مَتى يكفّ العرَب عن حَرْقِ مصالحِهِم بنيران حروب المصالح الصهيو-أمريكيّة؟!
هادي دانيال- فينكس
بدونِ تَرَدُّد يُمكن عَدَّ حروب "الربيع العربي" و"الحرب الروسية-الأوكرانيّة" في عداد حروب المصالح الصهيو – أمريكيّة عبْر العالم، فَبَعْدَ عقدٍ ونيّفٍ مِن تدشين مؤامرة "الربيع العربي" في تونس تَبيَّنَ للنُّخَبِ السياسية والثقافيّة العربيّة أنّ "ثورات الفوضى الخلّاقة" كانت تُدار مِن سفارات الولايات المتحدة الأمريكيّة في تونس والقاهرة وطرابلس ودمشق وصنعاء وهي حقائق (تحدثت عنها في كتبي السياسية السّبْعَة الصادرة في تونس بين عاميّ 2011و2017) وأكدتها مذكرات وتصريحات هيلاري كلينتون وباراك أوباما ودونالد ترامب وغيرهم، والأمر ذاته حصل في أوكرانيا، فكما كان مُراداً من مؤامرة الربيع العربي تدمير الدولة الوطنية بتفكيكها وتقسيمها وتعويضها بدُوَيْلات فاشلة تقوم على أسس عرقية ودينية طائفية تدور جميعها في فلك دولة إسرائيل اليهودية الكبرى وتكون ثروات تلك الدُّوَيْلات تحت أرضنا وفوقها نهبا للشركات الاحتكارية الإمبريالية الغربية والأمريكية خاصة، دفعت الدوائر الأمريكية الصهيونية الرئيس الأوكراني "زيلنسكي" وحكومته التي مُعظم أعضائها من اليهود الصهاينة إلى جَعْلِ أوكرانيا مِنصّة للتآمُر على الدولة الوطنية الروسية (الاتحاد الروسي) بغية تدمير روسيا وتفكيكها إلى دُوَيْلات فاشلة على أسس عرقية ودينية ولو كلّف الأمر التضحية بأوكرانيا نفسها لأنّ رئيس أوكرانيا وحكومته حوّلوا أوكرانيا، الدولة الشاسعة ديمغرافيا القوية اقتصاديا وصناعيا، إلى دولة وظيفية في خدمة المصالح الصهيو أمركية، وقد وَصَل غياب الوطنية وانعدام المشاعر الإنسانية تجاه المدنيين الأوكرانيين أنفسهم عند "زيلنسكي" وحكومته إلى أن يدعو "ألكسي ريزنيكوف" وزير الدفاع في حكومة "كييف" العميلة خلال شهر تموز/جويلية 2022 "صانعيّ الأسلحة لاختبار المنتجات الحربيّة الجديدة هنا "، أي أنّه يريد أن تكون بلاده ومصائر شعبه ميادين وفئران اختبار لثمار مصانع أسلحة الفتْك والدمار الأمريكية!
ومثلما كان الغرب وراء تدمير الدول التي استهدفتها مؤامرة الربيع العربي وبالتالي سبباً رئيساً في هجرة الملايين من مواطني هذه الدول، إلى دول الجوار أولا (لقد أقامت دولة تركيا الأطلسية مخيمات للاجئين السوريين المُفتَرضين حينها داخل أراضيها القريبة من الحدود السورية قبل أسابيع من انطلاق أول مظاهرة ضد الحكومة السورية بإيعاز من السفارة الأمريكية بدمشق التي كانت مقر إدارة التنسيقيات الثوريّة!) وَمِن ثمّ الدفع بهؤلاء اللاجئين عبْر البحار خاصة إلى بعض دول الاتحاد الأوربي، فقد كانت الحكومة الإسرائيلية التي أقامت المشافي الميدانية في الجولان المحتل لمعالجة "ثوار الثورة السورية" ونقلت بعضهم إلى مشافي تل أبيب، كانت هذه الحكومة الإسرائيلية شريكة في المؤامرة التي تستهدف وجود الدولة الوطنية الروسية ، ولذلك وَوفْقاً لصحيفة "إسرائيل اليوم"، فإن الحكومة الإسرائيلية وضعت قبل أشهر من اندلاع الأزمة الروسية -الأوكرانية خطة للتعامل مع نقل 5 آلاف يهودي أوكراني للبلاد أسبوعيا، تنفيذا لخطة أشمل تهدف إلى نقل 200ألف يهودي من أوكرانيا و600ألف يهودي من روسيا في حال تمّ تفكيك الاتحاد الروسي وتمكّن التحالف الغربي الصهيوني من هزيمة موسكو. وواقع الحال أنّ هؤلاء اليهود الأوكرانيين والروس المقرر جلبهم إلى فلسطين المحتلة سيستوطنون الضفة الغربية والنقب وغيرهما من أراضي السلطة الفلسطينية التي يتمّ قضمها تدريجيّاً بمواصلة بناء المستوطنات.
وإذا كانت الحكومة الإسرائيليّة بمختلف وزاراتها ، وبالتعاون مع الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالميّة قد وظفت الحرب في أوكرانيا لوضع خطة نظام الطوارئ لاستقدام يهود أوكرانيا قيد التنفيذ، فإنّ ما لاشكّ فيه أنّ وجود الشعب الفلسطيني وصموده على أرضه التاريخيّة يجعل تنفيذ الخطّة الإسرائيليّة الاستراتيجية القاضية بتوطين 800ألف يهودي يتمّ جلبهم من أوكرانيا وروسيا أمرا متعذّراً على المدى القريب، ولذلك سيتمّ حاليا العمل على جلب مئة ألف يهودي من أوكرانيا وروسيا وتوطينهم في فلسطين المحتلة بذريعة أنهم "فارّون من الحرب في أوكرانيا". ولا يشوّش على هذه الحقيقة زَعْم وزيرة الداخلية الإسرائيلية "إيليت شاكيد" أنّ سبب الاكتفاء بجلب مئة ألف يهودي هو أنّ الكيان الصهيوني "دولة صغيرة، لديها مشكلة في استيعاب أعداد كبيرة من اللاجئين والمهاجرين". أمّا قول "شاكيد" إنّ "الدول الأوربيّة مفتوحة أمام هؤلاء المواطنين الأوكرانيين وبإمكانهم العمل فيها"، فمعناه أنّهم تُرِكوا وديعة لدى أوربا إلى أن توفّر تل أبيب ظروف وشروط جلبهم، لأنّها تراهن عليهم لكسب حربها الديموغرافية مع الفلسطينيين سكان البلاد وأصحابها الأصليين.
لقد فضحت العملية العسكرية الروسية الخاصة المؤامرة الغربية الصهيونية وأهدافها انطلاقا من أوكرانيا، كما نزعت الأقنعة الحضارية الإنسانية المزعومة عن الغرب الأوربي، فقد بَيَّنَ "فرانشيسكو روكا"، رئيس الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر أنَّ القبول الأوربي السريع للأوكرانيين الفارين من (...) بلادهم يسلط الضوء على "المعايير المزدوجة" الرائجة في أوروبا تجاه المهاجرين، والتي يدفع ثمنها الأشخاص الفارون من العنف في إفريقيا والشرق الأوسط وأماكن أخرى..
ولاحظ أن الاتحاد الأوروبي المؤلف من 27 دولة "لا تزال لديه مناهج مختلفة حيال التعامل مع المهاجرين على حدوده الشرقية من أوكرانيا وحدوده الجنوبية على البحر المتوسط".
وأوضح أن "أكثر من 48 ألف مهاجر لقوا حتفهم أو اختفوا منذ عام 2014 أثناء سفرهم عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا، مع ما لا يقل عن 19 ألف حالة وفاة من هذا القبيل"، مشيراً إلى أنه "غالبًا ما يتم وضع أولئك الذين يصلون إلى إيطاليا واليونان وإسبانيا، في المعسكرات ويواجهون فترات انتظار طويلة حتى يتم الاستماع إلى مطالبهم من قبل الهيئات المختصة باللاجئين" بينما هذا "المجتمع في أوروبا كان قادرًا على فتح ذراعيه، واستقبل الملايين من الأوكرانيين في غضون أيام قليلة" مؤكدا في هذا الجانب أنّ "العرْقَ والجنسية لا ينبغي أن يكونا عاملا حاسما في إنقاذ الأرواح". وأردف "هناك ازدواجية في المعايير ، وهذا واضح للعيان، ولا يمكننا إنكاره عندما يتعلق الأمر بطلب الحماية الخاصة باللاجئين".
