الوجه الحقيقي لأمريكا...
2022.02.11
كتب المحلل السياسي لفينكس:
بالتزامُن معَ كلِّ مجزرةٍ أو جريمة قتلٍ فرديّة أو جماعيّة, ومعَ كلِّ شكلٍ من أشكالِ الاحتجاجِ والعُنفِ والفوضى التي يشهدُها الداخل الأمريكيّ، يتردّد إلى الأذهان دور المليشيات العنيفة المُسلَّحة، لتتصدّرَ واجهةَ المشهد الإعلاميّ والأمنيّ الأمريكيّ, وبخاصّة أنَّ هذهِ المَجموعات وفقَ تقريرِ الاستخبارات الأميركيّة في مُنتصف شهر آذار من العام الحاليّ صُنِّفَت في إطارِ عدّها "تهديداً مُتصاعداً" لأمنِ الولايات المتحدة الأميركيّة.
ولاسيما أنَّ هذهِ الميلشيات ليست جديدة أو وليدةَ المرحلة الراهنة, بل تعودُ جذورُها في الولايات المتحدة الأميركيّة إلى ما قبل عام /1776/؛ أي قبلَ التأسيس والاتّحاد, فقد بدأت ونمَت بالانتظام على أيدي المُستوطنينَ البريطانيّينَ الجُدُد في القارّة الأميركيّة، بهدفِ مُحاربةِ السكّان الأصليّين، وإنفاذِ قوانينِ التاج البريطانيّ في المُستعمرات، وصدّ الغُزاة الخارجيّين، لتنخرطَ في مرحلةٍ لاحقة في الثورة ضدَّ الحُكم البريطانيّ، والتي انتهت باستقلالِ المُستعمرات ال "13" التي تشكّلت منها الولايات المتحدة الأميركيّة.
وفي عام /1791/ أُدخلت (10) تعديلاتٍ على الدستور الأميركيّ، سُمّيَت "وثيقةَ الحقوق"، وفيها نصّت المادّة الثانية على أنّهُ "طالما كانت الميليشيّات حسنةَ التنظيم ضروريّة لأمنِ الدولة الحرّة، فلا يجوز مُصادرة حقّ الناس في اقتناءِ السّلاح وحمله"، وتمَّ تبريرُ إدخالِ هذا التعديل في ذلكَ الوقت لطمأنةِ المُتخوّفين من النظام الفدراليّ.
بعدَ ذلكَ بعام صدرَ القانونُ الأول الذي ينظّم ميليشيات الدولة المُكوَّنة من ميليشيّات الولايات, وقد منحَ هذا القانون في ذلكَ الوقت رئيسَ الدولة صلاحيةَ استخدامها في حالاتِ التمرّد والغزو. وفيما بعد، تطوّرت التشريعات وعُدِّلَت حتى بلوغ العام /1903/، إذ صدرَ قانون يُحدّد الأُطر الميليشيوية وفقَ صياغتين؛ "الأولى" التي عُرِفَت بالمُنظّمة، وتألّفت من "الحرس الوطنيّ" و"ميليشيا البحريّة" في كلِّ ولايةٍ و مُقاطعة. و"الثانية" غير المُنظَّمة، وتضمّ "ميليشيا الاحتياط" المكوّنة من مُتطوّعي شباب ورجال الولاية أو المُقاطعة في عُمر يتراوح بين (17 حتى 45 سنة).
بعدَ ذلك عُدّلَ القانون أكثرَ من مرة حتى عام /1933/، فقد تمَّ تشكيل "الحرس الوطنيّ" للولايات المُتّحدة، وهيَ قوّاتُ احتياطٍ تابعة للجيش مُكوّنة من "الحرس الوطنيّ" في الولايات والمُقاطعات، لتُصبح هيَ الميليشيا المُنظًّمة التابعة لكلّ ولايةٍ ومُقاطعة وفقَ تحديداتِ قانون /1903/، وتخضعُ بشكلٍ مُباشر في كلّ ولاية لإمرةِ حاكمِها، إلاّ حينَ تعبئتِها من قِبَلِ رئيس الدولة الذي يُعطيهِ القانون صلاحيةَ نشرِها أينما يُريد، داخلَ الأراضي الأميركية وخارجَها من دونِ إذنِ الحاكم.
