كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

التحريض الأمريكي- الأطلسي على روسيا من أوكرانيا: نُباح مَسعور على حُماة ما تبقى مِن القانون الدولي

هادي دانيال- تونس- فينكس:

على الرغم مِن أنّ موسكو ما فتئت تؤكّد بأنّ انتشار جيشها على حدودها الدوليّة بما في ذلك حدودها مع أوكرانيا هو وجودٌ تقليديّ تفرضه وظيفة الجيش كحامٍ للأمن القومي، إلّا أنّ الأوساط الديبلوماسيّة والإعلاميّة الغربيّة وخاصّة الأمريكيّة باتَ دَيْدَنها منذ عدّة أسابيع قرْع طُبُول حَرب روسيّة مزعومة على أوكرانيا، ولتسخين الأجواء وخَلْق هستيريا دوليّة يُكرّر الغَرْبُ أكذوبته ويحدّد ساعة الصفر لهذه الحرب، وتمرّ ساعة الصفر تلو ساعة الصفر ولا يُقدِم الجيش الروسي على أيّ "غزو" لا صوبَ أوكرانيا ولا صوب غيرها.

الذي أنا على يقينٍ منه أنّ الاتحاد الروسي بزعامة الرئيس فلاديمير بوتين الحاسم في رفضه لانضمام أوكرانيا وجورجيا إلى الحلف الأطلسي، ليس على جدول أعماله القريب ومتوسط المدى أن تصل قدم جندي روسي أو جنازير دبابة روسية إلى كييف أو تبليسي، فكلّ ما يسعى إليه الكرملين إقناع الحلف الأطلسي بالتي هي أحسَن، أن لا يتجاوز الخطوط الحمر لمجال أمن روسيا الحيوي الاستراتيجي، هذه الخطوط التي تقع أوكرانيا وجورجيا وروسيا البيضاء ضمنها.

وإذا كان الروس قد قبلوا في ظلّ الاتحاد السوفياتي أن يكون على رأس السلطة المركزية في موسكو الجورجي جوزيف ستالين و"الأوكراني؟" نيكيتا خروشوف، فإنّه مِن حقّ روسيا أن تستعيد أراضيها التي (تسامحت) موسكو السوفياتية بشأن تمدد أوكرانيا السوفياتيّة على الخارطة الديمغرافية الروسية مادامت كلّها في النهاية أرضاً سوفياتيّة. ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وزواله ككيان جغراسياسي، بات من الطبيعي أن تستعيد الدولة الروسية ما كان قد تسرّب مِن ترابها الوطني وما يشغله من المواطنين الروس كسكان أصليين، وهذه الاستعادة كانت بالاستفتاء الديمقراطي الذي شمل جمهورية القرم ومدينة سيفاستوبول، والذي كانت نتيجته رغبة المواطنين بالعودة ترابا وطنيا ومواطنين إلى أحضان الوطن الأم، وطن بطرس الأكبر وحفيده فلاديمير بوتين.

ولكن الواقع الموضوعي الجديد لم يتفق مع رغبات الغرب وخاصة واشنطن التي أمعنت في تحريض حكومة كييف على مناصبة موسكو العداء للحؤول دون وصول أوكرانيا وروسيا إلى اتفاقات حسن جوار مبني على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وسارع الأمريكان والإسرائيليون ولحق بهم بعض دول الغرب الأوربي إلى تسليح قوات الحكومة الأوكرانية و ميليشيات اليمين الأوكراني، وضجّ الإعلام الغربي بالمزاعم الكاذبة عن خروقات روسية لحقوق الإنسان في أوكرانيا تذكرنا بالفبركات الإعلامية الغربية الشهيرة كفضيحة الحاضنات التي سبقت الحرب على العراق بذريعة تحرير الكويت ومِن ثمّ الحرب علي العراق واحتلاله بذرائع كفضيحة كولن باول بشأن امتلاك بغداد المزعوم لأسلحة دمار شامل التي اعتذر باول لاحقا بخصوصها، ولكن بعد خراب البصرة، ناهيك عن الأكاذيب الوقحة التي صنعها وروّجها الغرب وأدواته الخليجية خاصة لشيطنة الدولة السورية والتحريض ضدّها.

وتتواصل الحملة الإعلاميّة والدبلوماسية والسياسية التحريضية ضدّ موسكو وتتسع دائرة المشاركين فيها لتشمل جميع أعضاء الحلف الأطلسي وخاصة تركيا التي تنتهز هذه الفرصة أيضا لتستثمر علاقتها العثمانية بمسلميّ القرم في سياق تَمَلُّق الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة ، خاصة وأنّ "طيّب رجب أردوغان" قد أدمَن التدخّلات الإجراميّة عَبْر العالم من سوريا إلى ليبيا إلى أذربيجان وغيرها ناهيك عن الجرائم ضد الشعوب الكردية داخل تركيا وخارجها و التي باتت خبزه اليومي المغمس بالدم والرماد.

