كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

كش ملك لا تكفي في بلاد فارس

بشير عصمت
حين تفشل الضربة في كسر الزمن: في صلابة الدولة الإيرانية وحدود الحسم العسكري
ليست المشكلة في هذه الحرب حجمها، بل بنيتها العميقة. فبعض الحروب تُقاس بعدد الضربات، وبعضها الآخر يُقاس بما تكشفه عن بنية الدول. وما يجري اليوم ينتمي إلى النوع الثاني: لحظة اختبار لا لتوازن الصواريخ فقط، بل لقدرة الأنظمة على البقاء تحت الصدمة.
القراءة السطحية لأي استهداف مباشر لقيادة إيران تميل إلى استنتاج سريع: سقوط الرأس يعني اهتزاز الجسد. لكن هذا الاستنتاج يعكس إسقاطًا لنموذج الدولة الحديثة الهشة على تجربة سياسية مختلفة جذريًا. فإيران، بخلاف كثير من الأنظمة المعاصرة، لم تُبنَ كدولة تدور حول رجل واحد، حتى لو بدا منصب القائد الأعلى كذلك في ظاهره المرئي.
لا شك أن السلطة الرمزية والعملية تتكثف في موقع القائد الأعلى بدرجة نادرة في العالم المعاصر. الشرعية الدينية، وقيادة القوات المسلحة، والتحكيم السياسي النهائي، كلها تلتقي في هذا الموقع. غير أن الخلط بين كثافة السلطة وهشاشة البنية هو أحد أكثر أخطاء التحليل شيوعًا. فالبروز لا يعني بالضرورة قابلية الانكسار، بل قد يكون واجهة لنظام صُمّم بعناية ليبقى بعد القادة لا بهم.
الجمهورية الإسلامية ليست مجرد نظام شخصي يرتدي عباءة دينية، بل نظام ثوري تشكّل تحت وطأة سؤال واحد: كيف تمنع الدولة من الانهيار إذا غاب المركز فجأة؟ النخبة التي صاغت دستور 1979 لم تكن تقرأ الفقه فقط، بل كانت تقرأ التاريخ الإيراني بوصفه سجل تحذيرات. من سقوط الصفويين بعد انهيار المركز، إلى الفوضى التي أعقبت وفاة نادر شاه، إلى ارتباكات ما بعد القاجار، استقر في المخيال السياسي الإيراني درس قاسٍ مفاده أن الفراغ أخطر من الهزيمة.
هذا الوعي التاريخي هو الذي أنتج بنية النظام كما نعرفها اليوم. لم تُصمَّم المؤسسات لتجميل السلطة بل لضبطها. مجلس خبراء يختار ويراقب القائد، لا ليمنحه شرعية مطلقة بل ليمنع احتكارها. مجلس صيانة يحرس الاتجاه الأيديولوجي ويمنع الانحرافات الكبرى. مجمع تشخيص مصلحة النظام وُضع أصلًا لكسر حالات الشلل المؤسسي حين تتصارع مراكز القرار. أما الحرس الثوري، فلم يُبنَ فقط كقوة عسكرية، بل كجهاز حارس لبقاء الثورة في الداخل والخارج.
هذه الشبكة ليست مجرد طبقات بيروقراطية، بل منظومة امتصاص صدمات. نظام متداخل صُمّم ليعمل حتى عند تعطل جزء منه. الفكرة الجوهرية التي عبّر عنها الخميني بوضوح كانت بسيطة وجذرية: بقاء الجمهورية الإسلامية أهم من أي فرد، مهما علا مقامه. هذه ليست عبارة خطابية، بل قاعدة تصميم مؤسسي.
التاريخ الداخلي للنظام يعكس هذه القاعدة بوضوح. اغتيالات مبكرة طالت رأس السلطة التنفيذية في الثمانينيات لم تُسقط النظام، بل دفعت إلى إعادة إنتاج القيادة بسرعة لافتة. وعند وفاة الخميني نفسه، لم يكن خامنئي الوريث الطبيعي لا من حيث الكاريزما ولا من حيث الرتبة الدينية، ومع ذلك حسمت المؤسسات الخيار لصالح الاستمرارية لا الرمزية. الرسالة التي تكرّست داخل الدولة كانت واضحة: النظام يجب أن يستمر ولو تغيّرت كل الوجوه.