وفيما يتعلّق بالمهام التي توكَل إليهم كقوّةِ إنفاذِ قانون في حالاتِ التمرّد والشغب والفوضى والمَخاطر المُحتمَلة، وكعُمّالِ إغاثة خلالَ الكوارث وحالات الطوارئ، وكجنودِ دعمٍ للمهام العسكريّة خارجَ الحدود فقد بلغَ عددهُم في عام /2020/ حوالي (450) ألفَ شخص.
بالتزامُنِ مع ذلك نمَت على امتدادِ التاريخ الأميركيّ - وتحديداً بعدَ الحرب الأهليّة (1861-1865) - ميليشيات على أُسُس إيديولوجيّة مُتنوّعة، بعضُها يحمِل أفكاراً مُتطرّفة، وقد كانت في غالبِ الأوقات في الطّرفِ المُعارض للحكومة الفدراليّة. هذهِ الميليشيات استندت في نشأتهِا إلى ما تعدُّهُ حقَّها في حملِ السلاح، مُستندةً لِما يكفلهُ لها "التعديل الثاني" في الدستور, وهوَ أمر تنقسمُ عليه النُّخَب الأميركيّة وأهلُ القانون والمُجتمع الأميركي برمّتِه. وقد شكّلت هذهِ المادة حالةً منَ الجدّ منذُ بدءِ انتشارِ هذهِ الميليشيات بعيداً عنِ القوانين التي نظّمها "الكونغرس" وحدّدَ أُطُرَها وأدوارَها.
ويعودُ سببُ ارتفاعِ نشاطِ هذهِ الميليشيات وانتشارِها إلى رغبتِها في إحداثِ تحوّلاتٍ سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة في الداخل الأميركيّ, وتُنسَب إليها على الأقلّ خلالَ العقدين الأخيرين عشراتُ عمليّاتِ القتل الجماعيّ التي تصنّفُها الحكومة تحتَ خانة "الإرهاب الداخليّ"، وأضخمُها كانَ (تفجير أوكلاهوما) في عام /1995/ الذي استهدفَ مبنىً فدرالياً في ولاية "أوكلاهوما"، وأسفرً عن مقتل (168) وإصابة (600) آخرين.
وكانَ نشاطُ هذهِ الميليشيات قدِ ارتفعَ بشكلٍ ملحوظ في ما بعدَ انتخاب الرئيس الأميركيّ الرابع والأربعين "باراك أوباما" على خلفيّةِ أصولهِ الأفريقيّة، وهوَ ما عدّتهُ المجموعات التي تؤمن بتفوّق العِرق الأبيض، تهديداً للهويّة الأميركيّة وسُكّانها الأوائل.
ووفقَ إحصائياتٍ صادرة عن "مركز قانون الفقر الجنوبيSouthern Poverty Law Center " بلغَ عددُ المجموعات المُناهضة للحكومة الفدراليّة في عام /2008/؛ أي قبلَ وصول "أوباما" إلى الحُكم (149) مجموعة, وبعدَ وصولِ الأخير للبيت البيضوي ارتفعَ عددُها إلى (512) مجموعة. وفي عام /2012/ بلغت ذروتَها معَ بلوغِها (1360) مجموعة.
ومعَ وصولِ الرئيس السابق "دونالد ترامب" إلى البيت الأبيض فعّلَت هذهِ المجموعات من دورِها من جديد وبصورةٍ فعّالة . والمُلاحَظ هنا أنَّ كثيراً من هذهِ المجموعات التي كانت دائماً ما تقفُ في موقعِ المُعارض للحكومة الفدرالية، ولكن تماهت بفعالية خلالَ الولاية الرئاسيّة الماضية معَ حاكمِ البيت الأبيض. ووفقَ "Southern Poverty Law Center" وصلَ عددُ المجموعات المُناهضة للحكومة الفدرالية في عام /2019/ إلى (576)، من بينها (181) ميليشيا مُسلَّحة, بأنواعَ نوعيّة وكمّيّاتٍ لا يُستهانُ بها، وبخاصّة معَ انتشارِ جائحةِ كورونا.
