كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الغرْب الأطلسي يُكلّف أداته التركية بالحؤول دون الوصول إلى حَلٍّ سياسي في ليبيا

كتب هادي دانيال- فينكس- تونس:

ليس لدينا أدى شكّ في أنّه لا يوجد طفلٌ ولا امرأة ولا شيخ ولا عاقل بين شباب وكهول الشعب الليبي كان يرغب في سقوط قطرة دمٍ  أو انهيار جدار في أي شبْرٍ مِن بِلادِه، ولا أحَدَ مِن هؤلاء بِما في ذلك مَن تَضَرَّرَ مِن حكم العقيد معمّر القذافي طَلَبَ مِن حلف الناتو أن يُدَمِّرَ بلادَه وَيُدخِلَ شَعبَه في أنفاق حرب أهليّة غامضة النهايات، فالحربُ الأهليّة ليست حتميّة ثوريّة، إنّما هي فرصة العملاء والمرتزقة وطريقُ الحَمْقى ووسيلة الخارج الطامع للتدخُّل في شأن داخليّ والهيمنة على ثروات شعب فقد سيادته على أرضه وباتت مصائره مرتبطة بمصالح هذا الخارج الذي يتمثّل هنا خاصّة في الغرب الأطلسيّ الذي لوى عُنُقَ قرارٍ أممي لشنّ عدوانٍ عسكريٍّ هَمَجيّ على ليبيا لم يكتفِ بإطاحة النظام الوطنيّ والتمثيل البشع برئيس البلاد بل دَمّر مؤسسات الدولة وأدخل ليبيا في فوضى دامية وَحْدَه المواطن الليبي يَدفع ثمنَ تداعياتها الباهظ.    

وإذا كانت "ستيفاني وليامز" مستشارة الأمم المتحدة الخاصة بليبيا قد  قالت: "لا أرى رغبة لدى الليبيين بالعودة للحرب في هذا الوقت" فإننا نؤكد أن هذه الرغبة لم تكن ولن تكون ليبية لا في هذا الوقت ولا في غيره، وما دامت المستشارة الأممية  ترى أن "الخطاب الليبي وطريقة حديث الأطراف" قد تَغَيّرا، ووصفت الخطاب الحاليّ بأنه "خطاب سياسي وحضاري يحل محل خطاب الحرب وهذا جيد جداً"، فَمَن يحولُ إذَن دون الوصول إلى حلٍّ سياسيّ للأزمة الليبيّة وفْقاً لمعايير القانون الدّولي وبمشاركة الأمم المتحدة والاتحادين الأوربي والروسي وبقيّة الأطراف المَعْنيّة؟

