بينَ "كييف وفيينا".. دمشق عقدةُ الوسط
2022.02.15
عمر غفير- فينكس:
عندَ تحليلِ الواقع لابدَّ منَ العودة قليلاً في الذاكرة لإيجادِ المُقارباتِ و أوجهِ الشَّبه، وتخمينِ النتائج واستخلاص العِبَر، وهذهِ السِّمة الأهمّ عندَ من يُريدُ فَهمَ الواقعِ السياسيّ أو تحليلَه، ليُصبحَ الوعيُ الفكريّ أكثرَ نُضوجاً ومنطقية..
في (٨) أغسطس/آب من عام /٢٠٠٨/ حدثَ الهجومُ الجورجي على "أوسيتيا الجنوبية" التي تحوّلت فيما بعد وبسرعة لِمعاركَ عنيفة بينَ القوّات "الأوسيتية الجنوبية" و"الجورجية" حولَ العاصمة "تسخينفالي"، حينَها لم يتردّد الطيران الروسيّ بالمُشاركة الفوريّة وبقرارٍ عسكريّ يحملُ أجنداتٍ إنسانيّة وسياسيّة واستراتيجيّة باستهدفِ هذا الطيران، وقصف مدينة "غوري" ومطار "مارثيولي" في العُمق الجورجي, فتعالَت حينَها الأصوات الغربيّة، وندَّدت مُطالِبةً بوقفٍ فوريّ للهجَمات الروسيّة، وقالت إنَّها تُنافي المَبادئ الإنسانيّة، وتنتهك حقوقَ الأنسان.
وقد كانَ أهمُّ تصريح ذُكِرَ آنذاك للولايات المتّحدة الأمريكيّة على لسان "جورج بوش" الرئيس السّابق لأميركا أنّهُ "مُتمسّكٌ بوحدةِ أراضي جورجيا وسلامتِها..!". ولم يُحرّك سَيلُ التصريحاتِ الغربيّة ساكِناً في الواقعِ الميدانيّ، ولم يتغيّر الواقع حتى استطاعت "روسيا" تحقيقَ أهدافِها في تأمينِ مجالها الحيويّ، وفرضِ حُضورها الجيوسياسيّ في مُحيطِها، وهذا ما حصل..
وفي حادثةٍ أُخرى نستذكرُها في سياقٍ مُتّصل حدثت في "فيينا" يوم (١٤) يوليو/تموز من عام /٢٠١٥/ توصَّلت "إيران" الى اتفاقٍ مع مجموعةِ دُوَل (٥+١) بشأنِ البرنامج النوويّ الإيرانيّ، وهذا الاتّفاق يشمَلُ بنودَاً عِدَّة تُسهمِ في إعادةِ "إيران" لموقعِها في العلاقات الدوليّة، وتُسهّلُ عمليّاتٍ عديدة لإنعاشِ الاقتصاد الإيرانيّ مُقابِلَ أن تَحدّ "إيران" من تخصيبِ اليورانيوم من خلالِ تحديدِ عددِ أجهزةِ الطرد المركزيّ في مُفاعِل "نطنز" بِ (٥٠٦٠) جهازاً فقط.
ما أريدُ توضيحهُ بعدَ ذكرِ تلكَ الحادثتِين الموجودتَين في الذاكرة القريبة - وليسَ في كُتبِ التاريخ - هوَ أنَّ الوقائع تُعيدُ نفسَها، وتكادُ تكونُ سيناريو مسرحيّاً يتغيّرُ فيهِ اسمُ البطل تارةً، وتارةً بعضُ الشخصيّات فقط, فمشهدُ "فيينا" يتكرّر في المكانِ نفسِه، والشُّروطُ نفسُها تعودُ للنقاش تقريباً، والخطوطُ الحمراء مازالت موجودة، وربَّما أنّها أشدُّ حساسيّةً اليوم من أيِّ وقتٍ مضى. ومشهدُ "جورجيا" يتكرر في (كييف)، فاللاعب الدوليّ، والتحريض الغربيّ، والمَساس بالمجالِ الحيويّ الروسيّ نفسهُ، ولم يتغيّر سِوى المكان فقط.
هذهِ الثُّنائيّة التاريخيّة حدثت في توقيتَين مُختلفَين سابقاً، أمّا اليوم فيحدث كِلا المشهدان في الوقتِ نفسِه، ولكن بفارقِ أنَّ ضبابيةَ المشهد في السّابق حولَ تعاظُمِ القِوى الدوليّة ضدَّ سياسةِ القُطبِ الواحد لم تكُن بمُستوى الوضوحِ الذي نراهُ اليوم، وأنَّ مُستوى التنسيق الاستراتيجيّ الذي نشهدهُ اليوم بينَ تلكَ القِوى لم يكُن بهذا المستوى منَ العُمق، رغمَ مُحاولاتِ الغرب التشويهَ بمُستوى هذهِ العلاقات وشكلِها الذي بدأَ يأخذُ منحىً مُغايراً لِما رسّختهُ منهجيّةُ القًطبِ الواحد في صياغتِها للعلاقات الدوليّة وفقَ مقاسٍ يُناسبُ حجمَها وحُضورَها، وبُشروطٍ تُحقّقُ مصالحَها فقط.