وقد برزت صورُ هذا التماهي في محطّتينِ بارزتَين, الأولى في أيّار /2020/، إذ شهدت ولاياتٌ أميركية احتجاجاتٍ وأعمالَ شغب بعدَ قتل شرطيّ أبيض مواطناً أميركيّاً من أصولٍ أفريقية يُدعى "جورج فلويد", وحينَها تحرّكت ميليشيات مؤيّدة لتفوّق العرق الأبيض في وجهِ أعمالِ الشغب التي اتَّهمت مجموعاتٍ يساريّة بالوقوف وراءَها.
والصّورة الثانية تمثّلت في تزخيمِ "ترامب" خطابهُ الشعبويّ خلالَ فترة الانتخابات الرئاسيّة، وادّعائهِ بعدَ صُدورِ النتائج حصولَ تزويرٍ فيها، ما انتهى إلى اقتحامِ مُناصرينَ لِـ "ترامب" مبنى "الكابيتول" في العاصمة واشنطن خلالَ جلسةِ التصديق على نتائج الانتخابات الرئاسيّة. وقد وثّقت صُوَرُ وسائلِ الإعلام وجودَ مُسلَّحين من بينِ المُقتحمين، وهوَ ما أكّدته التحقيقات فيما بعد.
كما شهدت الفترة التي سبقت حفلَ تنصيب الرئيس الديمقراطيّ الجديد "جو بايدن" استنفاراً أمنيّاً حوَّلَ العاصمة "واشنطن" إلى ثكنةٍ عسكريّة، في مشهدٍ غيرِ مسبوق، بسببِ تحذيراتٍ صدرت من أجهزةِ الاستخبارات وكشفت عن نيّةٍ لدى مجموعاتٍ مُسلّحة مُناهضة له ومؤيّدة لِ "ترامب" تخريبَ حفلِ التنصيب عبرَ اقتحام مقرّاتٍ رسميّة وتنفيذِ أعمالِ شغب.
ووفقَ ما أفادت بهِ صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركيّة خلالَ تلكَ الفترة وصلَ عددُ أفراد الميليشيات النَّشِطة إلى (20) ألفَ عنصُر, من بينهم خمسة آلاف من قُدامى المُحاربين. ووفقَ الصحيفة الأميركية يتوزّع هؤلاء على (300) مجموعةٍ وميليشيا, وأبرزُ تلكَ الميليشيات هيَ:
- ميليشيا "حُرَّاس القَسَم"؛ وهُم يتبنّونَ نقاءَ العِرق الأبيض, وعلى الرغم من أنّها حديثة, إلاّ أنّها استطاعت استقطابَ أكثر من (20) ألفَ مُسلّح وضمّهم لصفوفِها. وقد برزَ اسمُها وخطرُها بعدَ الإعلانِ الأول للديمقراطيّين نيّتهُم في عزلِ "ترامب", فقد قامت هذهِ الميليشيا عبرَ البريد الإلكتروني بنشرِ رسائلَ مفادُها أنَّ "أمريكا" ستشهدُ حرباً منَ الدماء في حالِ عزلِ "ترامب", بالتزامُن معَ تصريحِ "ترامب" أنَّ عزلهُ يعني دخولَ "أمريكا" في أتونِ الحرب الأهليّة.
- "جيش الرّبّ"؛ وهيَ ميليشيا تشكّلت في أوائلِ ثمانينياتِ القرن الماضي, وعناصرُها منَ المسيحيينَ المُتطرّفين يُعارضونَ ما يُسمَّى السلوكات التي "تُخالف الدين", وتصنّف الحكومة الأميركيّة أعمالَها على أنَّها (إرهابيّة).
