كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

نحن و"الشراكة بلا حدود"

شوكت أبو فخرـ فينيكس

وقّعت روسيا والصين، في الرابع من الشهر الجاري (شباط 2022) وثيقة مشتركة دشنت مرحلة جديدة في العلاقات الدولية.
حدث بلا أدنى شك كبير، وعلى غاية من الأهمية، ولا يمكن قراءته على أنه اتفاق بين دولتين عظميين فقط، لأنه يخص العالم كله، وهو جاء نتيجة، أو رد على ما هو قائم في عالم اليوم، حيث محاولات الهيمنة الأمريكية وإبقاء العالم أسيراً للقطبية الأحادية.
ما سبق قمة بوتين - جين بينغ كان يشي بأن البلدين ذاهبان باتجاه تعزيز تحالفهما، فالمواجهة تحتدم بين روسيا و"ناتو" في شرق أوروبا، والأطلسي يلوح بسلاح التمدد والتسلح، في حين يحتدم السباق على الهيمنة بين أمريكا والصين فى منطقة المحيطين الهادئ والهندي. الغرب يستهدف موسكو وبكين بعقوبات واستفزازات أمنية، في إطار سياسة "الاحتواء المزدوج"، تارة باستخدام ملف أوكرانيا، وتارة باستخدام ملفات تايوان وهونغ كونغ وبحر الصين الجنوبي، وتارة بالتلويح بملف "حقوق الإنسان"، فضلاً عن استخدام النزاعات الإقليمية ذريعة للتدخل فى المناطق المجاورة لحدودهما. وهذا تحديداً ما دفع موسكو وبكين طوال عقدين كاملين لتعميق التعاون بينهما في كافة المجالات، فكل منهما ينظر إلى الآخر باعتباره أولوية، والعلاقة بينهما لم تعد مجرد شراكة أو تعاون سياسي واقتصادي، بل تحالف إستراتيجي أو شراكة بلا حدود لمواجهة ما يعتبرانه تحديات وجودية.
ليس سراً ما تقوله الوثائق الأمريكية الخاصة بالأمن القومي لجهة اعتبار أن الصين، هي التهديد الأكبر والمنافس الوحيد القادر على الجمع بين القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية، وقد وضعت بكين حسب الوثائق الأمريكية بمرتبة أشد خطورة من موسكو، ولهذا يمكن فهم المساعي الأمريكية لتطويق واحتواء الصين، وقراءة إنشاء تحالف "أوكوس" (AUKUS)"، لتكثيف التعاون الدبلوماسي والأمني والدفاعي في منطقة المحيطين الهندي والهادي، ما يعكس في أحد أبعاده توتر العلاقة مع بكين، وما يصح بخصوص بكين يمكن أن يكون أيضاً صحيحاً بخصوص روسيا وما يدور حولها من صراعات كلها تهدف الى إبقاء التوتر في حدائقها الخلفية ومحاولة إزعاجها أو إيلامها في خواصرها الرخوة.
وكي لا نذهب أبعد في قراءة الاتقاق، فهو حدث كبير، سنذهب مباشرة إلى سؤال وقد أقدم الأصدقاء والحلفاء على هذه الخطوة، أين نحن كسورية من هذا الاتفاق، بمعنى، هل سوف ينعكس في الميدان السوري؟.
دون مبالغة، لم تحضر سورية بشكل مباشر في قمة بكين، فالملف السوري ليس ضاغطاً على بكين وموسكو ، فثمة ما هو أشد إيلاماً ووجعاً بالنسبة للطرفين، وهذه حقيقة لابد منها كي لا تأخذنا الغيرة ونقول إن الحلفاء والأصدقاء يفكرون بنا كما نفكر نحن، فللدول مصالح ومناطق نفوذ قريبة وبعيدة، لكن بمطلق الحالات، لا يمكن قراءة البيان المشترك بعيداً عن الشأن السوري، فهنا يتم ولادة نظام دولي جديد، وهذا التحالف سوف يشكل مظلة للدول والشعوب الضعيفة، والأمر بالنسبة لنا في سورية له انعكاسات كبرى، فكلما ارتفعت مستويات المواجهة بين نظام القطب الواحد، والنظام متعدد الأقطاب، إلى حين الإقرار بالتحول إلى النظام الدولي الجديد، متعدد الأقطاب، فإن كل الدول التي تعرضت لعمليات تخريب ممنهجة من خلال ما يسمى "الثورات" أو عبر الاجتياحات أو الاحتلالات سوف تشهد مخاضات جديدة وسوف يكون النظام الدولي الجدي القائم على شرعة الأمم المتحدة هما الملاذ، لأنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تبقى تهيمن وتستأثر وتحتل وتدخل في مواجهة حامية مع الأطراف الدولية المناهضة. لموسكو وبكين أولويات معينة، الملف السوري ليس ضاغطاً على ما يبدو وخاصة على موسكو التي لها التأثير الأكبر فيه، البيان الروسي- الصيني المشترك الذي يؤكد أن الطرفين سوف يمنعان التدخل في شؤون أي دولة ذات سيادة بذرائع الديمقراطية والثورات الملونة سوف ينعكس ليس على سورية فحسب، وإنما على معظم دول العلم التي تتعرض لضغوط هائلة للسير وفقط منظومة الهيمنة الأمريكية بمعنى أن الدولتين روسيا والصين سوف تقفان في مواجهة قرنين من الهيمنة الغربية الوحشية على مقدرات الشعوب.
ما حدث في بكين مهم، ومعد له بشكل جيد، والتزامن مع عيد الربيع الصيني لم يكن عبثياً أيضاً، ما يشير إلى ولادة حقبة جديدة في العلاقات الدولية، أو بمعنى ولادة نظام دولي جديد، من خلال البيان المشترك الصادر عن الطرفين والذي يحمل معطيات جديدة ترفع من مستويات المواجهة مع الهيمنة الطبية الأمريكية عبر نظام دولي جديد متعدد الاقطاب ومتعدد السياسات والثقافات، بناء على التنوع الثقافي في العالم أجمع، بمعنى ليس هناك من تفسير للديموقراطية وفق منظورها الليبرالي أو النيو ليبرالي، وليس هناك مفهوم للحرية كذريعة للتدخل في شؤون الدول، هذه هي الرسائل تحت عنوان " شراكة بلا حدود " في خندق واحد أو جبهة مشتركة لمناهضة الهيمنة.