عملة عالمية مقابل أن تضمن له الولايات المتحدة قيمة ثابتة من الذهب (35 دولارا مقابل الأونصة) ما معناه أن البنك المركزي الأمريكي يتعهد في جميع الأوقات بدفع أونصة من الذهب مقابل كل 35 دولارا. غير أن واشنطن تخلت عن هذا التعهد عام 1971 في عهد الرئيس نيكسون. وأصبحت الدولارات في مصارف العالم مجرد كمية من الأوراق بدون أية تغطية ولا قيمة لها إلا من خلال "الثقة" المجردة بالمكانة السياسية والاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة!