كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أمريكا تُخرِج داعش من سُباته لتحقيقِ أهدافِها في المِنطَقة..

كتب المحلل السياسي لفينكس:

منَ المؤكَّد أنَّ الأحداثَ التي شهدَتها مدينة "الحسكة" السوريّة مِن فوضى أمنيّة أحدثَها تنظيم داعش الإرهابيّ، وما تلا ذلكَ من عمليّاتٍ عسكريّة للاحتلال الأمريكيّ وميليشيّات "قَسَد" الانفصاليّة لم يكُن فُجائيّاً وبريئاً حدَّ الادّعاء الأمريكيّ بأنَّ "داعش" عادَ للنموّ.

بل إنَّ ما حصلَ ويحصَل في مدينةِ "الحسكة"، وبخاصّة في سجنِ الثانوية الصناعيّة "بحيّ غويران" يتعدّى كونهُ خَرقاً أمنيّاً لتنظيم "داعش" الإرهابيّ، بل يُمكن تصنيفهُ ضمنَ مشهدٍ أكبرَ يُمكن أن يُطلَق عليه "خلط الأوراق" لتكريسِ الأمر الواقع، ولهُ انعكاسٌ على ملفّاتِ المِنطَقة وصراعاتِها بمُجملِها، وليسَ داخلَ الجغرافية السوريّة فقط.
وخلالَ مُؤشّراتٍ عِدّة نصل لنتيجةٍ مفادُها أنَّ أمريكا هيَ مَن هيّأ لهذهِ الفوضى، فهيَ صاحبةُ مصلحةٍ في ذلك، تشاركُها "قسَد" الانفصاليّة، والدليل على ذلك يكمن في أمورَ عدّة، أوّلُها على المُستوى الداخليّ الأمريكيّ المتمثّل بالرئيسِ "جو بايدن" وإدارتهِ، وصُقور حزبهِ منَ الديمقراطيّين الذينَ يُريدونَ صرفَ أنظارِ الجمهوريّين والمُعارضين لهم عنِ التوصُّلِ لاتّفاقٍ مع "إيران"، هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى، تبحث إدارة "بايدن" عن ذريعةٍ لإعادةِ تموضُعِ قواتِها في "سورية والعراق"، وتحسينِ الواقعِ التأييديّ الشعبيّ لها قبلَ الانتخابات النصفيّة للكونغرس، بالادّعاءِ أنّها تحارب الإرهاب الذي فَشِلَ الجمهوريّونَ بالقضاءِ عليه أثناءَ ولايةِ "ترامب" الجمهوريّ، وهذا يُتيحُ لإدارةِ "بايدن" إرسالَ المزيدِ منَ القوّات، والمُطالبة بميزانيّةٍ أكبر، ودعم "قَسَد" وتزويدها بالمزيدِ منَ الأسلحة التي قد تُقلق تركيا.
وثانيها على المُستوى الإقليميّ، فـ"واشنطن" تريدُ احتواءَ الكيانِ الصهيونيّ وضُغوطهِ المُستمرّة فيما يتعلّق بالانسحابِ الأمريكيّ من المنطقة، والاتفاق النوويّ الإيرانيّ بذريعةِ المخاطر التي تُحيطُ بالأمن القوميّ الإسرائيلي، كما أنَّ حصولَ الفوضى هذهِ سيؤدّي لتقديمِ صورةٍ للعالم بأنَّ الانسحابَ الأمريكيّ الكامل سيخلقُ فراغاً يهدّدُ الأمنَ الإقليميّ والعالميّ.
وثالثُها هذهِ الفوضى التي لا يمكنُ إخراجُها من دائرةِ الاستثمار في الصّراعِ الدوليّ الحاصل بينَ روسيا وأميركا، حيثُ تشكّل المجالَ الحيويّ والنَّشِط لتحرُّكاتِ "داعش" ضمنَ الرُّقعة الجغرافيّة في "العراق وسورية" أبرزِ بُؤرِ التهديد على المشروع الصينيّ "الحِزام والطّريق".
من المؤكَّد أيضاً أنَّ هناكَ نوعاً منَ التكتيك ضمنَ استراتيجيّةِ إدارةِ "بايدن" بدأت تتّضحُ معالمُهُ تجاهَ الملفّ السوريّ، وبخاصّة "المِنطقة الشمالية الشرقيّة" بعدَ وصفِ هذا الملفّ خلالَ الفترة الماضية بأنّهُ ليسَ ضمنَ أولويّاتِ هذهِ الإدارة.
وأبرزُ معالم هذا التكتيك هوَ تمييعُ الجبهات، واستثمارُ ما يُسمَّى (مُحاربة الإرهاب)، وتكريسُ النفوذِ الأمريكيّ عبرَ "قَسَد" على المناطقِ التي تُسيطرُ عليها.
فما تقومُ بهِ ميليشياتُ "قَسَد" وقوّاتُ الاحتلال الأمريكيّ من تدميرٍ مُمنهَج للبِنى، والاستهداف العشوائيّ لأحياء المدينة يُشكّلُ حالاً من التغيير الديمغرافيّ في تلكَ المنطقة، وتصفية كلٍّ منَ الرافضينَ للوضعِ القائم تحت مُسمَّى (مُحاربة الإرهاب).
معَ العلم أنَّ "مُخيَّمَ الهَول" الذي يضمّ /١٢/ ألفَ داعشيّ مع عوائلهِم، و"سجن الصناعة" الذي يضمّ /٥/ آلافِ داعشيّ يشكّلانِ بمن فيهما قنابلَ مَوقوتة، وهوَ ما يدفعُ أمريكا للاحتفاظِ بهِم دونَ تسليمهِم لدوَلهِم لمُحاكمتهم لاستمرارِ استثمارِهم في المنطقة.
إنَّ مَن يُراجعُ بَيانَ النيابة العسكريّة السوريّة بتمعُّن يتوصَّلُ للحقائقِ التالية؛ الحقيقة الأولى هيَ أنّهُ لا يمكنُ لتنظيمِ "داعش" ولا لأيٍّ من التنظيمات المُسلّحة والإرهابيّة بما فيها "قَسَد" القيامَ بأيِّ عملٍ عسكريّ في المِنطقة من دونِ ضوءٍ أخضرَ أمريكيّ، والذي يُخضِعُ المِنطقة ومُحيطَها للرقابة بأدقَّ أجهزةِ المُراقبة تطوّراً، بما فيها الأقمار الصناعيّة.
والحقيقة الثانية أنّهُ مَن يريدُ مُحاربةَ الإرهاب عليهِ ألّا يقومَ باحتلالِ جُغرافية أيّ دولة، وألّا يدعمَ وجودَ ميليشيّاتٍ انفصاليّة فيها.
والحقيقةُ الثالثة إظهارُ أنَّ أمريكا المُحارِبة للإرهاب مُجرَّدُ كِذبةٍ واهية، لأنَّ وجودَ "داعش" يكمنُ في السُّجونِ التي تصرُّ واشنطن على إبقائِها ضمنَ سيطرتها، لأنَّها تريدُ توظيفَهُم. 
أمّا الحقيقة الرابعة فتتمثّلُ في استثمارِ أمريكا ما حصل، لتقديمِ المزيدِ من دعمٍ لمشروعِ "قَسَد" الانفصاليّ.