وفي ذات السياق يتساءل نيكولاس ميسينسكي، أستاذ مساعد للعلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة ماين، في تحليل له نشرته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية: لماذا كانت استجابة الاتحاد الأوروبي مع أزمة لاجئي أوكرانيا مختلفة عن تعامله مع عدد من الأزمات السابقة للاجئين، مؤكدًا أن الاتحاد الأوروبي أمامه فرصة للتعاون بصورة أفضل لإدارة أزمات الهجرة، ومشيراً إلى ازدواج المعايير أيضا بقوله إنّ" السبب الأوضح وراء تفعيل توجيه الحماية المؤقتة هو التمييز؛ إذ نُلاحظ مدى سخاء الاتحاد الأوروبي في فتح حدوده أمام الأوكرانيين المسيحيين البيض، لكنه يأبى توفير الحماية المماثلة للسُوريين، والأفغان، وغيرهم من اللاجئين من غير البيض. كما أن بعض الصحافيين والسياسيين لا يُخفون تحيُّزهم عندما يُرحبون بالأوكرانيين لأنَهم «متحضرون نسبيًّا، وأوروبيون نوعًا ما» أو بسبب أوجه التشابه الثقافي أو الديني بينهم". وذكّر بمطالبة إيطاليا ومالطا بعد تداعيات مؤامرة الربيع العربي، بتفعيل التوجيه بالحماية المؤقتة، و "عوضًا عن ذلك أنشأ التكتل الأوروبي نظام الحصص لإعادة توطين حوالي 160 ألف لاجئ من اليونان وإيطاليا في مختلف الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، لكن هذا النظام فشل فشلًا ذريعًا عندما رفضت بولندا، والمجر، وسلوفاكيا، وجمهورية التشيك، استقبال اللاجئين المسلمين".
كما فضحت العمليّة العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا مدى التورُّط الإسرائيلي في المؤامرة التي تستهدف وجود الدولة الروسية انطلاقا من أوكرانيا ليس فقط بوجود مئات الضباط المتقاعدين الإسرائيليين على الأراضي الأوكرانية في مهمات تدريب المرتزقة الذين تمّ جلبهم من مختلف أنحاء العالم لمحاربة القوات الروسية، بل أيضا بإقدام الكيان الصهيوني (مثله في ذلك مثل نظام أردوغان) على تزويد حكومة كييف الصهيونية بأسلحة "دفاعيّة؟".
والفضيحة الأكبر تكمن في تورّط بعض الحكومات العربية التي ارتضت لنفسها أن تقف جنبا إلى جنب مع الكيان الصهيوني في دعم حكومة "كييف" الصهيونيّة، التي لم تُخفِ دعمها السافر لتل أبيب ليس فقط في تسفير اليهود الأوكرانيين كمستوطنين جدد في فلسطين المحتلة، بل وفي دعم الاعتداءات الإسرائيلية كافة على الأراضي والشعوب العربية وآخرها تصريح "زيلنسكي" الذي عدّ أنّ "إسرائيل" محقة في قصف قطاع غزة وتدمير البيوت الفلسطينية على رؤوس مَن فيها أطفالا ونساءً وشيباً وشبابا.
فإذا كان العرب عاجزين عن دعم الفلسطينيين عسكريا واقتصاديا وسياسيا، فكيف يجيزون لأنفسهم الانخراط في حروب المصالح الصهيو أمريكية على حساب مصالح دولهم وشعوبهم داخل المنطقة وخارجها؟. وكيف نزعم أنّنا مع الحقّ الفلسطيني وفي الوقت ذاته ندعم المؤامرة التي تستهدفه مُباشَرَةً؟!
والمفارقة أنّ العار لا يقتصر على النخب السياسية الرسميّة وغير الرسميّة بل يشمل النخَب الثقافية العربية، وخاصة منها المقيمة في الدول الأوربية، ذلك أنّ هذه النخب انساقت أمام البروباغندا الصهيو- غربيّة بتقديم الهدايا و المواقف "المجانية؟" لحكومة كييف الصهيونية، إلى درجة أنها تشارك في كتابة المقالات و القصائد الداعمة موضوعيا لهذه الحكومة ومَن وراءها في واشنطن وتل أبيب. والمؤسف أنّ بين النخب المتورّطة شعراء مناضلين يفاخرون بدعمهم للحقّ الفلسطيني، فَإذا أحسَنّا النيّة، وأعدْنا حماقة هؤلاء إلى افتقادهم الوعي السياسي الذي يمكّنهم من إدراك المصالح الصهيونية في دعم الجانب الأوكراني وتصويره وكأنّه الضحيّة المعتدى عليها، أما كان جديرا بهم أن يقفو على الحياد، في الأقلّ؟!