العلوية والاثنا عشرية في القرن العشرين.. تقارب الهوية وتباين البنية العقدية
2026.06.30
نضال كامل
مقدمه
لم يكن القرن العشرون مجرد امتداد طبيعي لما سبقه من قرون، بل شكّل نقطة انعطاف حقيقية في العلاقة بين العلوية والشيعة الإمامية الاثني عشرية. فبعد ما يقارب ألف عام من التوازي التاريخي، حيث حافظ كل طرف على بنيته الفكرية المستقلة مع وجود صلات محدودة ومتقطعة، بدأت هذه العلاقة تدخل مرحلة جديدة فرضتها تحولات الدولة الحديثة، وصعود الهويات الوطنية، وتبدل موازين القوى في المشرق العربي.
ومن اللافت أن هذا التحول لم يبدأ من العقيدة نفسها، بل بدأ من سؤال الهوية والانتماء السياسي والاجتماعي، ثم انعكس تدريجياً على المجال الديني. ولذلك فإن فهم العلاقة بين العلوية والاثني عشرية في القرن العشرين يقتضي قراءة الأحداث ضمن سياقها التاريخي، بعيداً عن إسقاط تصورات الحاضر على الماضي.
من العزلة التاريخية إلى سؤال الهوية
طوال العهد العثماني عاش العلويون، إلى حد كبير، في عزلة جغرافية واجتماعية داخل جبال الساحل السوري. وقد ساعدت هذه العزلة على المحافظة على العقيدة العلوية بطابعها العرفاني الخاص، لكنها في المقابل حدّت من التواصل مع بقية المدارس الإسلامية، سواء السنية أو الشيعية. ولم تكن الجماعات الدينية في ظل الدولة العثمانية مضطرة إلى تقديم تعريف دقيق لهويتها، لأن الانتماءات كانت تُدار ضمن بنية الإمبراطورية، لا ضمن مفهوم الدولة الوطنية الحديثة.
لكن انهيار الدولة العثمانية عام 1918، ثم قيام الانتداب الفرنسي وظهور فكرة الدولة الوطنية، غيّرا طبيعة السؤال جذرياً. فلم يعد السؤال: ما هي عقيدة العلويين؟ بل أصبح: من هم العلويون في نظر الدولة الجديدة؟ هل هم جماعة دينية مستقلة؟ أم مذهب إسلامي؟ أم فرع من فروع التشيع؟
وللمرة الأولى أصبح تعريف الهوية قضية سياسية وقانونية، وليس مجرد نقاش فكري أو لاهوتي. وهذا التحول هو الذي مهد لكل ما جرى لاحقاً.
الشيخ سليمان الأحمد... مشروع الخروج من العزلة
في هذه اللحظة التاريخية برز الشيخ سليمان الأحمد بوصفه الشخصية الدينية الأكثر تأثيراً في النصف الأول من القرن العشرين. وكثيراً ما يُختزل مشروعه في محاولة لربط العلوية بالاثني عشرية، غير أن هذا التوصيف يبدو مبسطاً إلى حد كبير.
فالغاية الأساسية لم تكن إعادة صياغة العقيدة العلوية، وإنما إخراج المجتمع العلوي من عزلته التاريخية، وإعادة دمجه في الفضاء الإسلامي العام، مع المحافظة على خصوصيته العرفانية. لقد أدرك الشيخ سليمان الأحمد أن زمن الجماعات المنغلقة قد انتهى، وأن بقاء العلويين خارج المجال الإسلامي سيزيد من عزلتهم السياسية والاجتماعية في الدولة الناشئة.
ولهذا السبب بدأ حواراً مع علماء جبل عامل والنجف، وتبادل الرسائل مع عدد من كبار علماء الإمامية. ولم يكن مضمون تلك الرسائل دعوة إلى التخلي عن العقيدة العلوية، بقدر ما كان تأكيداً على أن العلويين ليسوا جسماً غريباً عن التاريخ الإسلامي، وأن بينهم وبين التشيع جذوراً تاريخية يمكن البناء عليها لإقامة علاقة جديدة قائمة على الاعتراف المتبادل.
كان الشيخ سليمان الأحمد ينطلق من إدراك عميق بأن الهوية لا تُصان بالانغلاق، بل بالحضور الواعي داخل المجال الحضاري الذي تنتمي إليه. ولذلك كان مشروعه، في جوهره، مشروعاً دفاعياً وإصلاحياً أكثر منه مشروعاً تبشيرياً أو مذهبياً. لقد كان يسعى إلى إزالة سوء الفهم التاريخي، لا إلى استبدال منظومة عقدية بأخرى.