تبقى المشاهِد والأحداث تتكرّر، ولكنَّ الفواعلَ الرئيسة في المشهدِ العامّ تختلف، فالمشهدان السابقان شَهِدا تدخُّلاً عسكريّاً في "جورجيا" وتوقيعَ اتفاقٍ في "فيينا"، واليوم نشهدُ عسرَ ولادةٍ "لاتّفاق فيينا"، وتلويحَاً بالقوّةِ العسكريّة دونَ استخدامِها في "كييف"، واتّباعاً لخاصّيّةِ (الأواني المُستطرقة) في الفيزياء السياسيّة.
ولابدَّ من وجودِ مساحةٍ ثالثة تُخلَقُ فيها التوازًنات، وتُجمَعُ فيها الأوراقُ الرابحة، ليُعادَ استخدامُها بالشكلِ الأمثل. وما هوَ المكانُ الأهمُّ من "دمشق" لمثلِ تلكَ التوازُنات التي تصاغُ خلفَ كواليسِ قاعاتِ المؤتمرات ومِنصّاتِ الصّواريخ.
فمشهدُ الاعتداءاتِ الإسرائيليّة، والردُّ عليها بصواريخَ في عُمقِ كيانِ الاحتلال، وبدوريّاتٍ جويّة (سوريّة – روسية) يوحي بتيّارِ التصعيد, ومشهدُ التفاوضِ (العربيّ – العربيّ) لعودةِ العربِ "لِدمشق"، وعودةُ "دمشق" لموقعها الرئيس والطبيعيّ في المشهدِ العربيّ يوحي بتيّارِ التفاوضِ والتهدئة.
ومازالَ ترابطُ تلكَ الأحداث كلِّها في موقفٍ واحد هوَ المعيارُ السياسيّ الدقيق الذي تحاولُ "دمشق" صياغتهُ بشكلٍ ونموذجٍ اعتادت "دمشق" أن تأخذَه، وهوَ أن تكونَ عقدةُ الوسط ومربطُ الفرس في ظلِّ انحسارٍ للدورِ الأمريكيّ في المنطقة، وتراجُعٍ "أردوغاني" في السّاحةِ السياسيّة التركيّة نتيجةَ الوضعِ الاقتصاديّ المُتراجع والهزيمة السعوديّة، والتهديدِ الأمنيّ الخليجيّ جرّاءَ مُمارساتِها في اليمن، وتنامي قِوى المُقاومة اليمنيّة واللبنانيّة في مُحيطِ كيانِ الاحتلالِ الذي يصوّرُ نفسهُ للرأي العام على أنّهُ عاجز وغيرُ قادر على خوضِ مُواجهاتٍ مُحتمَلة، وتنامي دور "مِصر" و"المغرب العربيّ" في الساحة العربيّة، وهوَ صوتٌ عربيّ عاقل ومُتوازِن، بالإضافة لمجموعةِ مُؤشّراتٍ في الداخل السوريّ، كملفّ التسويات الذي ينجح رغمَ مُحاولاتِ إفشالِه، ومُمارساتِ "ميليشيا قَسَد" التي تظهرُ وجهَها الحقيقيّ في أنّها أداةٌ مُتواطِئة وعميلة، وعمالتُها رخيصة, واستنهاض قِوىً شعبيّة في الشرقِ والشمالِ الشرقيّ السوريّ لمفهومِ المُقاومة الشعبيّة للاحتلالَين الأميركي والتركي، وهذهِ ثقافة ليست ببعيدة عنِ الوجدانِ السوريّ.
في تراكيبِ هذا المشهدِ الدوليّ والإقليميّ والداخليّ المُنضوي تحتَ أبعاد سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة يُمكن أن نشهدَ احتماليّةَ وجودِ أحداثٍ مُهمّة في تاريخِ الحرب السوريّة، كَ "قمّة الجزائر" المُرتقَبة بحضورٍ سوريّ، واجتماعِ "أستانا" في آذار المُقبل في "أنطاليا" لوزراءِ خارجيّةِ كلٍّ من "إيران و روسيا وتركيا", وخطّ الغاز المصريّ المارّ في سوريا إلى لُبنان.
نَخلُص إلى أنَّ علمَ السياسة يدرُس الظواهر بأرضيّةٍ غيرِ ثابتة، خِلافاً لِما هيَ عليهِ باقي العلوم، بمعنى أنَّ التصعيدَ في مكانٍ ما أو ملفٍّ ما يُفضي إلى حلولٍ ومساحاتٍ تُشاورُ وتفاوض في مكانٍ آخرَ وشكلٍ آخرَ، والعكسُ صحيح..