ولم يكتفِ هذا الهيجان الأطلسي بارتجال ما سُمّيَ "مِنَصّة القرم" التي قامت على التخرّصات والاتهامات الهوليوديّة، بل كما أسْلَفْنا يُهيّئون المجتمع الدولي لِتَقَبُّل وقوع حَرْبٍ تدفع واشنطن وحلفاؤها الأطلسيون حكومةَ كييف إلى إغراق الشعب الأوكراني في مستنقعها، بينما تسعى موسكو إلى تلافيها لأنها تعي أنّ الهدف منها إظهار الاتحاد الروسي بمظهر المُعتدي على دولة جارة، بينما السياسة الخارجية الروسية منذ وصول الرئيس بوتين إلى سدة الحكم في الكرملين تقوم أساسا ليس فقط على احترام القانون الذي يضبط السياسات الدولية بل وعلى حماية هذا القانون عبر العالم، ولذلك كانت ولا تزال تجد نفسها في مواجهة السياسة الأمريكية التي تريد فرض المصالح الأمريكية عبر العالم بالقوة وخارج القانون الدولي بل وبالخروج عليه كما حصل ويحصل في العراق وليبيا وسوريا وغيرها.

لقد بات سافراً أنّ واشنطن تجرّ شركاءها في حلف الناتو إلى توتير الحدود الدولية لروسيا ليس مع جورجيا وأوكرانيا فقط بل ومع جميع جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق وخاصة ذات الأغلبية السكانية التي تتخذ من الإسلام عقيدة ، والهدف كما قلنا هو تشوية صورة روسيا بوتين وإن أمكن إنهاك الاتحاد الروسي بنزاعات مع دول الجوار، غير آبهة – أي واشنطن-  بالتداعيات الإنسانية لهذه النزاعات التي ستطال شعوب الدول التي تصغي حكوماتها للوسواس الأمريكي الخنّاس بما في ذلك شعوب الاتحاد الأوربي التي يزوّدها الاتحاد الروسي بأربعين بالمائة من حاجتها إلى الغاز عبْر أنابيب تمرّ من أوكرانيا بالذات ناهيك عن تداعيات ارتفاع سعر النفط الذي ستكتوي به هذه الشعوب أوّلا.

نحن نعلم جيدا أنّ واشنطن لن تجرؤ على مواجهة موسكو إلا بالحروب التجسسية الاستخبارية التي أطاحت الاتحاد السوفياتي أو الحروب بالوكالة كما حصل في أفغانستان عندما اسْتُخْدِمَ أسامة بن لادن وجماعاته المسلحة ضد الوجود الروسي الشرعي أي بطلب من حكومة كابول الاشتراكية آنذاك، لأنّ واشنطن والحلف الأطلسي لا يستعرضان قواهما العسكرية ميدانيا بقسوة ووحشية إلا عندما يتأكدان أنّ المُسْتَهْدَف ضعيف ولا يمتلك قوى رادعة كما حصل ضد العراق وليبيا، لكنّهم يبتلعون ألسنتهم ويخفضون جناح الذلّ جُبْناً عندما يورّطون أنفسهم مع دوَل مُقتدرة عسكريا كجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية التي يُسخِّر الإعلام الغربي طاقاته لشيطنتها وشيطنة زعيمها كيم جونغ أون، ولكنّهم أعْجَزُ مِن أن يرفعوا مُسدَّسَ راعي بقر في وجهها لأنهم متأكدون مِن أنّ قدراتها النووية تهدد الولايات المتحدة ذاتها فما بالك بقواعدها العسكرية والحكومات العميلة لها في كوريا الجنوبية واليابان إلخ، والأمر نفسه بخصوص إيران الذي يلجم الحلف الأطلسي عن استهدافه شَكّه على الأقل في أنها ربما تمتلك أسلحة استراتيجية رادعة قد تشمل السلاح النووي، فما بالك بالصين والاتحاد الروسي المتحالفين موضوعيا؟

إن آخر ما يهمّ الولايات المتحدة أن يعمّ السلام والازدهار الشامل الشعبَ الأوكراني وغيره من الشعوب التي يتمّ تخديرها بشعارات الديمقراطية وحقوق الأنسان التي يفتقدها قبل الشعب الأوكراني المواطنون الأمريكيون السود مثلا، وها نحن شهود عيان على نتائج تصدير الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى أفغانستان والعراق وليبيا واليمن، ولم يَعُد خافيا أنّ كلّ ما يعني واشنطن من سياستها الخارجية هي إضرام المعارك البينيّة والحروب الأهلية داخل الدول وبينها وتدمير الكيانات الوطنية للشعوب العريقة حضاريا وإشاعة الفوضى الخلاقة عبر العالم لتجعل السياسة الدولية أحاديّة القطب مرّة أخرى، مِمّا يُسَهِّلُ على الولايات المتحدة فرض قانونها ومصالحها على شعوب ودول العالم من القطب إلى القطب، ولذلك فإنّ الحرب التي يسعى الحلف الأطلسي بقيادة واشنطن إلى إضرامها بين أوكرانيا وروسيا هي مقدمة خبيثة لحرب ليس على روسيا فقط بل على القانون والسلام الدوليين، وعلى السياسة الدولية متعددة الأقطاب، وبالتالي فإنّ جميع شعوب ودُوَل العالَم مَطالبة بنظرة موضوعية تتَفهُّم الموقف الروسي الدفاعي عن الاتحاد الروسي وشعوبه ومِن ورائهما عن شعوب العالَم وكياناتها الوطنية كافة.