المجتمع يسبق المؤسسة
خلال الأربعينيات والخمسينيات بدأت آثار هذا الانفتاح تظهر في المجتمع العلوي نفسه. فقد اتسعت دائرة التعليم، وازدادت هجرة أبناء الطائفة إلى المدن، ودخلوا الجيش والإدارة ومؤسسات الدولة، وأصبح احتكاكهم اليومي ببقية مكونات المجتمع السوري أكبر من أي وقت مضى.
ومع هذا التحول الاجتماعي بدأت الأسئلة الدينية نفسها تتغير. فالجيل الجديد لم يعد يعيش داخل البيئة الجبلية المغلقة التي عاش فيها آباؤه، بل أصبح جزءاً من مجتمع أوسع، الأمر الذي دفع إلى إعادة التفكير في موقع العلويين داخل الإسلام، وفي طبيعة العلاقة مع الفقه والشعائر والمؤسسات الدينية.
لقد سبق المجتمع المؤسسة في هذه المرحلة؛ إذ إن التحولات الاجتماعية هي التي دفعت إلى البحث عن صيغ جديدة للتعبير عن الهوية الدينية، وليس العكس. فقبل أن تتغير الخطابات الرسمية، كانت أنماط الحياة والتعليم والاندماج في مؤسسات الدولة قد بدأت بالفعل بإعادة تشكيل وعي الأجيال الجديدة.
الشيخ عبد الرحمن الخير... من الاعتراف إلى إعادة بناء التدين
إذا كان الشيخ سليمان الأحمد قد انشغل بإزالة العزلة الفكرية، فإن الشيخ عبد الرحمن الخير انتقل بالمشروع إلى مستوى آخر، هو إعادة تنظيم الحياة الدينية اليومية.
فقد ركز الشيخ عبد الرحمن الخير على نشر الثقافة الإسلامية العامة، وشجع بناء المساجد، وأكد أهمية الصلاة والصيام، ودعا إلى دراسة الفقه الجعفري، محاولاً أن يجعل التدين الظاهر عند العلويين أكثر تقارباً مع البيئة الإسلامية المحيطة.
وكانت هذه المرحلة تعكس تحولاً مهماً؛ إذ لم يعد الهدف مجرد إثبات الانتماء التاريخي إلى المجال الإسلامي، بل أصبح السعي إلى تجسيد هذا الانتماء في الممارسة اليومية وفي مؤسسات المجتمع الدينية.
ومع ذلك، فإن جهود الشيخ عبد الرحمن الخير لم تستهدف إعادة صياغة البنية العرفانية للعقيدة العلوية، بل كانت محاولة لإعادة بناء الممارسة الدينية العامة بما يخفف من حالة الانفصال التاريخي بين المجتمع العلوي وبقية المجتمع الإسلامي.
وهنا بدأت العلاقة مع الاثني عشرية تنتقل من مستوى الحوار بين العلماء إلى مستوى التأثير الاجتماعي والثقافي.
حافظ الأسد... عندما أصبحت الهوية قضية دولة
كان وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970 بداية مرحلة مختلفة تماماً. فقد خرج موضوع الهوية العلوية من دائرة النخب الدينية ليصبح جزءاً من بنية الدولة السورية نفسها.
ولم يعد السؤال يتعلق فقط بالانتماء الفكري، بل بشرعية السلطة الجديدة داخل مجتمع ينص دستوره على أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون مسلماً. ومن هنا اكتسبت العلاقة مع المرجعيات الشيعية بعداً سياسياً غير مسبوق.
وفي هذا السياق جاءت مبادرة الإمام موسى الصدر بإعلانه أن العلويين ينتمون إلى الشيعة الإمامية. ومن المهم قراءة هذا الإعلان في سياقه التاريخي؛ فقد كان يحمل أبعاداً دينية وسياسية في آن واحد، وأسهم في توفير أرضية مشتركة لعلاقة أخذت تتطور لاحقاً بين الدولة السورية والمرجعيات الشيعية في لبنان، ثم في إيران بعد قيام الثورة الإسلامية.
ومنذ تلك اللحظة لم تعد العلاقة بين العلوية والاثني عشرية شأناً دينياً خالصاً، بل أصبحت جزءاً من التوازنات الإقليمية والتحالفات السياسية في الشرق الأوسط. وأصبح التقارب يخدم، في الوقت نفسه، احتياجات الهوية الدينية ومتطلبات الجغرافيا السياسية.
الثورة الإيرانية... الانتقال إلى مرحلة التأثير المؤسسي
إذا كان مشروع الشيخ سليمان الأحمد قد فتح باب الحوار، وكانت مرحلة حافظ الأسد قد منحت هذا الحوار بعداً سياسياً، فإن الثورة الإيرانية عام 1979 نقلت العلاقة إلى مستوى جديد تماماً، هو مستوى المؤسسات.