حتى الصدمات الأحدث، كوفاة مفاجئة لرئيس الدولة، جرى احتواؤها ببرودة مؤسساتية تكاد تبدو بلا عاطفة. انتقال سريع للسلطة، انتخابات ضمن الإطار الدستوري، واستمرار الآلة السياسية بلا انهيار. وكأن النظام يتعامل مع الصدمات بوصفها تدريبات قاسية لا استثناءات نادرة.
الدستور الإيراني نفسه يتوقع هذه اللحظات صراحة. فهو ينص على آليات انتقال فورية للسلطة في حال غياب القائد الأعلى، ويمنح المؤسسات المؤقتة صلاحيات تمنع الفراغ. اللافت أن النصوص لا تضع سقفًا زمنيًا صارمًا للخلافة، ما يفتح الباب أمام إدارة طويلة للانتقال إذا كانت البلاد في حالة حرب. هذه المرونة ليست ثغرة، بل أداة لإدارة المخاطر.
لكن ما يجري داخل النصوص شيء، وما يجري داخل النظام العميق شيء آخر. فعملية اختيار القائد لا تُحسم فقط في الأطر الرسمية. هناك توازنات غير مكتوبة تلعب دورًا حاسمًا: وزن الحرس الثوري في تقدير المخاطر، مزاج الحوزة الدينية في منح الشرعية الضمنية، وشبكات النخبة التي تتقاطع بين الأمن والدين والسياسة. لهذا تبدو الخلافة في إيران عملية تفاوض مركبة أكثر منها قرارًا شكليًا.
ورغم هذه الصلابة البنيوية، يبقى من المشروع التشكيك في وحدة الموقف داخل النظام. فالأنظمة العقائدية تبدو متماسكة من الخارج، لكنها تخفي غالبًا تفاوتًا في الحسابات داخل النخبة بين منطق البقاء ومنطق المغامرة. غير أن التجربة الإيرانية تُظهر أن لحظات الخطر الوجودي تميل إلى تقليص هذه الفجوات بدل توسيعها.
هذا ما يجعل استهداف القيادة لحظة مزدوجة المعنى. فهي قد تُضعف النظام على المدى الطويل، لكنها قد تدفعه إلى التصلّب على المدى القصير. الأنظمة التي وُلدت من رحم الثورات تتصرف في لحظات التهديد ككائنات دفاعية، تتكاثف دوائرها بدل أن تتفكك. ما يبدو من الخارج فوضى قد يكون، في منطقها الداخلي، إعادة اصطفاف.
هنا تتقاطع البنية الداخلية مع طبيعة الحرب نفسها. فالصراع الحالي لا يدور فقط حول ميزان القوة العسكرية، بل حول ميزان الزمن. صحيح أن التفوق العسكري يميل بوضوح إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن الحسم لا يُقاس بالتفوق حين يكون الطرف الآخر قادرًا على إطالة الكلفة. إيران لا تحتاج إلى انتصار كي تغيّر المعادلة، يكفي أن تمنع الآخرين من تحقيق نصر نظيف.
ومن هذه النقطة تحديدًا تتغير طبيعة الحرب. تتحول من مواجهة ميدانية إلى معركة استنزاف جيوسياسي. يصبح مضيق هرمز لاعبًا استراتيجيًا موازياً للطائرات، وتتحول شركات الشحن والتأمين إلى عناصر ردع غير تقليدية. الاقتصاد يبدأ بإعادة توزيع الأوزان حيث تعجز الصواريخ عن الحسم.
الولايات المتحدة تدرك هذه المعضلة جيدًا. فهي لا تبحث عن حرب طويلة بقدر ما تبحث عن لحظة ردع قابلة للتسويق. هدفها ليس إسقاط إيران بقدر ما هو تعديل سلوكها وإعادة رسم قواعد الاشتباك. لكنها تقف أمام مفارقة كلاسيكية: ضربة كبيرة لا يمكن التراجع عنها بسهولة، ونصر غير مكتمل لا يمكن إعلانه ببساطة. في مثل هذه اللحظات يصبح معيار العودة إلى التفاوض سياسيًا لا عسكريًا.