- ميليشيا "الثلاثة بالمئة"، أُنشِئَت عام /2008/ لمُواجهةِ تدخُّلِ الحكومة الفدرالية في الولايات، والوقوف في وجهِ المُناهضين لِ "التعديل الثاني" في الدستور. ويعودُ اسمُها إلى اعتقادٍ يؤمنُ به بعضُ الأميركيين بأنَّ ثلاثةً في المئة منهُم هُم مَن حملَ السّلاح في وجهِ البريطانيّين خلالَ ثورةِ الاستقلال. وتُصنَّف هذهِ الميليشيا من قِبَلِ الدوائر الأمنيّة على أنَّها من بينِ الميليشياتِ الأكثرَ خطورة. - ميليشيا "حُرّاس العهد"؛ وقد نشطت في عام /2009/، وهيَ يمينيّة مُتطرّفة، نشأت وفعلت بصورةٍ واضحة بعدَ وصولِ "أوباما" إلى البيت الأبيض, وتقدّم نفسَها على أنّها مُكوّنة من جميعِ مَن أقسموا على الحفاظِ على الدستورِ وحمايتهِ من جميعِ الأعداءِ المحلّيّينَ والخارجيّين, وتسعى إلى ضمِّ قُدامى المُحاربينَ إلى صفوفِها، وتضمُّ قُرابةَ (35) ألف عُنصرٍ مُسلَّح.
- ميليشيا " بوغالو"؛ تؤمن بتفوّقِ العِرق الأبيض, وقد نشأت عام /2012/، وبرزت بقوّة بعدَ مَقتل "جورج فلويد" في عام /2020/، إذ تحرّكت في وجهِ ما تلا الحادثة من احتجاجاتٍ عنيفة وأعمالِ شغب ضدَّ المُتظاهرينَ في ولاياتٍ عديدة. - ميليشا "براود بويز"؛ وتُصنَّف بأنَّها يمينيّة مُتطرّفة، وقد تأسّست أواسط عام /2016/، تنحازُ بشكلٍ عنصريّ للقِيَم الغربيّة، ويؤمنُ كثيرٌ من أعضائِها بتفوّقِ العِرق الأبيض، وكانت من أبرزِ الداعمينَ لخطابِ "ترامب".
- ميليشيا "NFAC"؛ وهيَ ميليشيا مَعروفة في الداخل الأمريكيّ باسم "ميليشيا السّود", بدأ ظهورُها عام /2020/ في ردّ فعلٍ على تكرارِ حوادثِ قتلِ الأميركيّينَ من ذوي البشرة السوداء على أيدي رجالِ شُرطةٍ بيض, هدفُها الوحيد والأساس حمايةُ أبناءِ مُجتمعِ العِرق الأسود وتعليمُه حملَ السّلاح.
- ميليشيا "كو كلوكس كلان"؛ وهيَ من أقدمِ الميليشيات المُتطرّفة وأكثرِها شُهرةً وتأثيراً, تؤمن بتفوّق العرق الأبيض المسيحيّ، وتسعى لتحويلِ النظام من فدراليّ إلى كونفدرالي, وقد قُدّرَ عددُ المُنضمّينَ لها خلالَ ذروةِ انتشارها في عشرينيّات القرن الماضي ب "ستّةِ ملايينَ" فرداً.
- ميليشيا "أنتيفا"؛ وتُصنَّف بأنَّها يساريّة مُناهِضة للتطرُّف اليمينيّ والنظام الرأسمالي، توعَّدها "ترامب" بتصنيفِها في "لوائحِ الإرهاب".
في الواقع، إنَّ الداخلَ الأمريكيّ هوَ عكس ما يروَّج لهُ على وسائلِ الإعلام, فالإرهابُ الداخليّ هوَ إرهابٌ مُؤطَّرٌ مُؤسّساتيّاً بطريقةٍ يُمكنُ من خلالِها فَهمُ لماذا "أمريكا" توظّفُ الإرهابَ الدوليّ, فالمؤسّسات الأمريكيّة التي تقدَّمُ للعالم على أنَّها أنموذجٌ للديمقراطيّة قونَنت هذهِ الميليشيات لحمايةِ مصالحِها, ومُعظمُ الشركات الأمنيّة الأمريكيّة هيَ كياناتٌ تضمُّ شقَينِ منَ الأعضاء؛ الأول هُم جُنودٌ وضُبّاط منَ الجيش الأمريكيّ تمَّ طردهُم منَ الخدمة العسكريّة, والشقُّ الثاني يضمُّ نُخبةَ هذهِ الميليشيات المُقرَّبة من أصحابِ النفوذِ والسُّلطة في "واشنطن".