فقد توسع التواصل مع الحوزات العلمية، وازداد عدد الطلاب العلويين الذين درسوا في قم والنجف، وانتشرت المؤلفات الإمامية في بعض الأوساط العلوية، كما ظهرت مؤسسات دينية وثقافية جديدة عززت هذا التقارب. وبدأت بعض الشعائر والممارسات ذات الطابع الإمامي تجد حضوراً أكبر مما كان عليه الحال في العقود السابقة.
ولذلك يمكن القول إن التأثير أصبح أكثر انتظاماً واستمرارية، ولم يعد قائماً على المبادرات الفردية وحدها، بل أصبح مدعوماً بمؤسسات دينية وتعليمية وشبكات من العلاقات العابرة للحدود. ومع مرور الوقت، أصبح هذا التقارب جزءاً من المشهد الديني والثقافي العام، وليس مجرد ظاهرة تخص النخب الدينية.
هل تغيرت الهوية العلوية؟
يبدو هذا السؤال بسيطاً، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة تعقيداً.
فالهوية ليست بنية واحدة، وإنما مستويات متعددة تتحرك بسرعات مختلفة. فمن الممكن أن تتغير الهوية السياسية خلال سنوات قليلة، وأن تتبدل الممارسات الاجتماعية خلال عقود، بينما تبقى البنية الفلسفية العميقة مستقرة لقرون.
وهذا ما حدث، إلى حد بعيد، في الحالة العلوية.
فقد اقتربت الهوية السياسية من المجال الشيعي بصورة واضحة، كما شهد التدين الظاهر تقارباً متزايداً مع الممارسات الإمامية. غير أن الطبقة العرفانية الأعمق، المتمثلة في الثالوث (المعنى والاسم والباب)، والتأويل الباطني للنصوص، والتقمص، والرؤية الرمزية للوجود، بقيت تمثل الخصوصية الفلسفية للعقيدة العلوية، وظلت بمنظومتها المفهومية ومسارها التأويلي مستقلة عن البنية الكلامية والفقهية والحديثية للإمامية الاثني عشرية.
ولهذا يمكن القول إن القرن العشرين شهد تقارباً كبيراً في مستويات الهوية السياسية والاجتماعية والمؤسساتية، بينما بقيت العقيدة العلوية، في مستواها العرفاني العميق، خارج هذا التقارب. فالتفاعل الذي جرى بين العلوية والاثني عشرية لم يمس الأسس الفلسفية المنتجة للعقيدة العلوية، ولم يؤدِّ إلى إعادة تشكيل بنيتها الباطنية، بل بقي محصوراً في المجال الظاهر: أي في الهوية العامة، والممارسة الدينية، والعلاقة بالمؤسسات، والتحالفات السياسية.
ويعزز هذا الاستقلال أن الأدبيات الإمامية التقليدية لم تتعامل مع المقولات العرفانية المؤسسة للعقيدة العلوية بوصفها امتداداً لتراثها العقدي، بل أدرجتها في الغالب ضمن ما عُرف في التراث الإمامي بالغلو. ولم يكن هذا التصنيف مجرد خلاف فقهي أو اجتهاد مذهبي، بل كان تعبيراً عن اختلاف في البنية العقدية نفسها، الأمر الذي يكشف أن غياب التفاعل لم يكن من جهة العقيدة العلوية وحدها، بل كان نتيجة طبيعية للتباين الجذري بين المنظومتين.
ومن هنا تنشأ مشكلة الالتباس في كثير من القراءات المعاصرة؛ إذ يخلط بعض الباحثين بين التقارب في المظهر الديني والمؤسساتي، وبين التحول في البنية العقدية العميقة. فالاقتراب من الفقه الجعفري، أو تبني بعض الشعائر الإمامية، أو الدخول في علاقات سياسية مع مرجعيات شيعية، لا يعني بالضرورة أن العقيدة العلوية قد دخلت في تفاعل فلسفي مع الإمامية الاثني عشرية، لأن ما يميز العلوية في جوهرها لا يقوم على الفقه والشعيرة وحدهما، بل على رؤية عرفانية وتأويلية خاصة للوجود والنص والإنسان.
خاتمة
تكشف تجربة القرن العشرين أن العلاقة بين العلوية والاثني عشرية لم تكن مساراً نحو الذوبان العقدي، بل نحو التقارب التاريخي والسياسي والاجتماعي الذي فرضته تحولات الدولة الحديثة والجغرافيا السياسية. أما العقيدة العلوية، في بنيتها العرفانية والفلسفية، فقد بقيت خارج هذا المسار، محافظة على استقلالها المفهومي ومنظومتها التأويلية الخاصة. ومن هنا، فإن فهم هذه العلاقة يقتضي التمييز بين التقارب في الهوية والمؤسسات والممارسة الدينية، وبين استقلال البنية العقدية العميقة، لأن الخلط بين هذين المستويين كان ولا يزال مصدر كثير من الالتباس في قراءة تاريخ العلوية وعلاقتها بالإمامية الاثني عشرية.