وفي نهاية المطاف، لا تُخاض الحروب الكبرى بالخطابات بل بالضباط. أهل الميدان أدرى بلحظة الحسم من صُنّاع الشعارات، لأنهم وحدهم يرون كلفة النقلة الأخيرة قبل أن تقع. كثير من الحروب تنتهي حين يدرك العسكريون أن النقطة التالية ليست انتصارًا بل فوضى.
العالم بدوره يدخل هذه الحرب من أبواب غير عسكرية. الصين تنظر إليها من زاوية الطاقة وسلاسل الإمداد قبل أي شيء آخر، وروسيا تراها فرصة لإرباك خصومها أكثر مما تراها معركة لإنقاذ طهران. أما الأسواق، فهي المؤشر الأكثر صدقًا دائمًا: فإذا ارتبكت الملاحة، دخلت الحرب كل بيت حتى لو لم يسمع أحد صوت الصواريخ.
في الداخل الإيراني، المفارقة أكثر قسوة. نظام سلطوي يجد نفسه في لحظة تهديد خارجي كبرى، ما يمنحه هامش تماسك إضافيًا رغم أزماته الداخلية. التاريخ الحديث يخبرنا أن الحروب الخارجية لا تُسقط الأنظمة الصلبة سريعًا، بل تمنحها أحيانًا عمرًا إضافيًا لأنها تذيب التناقضات الداخلية في بوتقة الخوف. الا اذا برز امر مخفي.
كل ذلك يجعل المرحلة المقبلة أقرب إلى موجات لا إلى لحظة حاسمة واحدة. ضربة أولى عنيفة، يعقبها زمن رمادي طويل: توترات متنقلة، رسائل بالنار، واقتصاد عالمي على حافة القلق. قد تنتهي الصواريخ قبل أن تنتهي الحرب فعليًا، لأن آثارها ستبقى تعمل ببطء داخل بنية المنطقة.
أما في المشرق، حيث تتشابك الجغرافيا بالرمز، فستبقى الساحات الهشة الأكثر حساسية. العراق مرشح لأن يبقى منطقة توتر منخفض الشدة مرتفع الأثر. الخليج سيدخل زمن الأمن القلق حتى لو هدأت الضربات. ولبنان سيبقى النقطة الأكثر التباسًا، لأن أي انزلاق فيه يحمل وزنًا يتجاوز حجمه الجغرافي.
في لبنان تحديدًا، المعادلة أكثر هشاشة. القوى المرتبطة بالمحور لا تستطيع الذهاب إلى حرب شاملة لأن البيئة اللبنانية لم تعد تحتملها، ولا تستطيع الانكفاء الكامل لأن هويتها الإقليمية لا تسمح بذلك. لذلك يبدو التصعيد المحسوب هو السيناريو الأكثر واقعية: توتر دائم بلا انفجار كبير، حافة تُدار ولا تُكسر.
أما نحن، فلا نملك ترف التحليل البارد. بلد لم يخرج بعد من العناية الفائقة، لا يزال يتنفس بأنابيب الخارج، لا يستطيع التعامل مع الحروب كما تتعامل معها الدول المكتملة. دفع أثمانًا تفوق طاقته تحت عناوين كبرى، وربما آن الأوان لشيء من الحكمة الثقيلة: كتم الغيظ أحيانًا ليس ضعفًا، بل رأفة بما تبقّى من وطن يتآكل بصمت.
في المحصلة، نحن أمام حرب قد تبدو قصيرة في نشرات الأخبار وطويلة في التاريخ. قد تتوقف الضربات قريبًا، لكن تداعياتها ستستمر في إعادة تشكيل المنطقة ببطء. الشرق الأوسط يدخل طورًا لا تُحسم فيه الحروب بانتصارات صافية، بل بتوازنات هشة تُدار ولا تُحل.

وكما قال ابن خلدون: الحروب مبدؤها كلام، وآخرها خراب.