لم يَعُدْ خافياً أن الغَرْبَ الأطلسي هُوَ الذي هَدَمَ أسوار ليبيا الوطنيّة واستباح سيادتها مستخدِماً حَمْقى الإسلام السياسي وَهوَسَهم بالعُنْف "حمارَ طروادة" مَحَلّيّاً وَصَعَدَ بِهِ إلى المئذنة، ولئن اصطدَمَ هذا الغرب الجشع على الأراضي الليبية  بِقُوى دولية وإقليمية كروسيا والصين ومصر والجزائر تتقاطَعُ مصالحها الوطنية والقومية مع المصالح الوطنية العليا للشعب الليبي وترفض جميع أشكال الهيمنة والغطرسة التي يستعرضها الغرب الأطلسي لترهيب بقية الدول والشعوب التي ترفض الإذعان لسياساته الاستعمارية، فإنّ الغرب الأطلسي في هذه الحالة اضطرّ إلى أن يتراجع عن خطابه العنيف ويستبدله بخطاب يبدو ناعماً وحريصاً على دَفْع الأطراف الليبية إلى المصالحة الوطنية وإقامة نظام مدني ديمقراطي يفضي إلى "حكومة منتخبة ورئيس منتخب وأفق سياسي قوي يؤدي إلى انتخابات ووضع أكثر ديمومة مع أساس قانوني ودستوري قوي"، هذا في الظاهر ولكن في غُرَف العمليات الخاصة السياسية والاقتصادية والعسكرية تُوضَع خُطَطٌ و تُبذَل جهودٌ خبيثة على النقيض تماما مِن خطاب الغرب الأطلسي المُعلَن تجاه الأزمة الليبية. فَما أنْ تكادُ المساعي السلميّة  تُفضي إلى حَلٍّ ما حتى يُسارِعُ الغربُ الأطلسيّ نفسه إلى عرقلة هذا الحل وخلْط الأوراق مِن جديد، وهذه المرّة لا يستخدم جماعات الإسلام السياسي المحلّية مُباشرة بل يستخدم رئيس دولة عضو في الحلف الأطلسي هو السلطان الحالي للإسلام السياسي "رجب طيّب أردوغان"، يستخدمه الغربُ الأطلسي مِلقطاً يُحرّك به جمار الأزمة الليبية وينفخ عليها إعلامه حتى تلتهب مجدداً. وفي هذا السياق يُحرّكُ "أردوغان" مُرتزقتهُ الذين جاء بهم مِن فلولِ إنكشاريي الحرب الإرهابية التكفيريّة، كما يُحرّكُ في الوقت ذاته ميليشيات الإسلام السياسي المحلية التي تعدّ نفسَها (كما يعدّها أردوغان والحلف الأطلسي) طَرَفاً في أيّ حَلّ بينما هي في واقع الأمر المشكلة التي تحُول ميدانيا دونَ أيّ حَلٍّ سلمي، إنها اللغم الذي يزرعه الغرب و أردوغان في أي حلٍّ سياسي للأزمة الليبية يعتمد معايير القانون الدولي الذي ما فتئ حلف الناتو يتحايل عليه ويخرقه بنشاطاته الاستفزازيّة عبْر العالم.

إنّ الغرب الأطسي يستثمر أوهامَ أردوغان لبعث الخلافة العثمانية مجدداً، وأحلامَ يقظته التي تُصَوّر له ليبيا ولاية عثمانية تابعة للباب العالي في اسطنبول وبالتالي يجب إخضاعها بقوّة الجيش التركي ومرتزقته المجلوبين من الخارج وميليشياته المحلية. ويأمل الغرب من هذا التوظّيف للوجود العسكري التركي في ليبيا أن يَحُول دون استقرار الأخيرة حتى يظل ممعناً في نهب ثرواتها، فاستقرار ليبيا يعني بناء مؤسسات دولة مدنية لها دستورها ومؤسساتها السيادية السياسية و العسكرية والأمنية والاقتصادية والثقافية وبرلمانها وحكومتها الوطنيان، التي من خلالها جميعا يستعيد الشعب الليبي سيادته على ترابه الوطني وما تحته وفوقه من ثروات، كما يستعيد حقه في تقرير مصيره وتحديد علاقاته مع بقية الدوَل والشعب وفق ما تقتضيه مصالحه الوطنية العليا. وهذا كله لا يرغب به الغرب الأطلسي ولا يريده لليبيا وشعبها لأنّ كُلّ ما يهمّه ويعنيه في ليبيا السيطرة على النفط والغاز وغيرهما من الموارد الهيدرو كربونية إضافة إلى العديد من المعادن التي تكتنزها الأرض الليبية.

وأردوغان لا تخفى عليه مقاصد الغرب الأطلسي، لكنه يُواصل سياسته الخارجية البهلوانية في الرَقْص على الحبال المُتباعدة إلى أن يقع يوما في هوّة لا قرار لها، ولكن بَعْدَ أن تكون شعوبنا في المغرب والمشرق العربيين قد ذاقت مرارات زقومية مِن جرّاء هذه السياسات الأردوغانية التي تلقى تشجيعاً وتوظيفا من الغرب الأطلسي على حساب استقرار وأمن دُولنا وشُعوبنا المُهدّدة بالتشظّي إن لم نضع حدّا لأخطبوط الإسلام السياسي وتنظيماته وجمعياته الإرهابية   التي يتكامل دورها مع دور الصهيونية العالمية وكيانها في فلسطين المحتلة، في خدمة مصالح الغرب الأطلسي في منطقتنا وعبْر العالَم.